التطرف في سوريا؛ من الولادة حتى الانفجار المحتوم

دراسة مهمة تؤرخ لولادة العنف في سوريا وسيرورة التيارات العنفية وصيرورتها منذ مطلع خمسينيات القرن المنصرم حتى سقوط داعش؛ نستعرض من خلالها أسباب التطرف ودور الاستبداد في نموه ودفع الشباب نحوه من خلال المحاور الآتية:

  • تطور حوادث العنف منذ الاستقلال حتى اليوم.
  • هل كانت سوريا بيئة حاضنة لفكر الإخوان أو لأيديولوجيات متطرفة أخرى؟
  • الأسباب الموضوعية التي ساهمت في ولادة التطرف.
  • الظلم والاضطهاد.
  • الفقر والتفقير المتعمد.
  • الجهل بمقاصد الدين ورسالته.
  • القبضة الأمنية المتوحشة.
  • التطرف في الثورة السورية.
  • موجة التطرف الكبرى (تنظيم داعش)
  • آثار التطرف في الثورة السورية والمجتمع السوري.
  • ظهور حالات الثأر في المجتمع ذي الطابع العشائري.
  • تدمير العقد الاجتماعي للمجتمع السوري.
  • سبل مكافحة التطرف.
  • الخاتمة.

تمهيد

لا شك في أن كلمة (تطرف)، بوصفها دالّاً لغوياً، تثير في ذهن القارئ أثراً نفسياً رجعياً كونها تدل على معانِ تذكرنا بحوادث حزينة ومشاهد مخيفة مررنا بها خلال مراحل حياتنا، وبالأخص ما حصل ويحصل اليوم في سوريا.

ولكن، ما هو سرّ هذه الكلمة التي أصبح وقعها في النفس اليوم يثير الرعب في الجسد، والتخبّط في التفكير؟

لا بد أن الأمر يتعلق بالإدراك والفهم العقلي المباشر، بمعزل عن التحليل والتركيب لدى الشخص الطبيعي، الذي ربطها، لا شعوريا،ً بـ (الإرهاب).

ولما كان التطرف موضوعاً واسعاً ومتشعباً فكرياً وزمانياً وجغرافياً، فقد آثرنا أخذ نموذج منه يستوفي شروطه ومظاهره وآثاره جميعها، ولعل سوريا اليوم هي أقرب النماذج لنجري عليها دراستنا هذه.

لمحة عن تطور الحوادث في سوريا قبيل الاستقلال حتى الوقت الحالي

بطبيعة الحال، سوريا من البلاد العربية المسلمة، تتبع للشرق الأوسط، عصفت بها منذ أواخر الأربعينات من القرن الماضي انقلابات عسكرية أطاحت الديمقراطية الوليدة بعيد الاستقلال عن الانتداب الفرنسي.

ومع بداية الخمسينات نمت في هذا البلد الصغير تيارات فكرية أيديولوجية متناقضة، منها القومي، ومنها الأممي، ومنها الديني، مستفيدة من الجو الديمقراطي الذي ساد خلال خمسينيات القرن المنصرم بخاصة.

ومن تلك التيارات، التيار الناصري الذي نادى بالقومية العربية، والأحزاب والشيوعية، واليسارية بعامة، التي استفادت من علاقة الاتحاد السوفياتي بالأنظمة العربية الصاعدة، وسعت لكسب قاعدة شعبية. وطبعاً حدث هذا في البلدان العربية التي أطلق عليها (التقدمية) مجازاً، ولم يكن هناك أي نشاط سياسي في الخليج العربي، لاستفادته من الطفرة النفطية التي أمّنت لشعوبها سباتّا عميقّا معزولاً عن الأفكار السياسية (التقدمية) السائدة آنذاك.

وما يهمنا هنا، من بين تلك التيارات، هو التيار الإسلامي الذي بدأ في الظهور والانتشار في تلك الآونة، ونقصد (حركة الإخوان المسلمين).

وقد آثرنا التطرّق إلى الحديث عن هذا المكون الحزبي في أكثر من موقع في هذه الدراسة، إذ لا يمكننا الحديث عن التطرف من دون التعريج على حركة الإخوان المسلمين، بصفتها أول جماعة سياسية دينية في المنطقة، والركيزة المؤسسة للتطرف والتعصب الديني الإسلامي لاحقاً، في نظر طائفة من المفكّرين.

نادى الإخوان بتطبيق الشريعة الإسلامية، وهي النظام الذي تُحكم البلاد من خلاله. ولما كانت أهداف الحركة تتعارض مع مبدأ النظام الجمهوري والملكي والبرلماني وغيرها من الأنظمة السائدة، فقد ابتدع منظروها مبدأ (الحاكمية) في إدارتهم لشؤون البلاد، في حال استتبت لهم.

