التطبيع مع الأسد.. استراتيجية جديدة لـ “إبعاد إيران” برقابة أمريكية

في الوقت الذي تتواصل فيه خطوات بعض الدول العربية باتجاه التطبيع مع نظام “بشار الأسد” في سوريا، تتوالى محاولات تبدو جادة لإعادة هذا النظام إلى الجامعة العربية، بينما لا تزال بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عند موقفها الرافض لتأهيل هذا النظام المتهم بارتكاب عمليات إبادة جماعية على مدى أكثر من عشر سنوات.

وبينما يحذر مراقبون من استمرار قطار التطبيع مع الأسد، بدعوى أنه يُشجّع النظام على مواصلة تدمير سوريا وإعادة هندستها طائفيا من خلال عمليات الإبادة والتهجير، كشفت وثيقة أردنية، أن الهدف النهائي من الخطوات العربية للتطبيع، هو “خروج جميع القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب من سوريا الذين دخلوا البلاد بعد 2011″، بما في ذلك انسحاب القوات الأميركية والتحالف من شمال شرقي سوريا، وفق مقاربة “خطوة مقابل خطوة” تشمل “الحد من النفوذ الإيراني في أجزاء معينة من سوريا”، ما عزز التوقعات بأن تكون التطورات الأخيرة في سياق استراتيجية جديدة اتبعها العرب لوقف الهيمنة الإيرانية في المنطقة.

تطبيع أم محاولة لإبعاد إيران

في آخر المواقف العربية الداعية للتقارب مع النظام السوري، قال وزير الخارجية الجزائري “رمطان لعمامرة”، الأربعاء الماضي، إنه آن الأوان لعودة سورية إلى جامعة الدول العربية، مشددا على أن كرسي سورية يجب أن يعود إليها من دون التدخل في سياساتها ومن يحكمها.

كما أكد الوزير الجزائري أن بلاده لم توافق أصلاً على تجميد عضوية سورية في الجامعة العربية، مشيراً إلى أن ذلك لم يسهم في الحلول.

تصريحات “لعمامرة”، جاءت بعد يوم واحد من زيارة أجراها وزير الخارجية الإماراتي “عبد الله بن زايد” إلى سوريا، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ أكثر من عشر سنوات، كان النظام السوري يعيش خلالها شبه عزلة عربية، بسبب رفضه كل المبادرات لإيقاف الحرب التي شنها على السوريين المطالبين بتغيير في بلادهم.

في تعليقه على التطورات الأخيرة، يرى المحلل السياسي، “خليل الحمادي” أن سلسلة التطبيع مع الأسد، بدأت منذ زيارة العاهل الأردني أخيراً إلى واشنطن، معتبرا أن الملك، أخذ ضوء أخضر من الأميركيين للبدء في التطبيع، مشددا على أن الخطوات العربية الأخيرة، لن تكون لصالح حلفاء الأسد في حربه ضد الشعب لكنها ستكون لصالح السوريين على وجه العموم، من خلال إعادة سوريا إلى حضنها العربي.

ويؤكد “الحمادي”، أن خطوات التطبيع لا تعني أن الدول العربية ترى أن نظام “الأسد” انتصر إنما انتصر حلفاؤه خاصة الإيرانيون، مشددا على أن الحد من النفوذ الإيراني في سورية يمر عبر إعادة هذا النظام الى المحيط العربي وإبعاده عن طهران”.

ويرجح “الحمادي” أن تكون زيارة وزير الخارجية الإماراتي في سياق “محاولة سحب النظام من الحضن الإيراني في مقابل تقديم حوافز، تحديداً في ملف إعادة الإعمار، وتقديم المساعدات الإنسانية، مؤكدا أن المقاطعة العربية للنظام في سوريا ساهمت خلال السنوات العشر الأخيرة على تعزيز الدور الإيراني على جميع الأصعدة بما فيها الاقتصادية.

يشار إلى أن جامعة الدول العربية اتخذت قراراً، في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، بتعليق عضوية النظام في الجامعة بسبب رفضه التجاوب مع مبادرة لها للحل في سورية.

وطلب القرار سحب السفراء مع إبقاء الطلب “قراراً سيادياً لكل دولة”. وصدر القرار بموافقة 18 دولة واعتراض 3 هي سورية ولبنان واليمن، وامتناع العراق عن التصويت.

ويرى مراقبون أن الموقف العربي تجاه النظام السوري متباين، خاصة ان عدة دول عربية ما زالت ترفض تعويمه، مثل السعودية، بينما يبدو الموقف المصري غير محسوم حتى اللحظة، على الرغم من اللقاء الذي تم بين وزير الخارجية المصري سامح شكري، ووزير خارجية النظام “فيصل مقداد”، أواخر سبتمبر/أيلول الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وثيقة أردنية تكشف الشروط..

كشفت وثيقة أردنية وملحقها السري، أن الهدف النهائي من “التطبيع العربي” مع النظام السوري هو “خروج جميع القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب، الذين دخلوا البلاد بعد 2011، من الأراضي السورية “، بما في ذلك انسحاب القوات الأميركية والتحالف من شمال شرقي سوريا وتفكيك قاعدة التنف الأميركية، قرب حدود الأردن والعراق.