وطبيعي جداً أن تصطدم أفكار الحركة مع الأنظمة في ذلك الوقت، إذ كانت ما تزال ترزح تحت هيمنة الاستعمار الأوروبي، ولاحقاً بعد نيل الاستقلال، مع الأنظمة العسكرية الانقلابية، والدكتاتورية بالمجمل.

وكانت نكبة فلسطين وقيام دولة إسرائيل عام 1948 قد حوّلت الموازين نسبياً لمصلحة الإخوان، وبدأت تنشأ قاعدة جماهيرية لهم، لإطلاقهم صيحة (الجهاد) لتحرير فلسطين، الفكرة التي استهوت الشباب المتحمس آنذاك.

هنا، أصبحنا نشاهد تجاذبات سياسية أحياناً، ومواجهات بين الأنظمة والإخوان المسلمين في بعض الأحيان.

وكانت جماعة الإخوان تلجأ إلى العنف ضد القبضة الأمنية للأنظمة أحياناً، لتُظهر للشعب بأنها المخلص من الدكتاتورية، والصوت الوحيد الممثل لهمومهم وتطلعاتهم الثورية، كما حصل في مدينة حماه السورية عام 1964 على سبيل المثال، عندما حدثت مواجهات بين الإخوان من جهة ونظام البعث الشمولي من جهة أخرى، ذهب ضحيتها كثير من الأبرياء. إلا أن المواجهة الأعنف في سوريا بين الجماعة والنظام السوري، ورئيسه حافظ الأسد، كانت في شتاء 1982، وأيضاً كان مسرحها مدينة حماه. وقتئذ، دفعت المدينة ثمناً باهظاً، فدُمرت أجزاء واسعة منها، وراح ضحية المواجهات عشرات آلاف (تعددت الروايات بين 30 و60 ألفاً نتيجة غياب الإعلام) من المواطنين المدنيين أكثرهم، من النساء والأطفال والشيوخ، والشبان من التيارات كافة وبصورة عشوائية.

ونتج عن حوادث حماة سجن قيادات جماعة الإخوان وأعضائها وملاحقتهم، وطُبق القانون 49 القاضي بعقوبة الإعدام لمنتسبي الجماعة، وطويت صفحة وجود الإخوان بوصفهم حزباً سياسياً في سوريا في عقب تلك المرحلة.

بقيت قيادات الإخوان المسلمين خارج سوريا، أغلبهم في العراق والأردن ودول الخليج، وتمكّن قسم منهم التوجّه إلى الدول الأوروبية.

هل كانت سوريا بيئة حاضنة لفكر الإخوان أو لأيديولوجيات متطرفة أخرى؟

بعد حوادث الإخوان، ومدينة حماه خصوصاً، تغول النظام السوري ورئيسه حافظ الأسد آنذاك، وأصبحت سوريا، بحسب تشبيه السوريين، مزرعة له ولحزبه ولطائفته وأسرته. وسيطر النظام على مرافق الدولة والمجتمع السوري جميعها، فكيف عاش السوريون في تلك المرحلة، التي أسست لتغلغل (التطرف) في أنفس شريحة من السوريين:

الظلم والاضطهاد

كما هو معلوم، أصبح في سوريا حزب واحد سائد، وهو حزب البعث العربي الاشتراكي، وقائد واحد هو حافظ الأسد، وشخصيات عدة من طائفته، العلوية، صارت تتحكم بمقدرات البلاد، الأمنية والعسكرية والاقتصادية.

ومع أن حافظ الأسد كان قد رفع شعار الاشتراكية، إلا أن هذا الشعار كان لتغطية رؤوس الأموال التي جُمعت بيد مجموعة محدودة من الشخصيات المقربة منه، ولم تكن تحت الضوء أغلبها، كما لم يكن يتجرأ أحد من السوريين على ذكرها.

بقيت تلك الشخصيات غير واضحة المعالم في عهد حافظ الأسد، لكنها بدأت تظهر بقوة على الملأ في عهد وارثه بشار الأسد، إذ التف حوله عدد من (الأوليغارش)، إن صح التعبير، الذين تمتعوا بامتيازات حكومة النظام وتسهيلاتها كافة، درجة أن قوانين الدولة كانت تصدر للمحافظة على مصالحهم الاقتصادية والسياسية، والمقصود هنا، إضافة إلى عائلة الأسد، عائلتي (مخلوف) و(شاليش).

أضف إلى ذلك، كان الفساد الذي استشرى في مفاصل الدولة جميعها، بدءاً من الفساد القضائي وصولاً إلى انتشار الرشاوى والمحسوبيات وإحلال نظام الولاء للنظام والحزب الحاكم بدل الكفاءة والخبرة والتكنوقراط.

خلق جو الفساد هذا، فئة من المستفيدين الصغار، الذين اختطفوا الدولة لمصلحتهم الشخصية، وعاشوا على حساب ظلم السواد الأعظم من السوريين وقهره، هذا كله أضفى حالة من الغضب الشعبي، المكبوت والمؤجل، على النظام ومؤسساته وشخوصه.