كما أوضحت الوثيقة، أن خروج القوات الأجنبية قد يجري بشكل متسلسل وفق مقاربة “خطوة مقابل خطوة”، تشمل بداية الحد من النفوذ الإيراني في أجزاء معينة من سوريا، مع الاعتراف بالمصالح الشرعية لروسيا، بحسب ما نقلت صحيفة الشرق الأوسط، اليوم الجمعة.

ويتضمن هذا التقارب “حوافز” لدمشق مثل مرور “أنبوب الغاز العربي” عبر سوريا من مصر والأردن إلى لبنان، وإقامة الإمارات محطة كهرباء على الطاقة الشمسية، بموازاة عدم اعتراض أميركي على تلك الخطوات، لا بل تعليق العقوبات التي فرضها قانون قيصر على التعامل مع النظام في سوريا.

يشار إلى أن الجانب الأردني أعد هذه الوثيقة أو الخطة قبل أشهر، وناقشها الملك عبد الله الثاني مع الرئيسين الأميركي “جو بايدن” في واشنطن في تموز\ يوليو، والروسي “فلاديمير بوتين” في آب/ أغسطس ومع قادة عرب وأجانب.

وحسبما ذكرت صحيفة “الشرق الأوسط” كانت تلك الوثيقة شكلت أساسا لعدد من الخطوات التي قامت بها دول عربية تجاه دمشق، سابقا وشملت لقاء وزير الخارجية فيصل المقداد تسعة وزراء عرب في نيويورك وزيارات رسمية أردنية – سورية واتصالات بين قادة عرب ورئيس النظام السوري “بشار الأسد”.

واشنطن وقطار التطبيع

على الرغم من أن كل المعطيات السياسية، تشي بأن موقف بعض الدول العربية المندفع اتجاه النظام السوري يصطدم بموقف من الولايات المتحدة، التي أعلنت، الثلاثاء الماضي، رفضها أي محاولة للتطبيع مع الأسد، والذي وصفته بـ”الديكتاتور الوحشي”، إلا أن الباحث في الشأن السوري “خالد الديري” لا يخفي تفاؤله بضمان تنفيذ كافة بنود الوثيقة، نظرا لشموليتها وتقديمها مقاربة واقعية للحل في سوريا، خاصة مع تركيزها على ضرورة وضع نهج تدريجي للتوصل إلى حل سياسي على أساس القرار 2254.

ويبرر “الديري” تفاؤله، بما يسميه “موافقة أولية” أمريكية، على ما جاء في نص الوثيقة، خاصة أن واشنطن قادرة على إيقاف قطار التطبيع متى شاءت، معبرا عن اعتقاده أن الولايات المتحدة فتحت المجال أمام الدول العربية لأخذ دورها في حل القضية السورية، بما تمليه مصالحها، مشددا على أن تلك الدول تولي ملفين أهمية قصوى، أولهما تطويق النفوذ الإيراني” وإبعاد خطره على حدودها، وثانيهما ملف اللاجئين السوريين.

ويضيف، الموقف الأميركي من نظام الأسد “ثابت ولم يتغير”، مذكرا بـ “قانون قيصر”، ومؤكداً أن القانون جزء من المنظومة القانونية الأميركية، وأن تعديله أو الغاءه لا يتم إلا عن طريق الكونغرس.

وبحسب الباحث “الديري”، فإن نظام الأسد لا يمكن تسويقه مرة أخرى وأن محاولات التطبيع لن تنجح في إعادة تأهيله قبل التوصل لحل سياسي شامل والانتهاء من جميع القضايا العالقة، ما يعني أن الموقف الأمريكي لن يتغير إلا بتطبيق كافة بنود الوثيقة التي تبدو عملية “تقييد” للنظام وإجباره للقبول بالحل السياسي على أساس القرار الأممي 2254.

يشار إلى أن الخارجية الأميركية، كانت أعربت الثلاثاء، عن قلقها إزاء التقارير التي تحدثت عن اجتماع وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد، مع رئيس النظام السوري، بشار الأسد، في دمشق وعلى الإشارة التي ترسلها.

وقال المتحدث باسم الخارجية “نيد برايس”، إن إدارة بلاده “لن تعبر عن دعمها لأي جهود للتطبيع أو لتأهيل بشار الأسد الذي هو ديكتاتور متوحش”، داعيا “الدول في المنطقة للنظر بعناية إلى الأعمال الوحشية التي ارتكبها النظام السوري والأسد نفسه ضد شعبه خلال العقد الأخير”.

كما أكد أن الإدارة الأميركية ترى “أن الاستقرار في سوريا والمنطقة يمكن تحقيقه فقط من خلال العملية السياسية التي تمثل إرادة كل السوريين ونحن ملتزمون بالعمل مع حلفائنا وشركائنا والأمم المتحدة من أجل تحقيق حل سياسي دائم”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.