الفقر والتفقير المتعمد

كانت سوريا دولة تعتمد في اقتصادها بشكل رئيس على الزراعة، ومع بداية العقد الأخير من القرن العشرين تغيرت سياسة الدولة، فأهملت الزراعة ورفعت الحماية عن الفلاح ليصبح فريسة للبنوك والشركات التي تؤمن السماد والمعدات الزراعية بأثمان باهظة.

ولأسباب سياسية تتعلق بتخوف النظام من المكون الكردي في الجزيرة السورية، قام النظام بحرمان الفلاحين من مياه الري حتى خرجت مئات آلاف من الهكتارات من العمل الزراعي، وإثر ذلك هاجر الفلاحون من محافظات الحسكة وريف الرقة إلى المدن الكبرى للعمل بأجور منخفضة وأوضاع عمل قاسية.

وفي المدينة، كان العمل في القطاع الخاص، الصناعي والخدمي، مثقلاً بالفساد والإهمال الحكومي، إضافة إلى أجور العمال الزهيدة قياساً بساعات عملهم الطويلة، وحرمانهم من ضماناتهم الاجتماعية والنقابية، التي كانت حكراً على موظفي الدولة معظمهم.

ولم تكن هناك دراسة صادقة وشفافة حول دخل الفرد، إلا تلك الدراسات التي يقوم بها النظام، التي كانت بعيدة البعد كله عن الواقع المعيش، لإخفاء عجز النظام عن الوقوف في وجه مشكلات المجتمع السوري.

ومن خلال دراسة أجراها معهد (فيريل) الألماني حول الوضع الاقتصادي السوري من عام 2010 حتى عام 2016، تبيّن أن مستوى دخل أسرة مكونة من خمسة أشخاص، لم يتجاوز الـ (2 دولار) للشخص الواحد، وهذا يلامس خط الفقر، بحسب معايير البنك الدولي.

ولا شك في أن الفقر هو أحد الأسباب المهمة التي شجّعت على التطرف والتشدد، بحسب المثل السوري المتداول (الفقر كفر)، وليس المقصود هنا الكفر بالدين، بل على العكس تماماً، فهو يعني أنه يجرّ صاحبه إلى ارتكاب سلوكات قد تصل في بعض الأحيان إلى ارتكاب الجرائم للقضاء على هذا (الكفر)، وإحدى هذه الطرائق كانت باللجوء إلى تبنّي الصبغة الدينية التي كانت تمثّل الجانب المضاد للنظام، بحسب اعتقاد معتنقيها.

وعلى الرغم من ذلك تمكّن النظام -بطريقة ما- السيطرة على بعض التوجّهات الدينية وتحريكها بحسب أهوائه، كما سيمرّ معنا..

الجهل بمقاصد الدين ورسالته

نتيجة وجود نظام يدعي العلمانية في سوريا، حُجِّم دور الدين ورجالاته خلال عقود طويلة من حكم الأسد الأب والابن، بل عمد إلى خلق حاشية من رجال الدين همهم الأول ترسيخ عقيدة الولاء للحاكم. وتمتع هؤلاء العلماء بدعم مادي وسياسي من النظام، ومنهم الشيخ أحمد كفتارو الذي بقي مفتياً لسوريا منذ استلام حافظ الأسد السلطة وحتى وفاة الأول، افتتح كفتارو في تلك المدّة معهداً لتعليم الدين خرّج عشرات من (العلماء) والمشايخ الذين ما فتئوا يمجدون نظام الأسد ويدعون له على المنابر وفي الفاعليات والاحتفالات الدينية جميعها.

فكان الدين هو ما يراه الحاكم، وكان رجل الدين موظفاً عند ذلك الحاكم، ومن ثم كانت المؤسسة الدينية تسخّر تعاليمها لتنفيذ رغبات حافظ الأسد من دون اعتراض.

ومنِعت كثير من الكتب الدينية والتفاسير التي تشجع على الخروج على الحاكم الظالم، ومنها، على سبيل المثال، كتب (ابن تيمية) التي مُنع تداولها في سوريا، وعوقب بالاعتقال كل من ثبت اقتناؤه لمثل هذه الكتب.

نتيجة ذلك، وإمعاناً في معاندة النظام، انكبّت فئة من الشباب على قراءة ما يتم تهريبه من هذه الكتب وغيرها، انطلاقاً من مبدأ “كل ممنوع مرغوب”، ولسان حالهم يقول: طالما أن نظام الأسد قام بمنعها، فهذا يدلّ على صحة ما ورد فيها.

ولما كان أغلب المطّلعين على فتاوى تلك الكتب، من الفئة غير المثقفة دينياً أو المحصّنة بالتفاسير الصحيحة، فقد تأثروا بما ورد فيها من تعاليم تحضّ على (الجهاد) والقتال من دون التمعّن بمقاصدها والمرحلة التاريخية التي صدرت فيها، وكانت النتيجة الطبيعية تبنّيها فكرياً ومن ثم تطبيقها حين تدعو الحاجة إلى ذلك.

وكثيراً ما كانت الجماعات المتطرفة، عقب الغزو السوفياتي لأفغانستان وبروز ظاهرة (العرب الأفغان)، تطبع كتباً لمؤلفين مجهولي الاسم والهوية خشية الملاحقات الأمنية، واشتملت تلك المطبوعات بالدرجة الأولى على أفكار (فرضية) الجهاد، وخلع الحاكم الظالم، وقتال الشيوعية، والغرب الكافر، وذوي التوجّهات العلمانية، وإقصاء الآخر-المخالف- ووجوب تكفيره وتنفيذ حكم القصاص (الإلهي) بحقه.

وقد تأثر عدد، من الذين ذكرناهم آنفا،ً بتلك الأفكار وتشبعوا بها نتيجة النقمة على الأوضاع السائدة داخل المجتمع في ظل النظام. بل عدّوا كل من يخالفهم الرأي شريكاً بصورة أو بأخرى لذلك النظام، وإن كان من أشد المعارضين له.

القبضة الأمنية المتوحشة

اعتمد نظام الأسد حكماً بُني على أساس أمني استخباراتي بحت، مستفيداً من إعلان حالة الطوارئ منذ عام 1963 التي هي أطول حالة طوارئ في التاريخ.

وكما هو معروف، ففي ظل العمل بقانون الطوارئ، يجري تعليق الدستور وحرمان الناس من الحريات العامة كحرية التعبير والصحافة، وحرية الرأي، وتعدد الأحزاب. وأصبح كل من يحاول الاعتراض، أو السعي لبناء حالة سياسية جديدة في سوريا يتهم بمعاداة الدولة – النظام، فكراً وتطبيقاً، والإخلال بالأمن العام، و(إضعاف الشعور الوطني) بحسب القانون.

وعليه، يجري اعتقال مرتكبي ذلك الجرم وتغييبهم، وتعذيبهم جسدياً ونفسياً في الفروع الأمنية، وقليل منهم يجري تحويله بعد ذلك إلى السجون السياسية والعسكرية، كسجن تدمر أو صيدنايا، أو المزة، الذي أزيل مؤخراً بقرار من الأسد الابن، لقضاء سنوات غير محددة، بأمر من الحاكم العرفي، ومن دون محاكمة أغلب الأحيان.

كما كان قانون الطوارئ يجيز للقوى الأمنية التدخل في شؤون السوريين حتى في مأكلهم ومشربهم وأساليب حياتهم. هذا كله جر البلاد إلى تغول خطر للأجهزة الأمنية، وأصبح شغل عنصر الاستخبارات الشاغل كتابة التقارير الأمنية بالمواطنين وجرهم إلى أقبية الفروع تحت أي ذريعة كانت.

ولتخيّل حجم كابوس الفروع الأمنية في سوريا علينا أن نذكر أن عدد عناصرها وضباطها قد وصل عام 2005 إلى 105 آلاف (متطوّع)، في بلد مثل سوريا بلغ عدد سكانه 21 مليون نسمة، في حين إن جهاز الشرطة السرية التابع للنظام النازي المعروف بالـ(غيستابو) الذي كان يحكم هتلر من خلاله كلاً من ألمانيا والبلاد الأوروبية التي احتلها، كان تعداده حوالى 40 ألف عنصر.

كانت الممارسات الوحشية لتلك الفروع الأمنية، الصانع والمكوّن الحقيقي للإرهاب والتطرف في سوريا، وقد استثمر النظام السوري صناعته تلك أثناء الغزو الأمريكي للعراق، حين قام بإرسال آلاف من الشباب السوري المحتجّ على ذلك الغزو، إلى العراق، وكان جلّهم من الشباب البسطاء، أو من أولئك الذين تأثروا بالفكر الجهادي المتطرّف، والعديد منهم كان خافياً على النظام، فجمعهم ودربهم ومن ثم أرسلهم إلى العراق، بوساطة شخصيات جهادية قيادية تبيّن لاحقاً ارتباطها بالأجهزة الأمنية، كـأبي القعقاع (محمود قول أغاسي)، الذي قام النظام بتصفيته بعد انتهاء دوره في أواخر تموز/ يوليو 2017.

وحين عاد من بقي حياً من أولئك الجهاديين إلى سوريا، قام النظام، بضغط من الاستخبارات الأمريكية، بالقبض عليهم وزجهم في سجون الفروع الأمنية ومن ثم جمعهم في سجن (صيدنايا). ليصبح هؤلاء لاحقاً ورقة ضغط من النظام، يهدد بهم أمن البلد واستقراره وبقية دول العالم في الوقت الذي يشعر فيه بتهديد وجوده.

التطرف في الثورة السورية

بعد سردنا للوقائع المريرة التي سادت في سوريا، وفي ظل النظام السوري الحالي، قبيل انتهاء العقد الأول من الألفية الثالثة، بإمكاننا القول إن الأرضية كانت جاهزة لاستقبال أي دعوة إلى الاحتجاج على هذا النظام واندلاع الثورة ضده.

ومع انطلاق الشرارة من تونس في نهاية عام 2010، وبداية ما عرف لاحقاً بثورات الربيع العربي، انطلق الحراك الشعبي في سوريا في 15 آذار 2011 ليأخذ صورته المدوّية في محافظة درعا في 18 من الشهر نفسه.

وعلى الرغم من سلمية الحراك الدرعاوي ومطالبة المتظاهرين بالحرية، من دون المساس بشخص رئيس النظام، إلا أن الأخير باشر بقمع الحراك بالنار والحديد، وقتل المتظاهرين منذ اليوم الأول، واتهم الحراك الشعبي بالسلفية والطائفية وإنشاء (إمارة إسلامية)، محاولة منه لتحويل أنظار السوريين ووسائل الإعلام عن الحقيقة التي لم تتأثر بوضاعة تلك التهم وسخافتها آنذاك.

ومع اتساع رقعة التظاهرات التي نادت بالحرية بادئ الأمر، وبـ (وحدة الشعب السوري) في المدن السورية أغلبها، بقي النظام، مدة تزيد على أربعة أشهر من الاحتجاجات، قلقاً من سلمية الثورة، ومدنيتها، وعدم انجرارها ووقوعها في شرك (الأسلمة) والطائفية الذي نصبه النظام على الرغم من ارتكاب (الشبيحة) مجازر في حمص، وريف دمشق، ومدن الساحل بحق أبناء الطائفة (السنية).

وهنا، أقبل النظام على تنفيذ خطّته الثانية، وهي استخدام ورقة الأسلمة والتطرّف والتسليح، العناصر الثلاثة المشكّلة حقيقةً لمفهوم (الإرهاب) بحسب معايير دول القرار في العالم بعد حوادث 11 أيلول 2001. وذلك حين أصدر بشار الأسد مرسوماً رئاسياً في شهر حزيران 2011 أفرج بموجبه عن المعتقلين السياسيين في سجن صيدنايا، من الإسلاميين الذين سبق واعتقلهم حين عادوا من (الجهاد) في العراق أغلبهم، وهم على ارتباط بتنظيم القاعدة، وقسم آخر كان من المنتسبين إلى تنظيمات وأحزاب إسلامية متشددة كحزب التحرير الإسلامي والنصرة وغير ذلك. وكان عدد من أُفرِج عنهم آنذاك يقارب 1450.

ومن بين المفرج عنهم، سنجد من تزعّموا لاحقاً الفصائل المسلحة للجماعات الإسلامية الجهادية، والمتطرفة، والمتبنيّة مبدأ (السلفية الجهادية).

حقيقةً، إن ما بعد شهر حزيران 2011 ليس مثل ما قبله، فقد اتجهت الأوضاع إلى الصدام المسلح، ما بين الطرف الديني الذي يمثّل المعارضة على الأرض، وجيش النظام الذي يمثّل أطياف الدولة السورية كافة –كما يجري تسويقه- وهذا بالضبط ما خطط له نظام الأسد ونجح في تحقيقه.

ولا ننسى أيضا دور الدول الإقليمية في تأجيج الصراع وتغذيته بين الطرفين، فقد تدفق آلاف المقاتلين (الشيعة) من إيران وأفغانستان والعراق وحزب الله اللبناني، إلى سوريا بحجة حماية (العتبات المقدسة) فيها، قابله دخول (المجاهدين) (السنّة) إلى سوريا لحرب (الفرس والرافضة والنصيرية) على حد وصفهم، وبذلك تحولت سوريا إلى أرض معارك، بالوكالة، بين الأطراف الإقليمية والدولية، لرعاية مصالحها، باستغلال العامل الديني- الطائفي بوصفه الأشدّ إثارة وفاعلية عند شعوب المنطقة تاريخياً.

ولتأمين وصول الأموال إلى (المجاهدين) في سوريا، اعتمدت الدول الداعمة لهم بالدرجة الأولى على جماعة الإخوان المسلمين من السوريين، كونهم أبناء البلد، والأعتق والأشدّ عداءً لنظام الأسد فيها، والأكثر تنظيماً مقارنة بالتيارات المعارضة التي بدأت نشاطها حديثاً بفعل الثورة، والأهم من ذلك كله: التقاطع الفكري الديني الجهادي الذي يجمع بينهم وبين الفصائل الإسلامية.

بدأت الفصائل المتشددة تتنامى، بالتزامن مع إطلاق مصطلحات طائفية، لم تكن متداولة في الشارع السوري، وأخذت بالتسرّب إلى عقول شريحة لا بأس بها من الثوار السوريين، كـ (النصيرية) على سبيل المثال، والمقصود بها الطائفة العلوية، وبدأت فتاوى استحلال دم الطائفة بصورة غير مسبوقة، وكذلك رفع شعار (تطبيق الشريعة).

وهذه المفهومات جديدة الطرح على السوريين بالعموم، لكنها صارت أكثر رواجاً، وبخاصة على شبكات ومواقع الإنترنت الإعلامية، قسمٌ منها يتبع مؤسسة الإخوان، وقسم آخر يدار بوساطة (ناشطين) إعلاميين يتبعون الفكر السلفي الجهادي وداعميه.

ولم يمض النصف الأول من عام 2012 حتى بدأ السوريون يتابعون مشاهد لعناصر من الفصائل الإسلامية تنفّذ عمليات قتل بحق أسرى لجنود النظام وعملائه، بعضها بالأسلحة التقليدية وأخرى بقطع الرؤوس بالسكاكين، ردّاً على مقاطع التعذيب والطعن والحرق حتى الموت التي كان ينشرها (شبيحة) النظام وجنوده بحق الثوار المدنيين.

وقد استفاد النظام كثيراً من تلك الممارسات، لإيصال صورة الثوار إلى العالم بأنهم مجموعة من المتطرفين والإرهابيين، وليقدّم بشار الأسد نفسه بأنه يحارب الإرهاب والتطرف في سوريا، وحامياً للأقليات والمكونات السورية الأخرى.

وقد اتبعت الفصائل الإسلامية الأكثر شهرة، كجبهة النصرة وحركة أحرار الشام الإسلامية وجيش الإسلام على سبيل المثال، سياسة خاصة لتكوين قاعدة شعبية تلائمهم، ووسائلهم في ذلك اعتمدت على:

1_ المساجد

استولت هذه الجماعات على المساجد، وأصبحت المنابر لهم، تتحدث بلسان حال الجماعة والأمير لتوجيه الناس، ونشر منهجهم الفكري في عقولهم، وحثّهم على تبني رأي الجماعة تمهيداً للدفاع عن هذه الأيديولوجية ضد من يخالفها.

2_ المعاهد الشرعية

قامت تلك الجماعات بافتتاح معاهد شرعية ضمّت إليها الفئات العمرية كافة، وكثير من هذه المعاهد أشبه بالمدارس الداخلية المغلقة، إذ يدخل المنتسب إليها وتبدأ بعدها عملية التثقيف الفكري الخاص بالجماعة: إقامة الحدود، تطبيق الشريعة، إعلاء كلمة الله، السمع والطاعة لولي الأمر، والسعي لإقامة (إمارة- خلافة- دولة) إسلامية. تلك المفهومات التي كتب لها فشل التطبيق في أفغانستان والعراق سابقاً.

وصارت مفهومات الحرية والديمقراطية ودولة القانون، في فكر تلك الجماعات، مفهومات غربية، حرام تداولها والتعاطي بها، كما أن (الديمقراطية شرك بالله).

وصار يجب معاداة أي شخص يخالف الجماعة في الرأي، وقتله في أغلب الأحوال، من مبدأ (قتل المصلحة)، ومن خلال هذا المبدأ يمكن لأي منتسب قتل من يحلو له، بحجة المحافظة على المصلحة العليا للجماعة.

3 _الإعلام والمعلوماتية (مواقع التواصل الاجتماعي)

استفادت الجماعات المتطرفة في سوريا من القفزة في عالم الإنترنت، ولم يكن الإعلاميون في لجماعة يقلون أهمية عن المقاتلين، أو حتى الأمراء، فهم الذين يأتون بالدعم المالي ويجندون المقاتلين الأجانب من بقاع الأرض كافة.

وبالطبع كانت مواقع التواصل الاجتماعي الحامل الأهم لانتشار أفكار الجماعة وتعاليمها، وأصبح منظرو هذا الفكر أو ذاك، إعلاميين مشهورين يتابعهم الملايين من المعجبين والمتأثرين على تويتر وفيس بوك وتلغرام وغير ذلك، وينتظرون إصداراتهم وفتاواهم الحديثة.

ومن بين الدعاة الإعلاميين لتلك الجماعات، نذكر على سبيل المثال وليس الحصر: أبو محمد المقدسي، وأبو قتادة الفلسطيني، وهاني السباعي. وهؤلاء الثلاثة ليسوا من الأصول السورية، ويقيمون خارج سوريا أيضاً.

وغير هؤلاء كثر، ساهموا في نشر ثقافة الجماعات الجهادية المتطرفة، وتجنيد الشباب من العالم العربي وأوروبا للمجيء إلى سوريا والقتال فيها.

موجة التطرف الكبرى (تنظيم داعش)

تنظيم داعش فاق غيره من التنظيمات الإرهابية من حيث حجم التطرف والإجرام، ومن حيث الرقعة الجغرافية التي حكمها التنظيم، والأثر الذي سببه في سوريا والعراق وفي مستوى العالم أجمع، لذلك يعد هذا التنظيم ثورة في عالم التطرف والغلو، فأفردنا له باباً خاصاً.

مع بداية العام 2013 بدأ تنظيم القاعدة بإجراء مراجعات فكرية عدة داخل مؤسسته، لا سيما بعد مقتل أمير التنظيم (أسامة بن لادن) في شهر أيار من عام 2011 في عملية كوماندوس في الباكستان.

وبدأت تظهر خلافات عميقة داخل البيت الواحد، وظهر أن أمير تنظيم دولة العراق آنذاك (أبو بكر البغدادي) يدعمه بعض الأمراء العراقيين، الذين كانوا في الأساس ضباطاً بعثيين في جيش صدام حسين معظمهم، أراد نزع صفة الإمارة عن الظواهري، وأن فكر القاعدة ونشاطها لم يعد ينفع لهذه المرحلة، فهي –القاعدة- لم تطرح فكرة السيطرة على الأرض أو تطبّقها وتطبق نظام حكم عليها. أما البغدادي فقد استغل الانفلات الأمني في سوريا والعراق ليعلن نشوء (الدولة الإسلامية في العراق والشام).

والنقلة الأهم في مسيرة التنظيم كانت في حزيران من عام 2014 حين أعلن المتحدث الرسمي باسم تنظيم الدولة آنذاك (أبو محمد العدناني) بيان إعلان دولة الخلافة، ومبايعة البغدادي خليفة للمسلمين، وأميراً للمؤمنين، ما يعني وجوب حل الفصائل الجهادية جميعها لنفسها ومبايعة البغدادي على السمع والطاعة، وإلا وجب قتالها والقضاء عليها.

  ويتجسّد انتشار التطرّف عند داعش من خلال:

إعلان الخلافة الإسلامية

لعب التنظيم لعبة شرعية ليستفيد منها ويستغلّها دينياً، فإعلان الخلافة يستوجب على المسلمين جميعهم في أنحاء العالم كلها مبايعة البغدادي خليفة للمسلمين، بحسب المفهوم الفقهي للخلافة، ومن ثم يعدّ كل من يرفض البيعة مرتداً وشاقّاً لعصا الطاعة، ومفرقاً لكلمة المسلمين، ويجب قتاله.

أخذ البيعة للبغدادي بالقوة

نتيجة سيطرة تنظيم الدولة على مساحات كبيرة من سوريا والعراق، وسقوط عدد من المدن والبلدات تحت سلطته، كالموصل في العراق والرقة ودير الزور في سوريا، بدأ التنظيم بأخذ البيعة بالقوة من الناس، ومن امتنع كانت تجري تصفيته بتلفيق تهمة محددة له، كالردة أو التعامل مع النظام الكافر، أو التخابر مع دولة أجنبية غربية..

ولم يأبه أمراء التنظيم لأعداد القتلى، ففي صيف العام 2014 مثلاً، ارتكب التنظيم مجزرة كبيرة بحق أبناء عشيرة (الشعيطات) راح ضحيتها أكثر من 800 قتيل، من المدنيين أغلبهم، بتهمة (محاربة دولة الخلافة)، لكن السبب الحقيقي كان يكمن في السيطرة على آبار النفط في دير الزور.

الدعاية الإعلامية

كانت المكنة الإعلامية للتنظيم قوية جداً، وذات حرفية عالية، فقد صورت (دولة الخلافة) على أنها الفئة المنصورة وأن جنود الدولة لا يقهرون وأن الملائكة تقاتل في صفوفهم. ذلك كله كان هدفه جذب الشبان والشابات من أنحاء العالم كلها للانخراط في هذا التنظيم الإرهابي.

وبعد التحاقهم، صار هؤلاء الشبان عبارة عن أدوات قتل طيعة بيد أمراء التنظيم، يقتلون بهم كل من خالفهم الرأي، من المسلمين السنة على الأخص، إضافة إلى تصفية قيادات الجيش الحر وأفراده.

ولم يقتصر عنف التنظيم على الجغرافية السورية فحسب، فقد أحصت مراكز الدراسات عدد ضحايا تنظيم داعش في عدد من الدول الأوروبية ما بين عامي 2014- 2017 بأكثر من 290 قتيل و1478 مصاب، من المدنيين جميعهم.

أشبال الخلافة

 قام أمراء التنظيم بجمع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سن 10- 16 وزجهم في معسكرات مغلقة للتدريب العسكري والشرعي، وفي تلك المعسكرات جري صناعة الإجرام بكل معنى الكلمة.

فعلى الرغم من عمره الصغير، كان الطفل يتقن القتل بالمسدس والبندقية، والذبح بالسكين والتفجير والتدمير، والقنص، والاقتحام، والتحزّم بالحزام الناسف في أي وقت يراه الأمير.

وفي عملية (التثقيف الشرعي) يجري غرس عقيدة القتال والقضاء على الكفار والمرتدين وكل من يخالف التنظيم وأفراده.

وتذكر بعض الإحصاءات غير الرسمية أن عدد هؤلاء (الأشبال) قد وصل في بعض الأوقات إلى حوالى3000-4000 متدرب ومقاتل.

وكثيراً ما كان البغدادي يشير إلى أولئك الأطفال بأنهم (جيل المستقبل الذي سينشر قيم الخلافة وشجاعة الجهاد). وقد اعتمد عليهم التنظيم في معارك كبرى كمعركة الرقة ضد قوات سوريا الديمقراطية.

غالباً ما كان التنظيم يبتكر أساليب جديدة لنشر أفكاره التي تمكنت من استمالة عواطف الشباب المقاتلين ليصبحوا أدوات طيعة بيد أمراء التنظيم، درجة قتل أنفسهم إن أمروا بذلك.

وأيضاً، أصبحت المشاهد (السوريالية) المخيفة لقطع الرؤوس عادة تمارس يومياً عند (دوار النعيم) في مدينة الرقة، أو وسط ساحات الموصل وشوارع دير الزور.

ومنع التنظيم أجهزة استقبال البث الفضائي في مناطق سيطرته خشية اكتشاف الناس حقيقة التنظيم، ولعزلهم عن مؤثرات الآراء المخالفة للتنظيم.

آثار التطرف في الثورة السورية والمجتمع السوري

لا يمكن أن يكون هناك أي أثر إيجابي للتطرف في مناحي الحياة المختلفة، لذلك فقد أثر سلباً، وبشكل عميق، في الثورة السورية التي انطلقت كحراك شعبي وطني، يطالب بالحرية والكرامة والديمقراطية والدولة المدنية.

خصوصاً مع بدء ظهور التنظيمات والفصائل الإسلامية المتطرفة، وتدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا عبر الحدود، وانتشار مقاطع قطع الرؤوس والذبح بالسكاكين، وتطبيق الحدود كالجلد والقتل وفرض النقاب على النساء، وخطف المدنيين وبعض الرموز الدينية من أبناء الديانات والطوائف الأخرى والمجاهرة باستعدائها طائفياً.

تلك الانتهاكات كلها وغيرها من الجرائم التي تمارسها التنظيمات الجهادية لم تخدم سوى النظام السوري، الذي استغلها لتصدير نفسه محارباً للإرهاب الإسلامي، وحامياً للأقليات ومدافعاً عن قيم العيش المشترك، وراعي الأديان والتعددية.

ظهور حالات الثأر في المجتمع السوري ذي الطابع العشائري

دأبت التنظيمات الإرهابية على إبقاء المجتمع السوري ضعيفاً متناحراً، فاعتمدت سياسة فرق تسد، وضربت مكونات الشعب السوري بعضه ببعض، لسهولة السيطرة عليه من خلال إحلال مفهوماتها الخاصة بدل المفهومات والأعراف الاجتماعية التي كانت سائدة قبل ظهورهم.

وظهر ذلك جلياً في المحافظات الشرقية، التي يغلب عليها الطابع العشائري. ففي مجزرة الشعيطات في ريف دير الزور، قام تنظيم داعش بتكليف أبناء عشائر أخرى معروفة في المنطقة، بتنفيذ المجزرة، ما يؤدي إلى استمرار التناحر والأخذ بالثأر بين أبناء القبائل مدة طويلة من الزمن.

واتّبعت جبهة النصرة المبدأ نفسه في شمال سوريا، فهي تقوم بتحريض أبناء القرية الواحدة على بعضهم، فتقع عمليات قتل تليها عمليات انتقام من الطرف الآخر وهكذا.

واستُخدِمت العائلات في الصراع الذي دار بين جبهة النصرة وأحرار الشام، فكان المدنيون وقوداً للحرب بينهما.

تدمير العقد الاجتماعي للمجتمع السوري

مع انتشار ظاهرة التطرف وتحكم الجماعات الإرهابية في المجتمع السوري بدأت القيم المرتبطة بالأعراف والعادات والتقاليد والقانون تنهار بصورة ملحوظة، لتحل محلها قيم الولاء والطاعة للأمير والشرعيين وقادة الفصائل.

هذا الوضع أوجد حالة من الخوف داخل المجتمع، فلم يعد هناك جهة حامية وضامنة لحقوق المواطنين سوى الجماعة المتطرفة التي تفسر الشرع بحسب حاجتها ومصلحتها، ففقد الناس ثقتهم في هؤلاء كون الشرع يختلف باختلاف الجماعة.

وبذلك انهارت القيم المجتمعية التي تربى عليها السوريون، وتشرذم المجتمع، وانتشرت الفوضى بأوسع صورها وأبشعها، وأخطرها فوضى انتشار السلاح.

سبل مكافحة التطرف

بعد أن تحدثنا عن التطرف في سوريا، نشأته وأسبابه وبيئته وانتشاره، لا بد أيضاً من محاولة طرح حلول ملائمة للقضاء على هذه الظاهرة، ومحاولة إعادة التوازن للمجتمع السوري وعلاجه من هذه الآفة المدمّرة التي كانت وما تزال سبباً في استمرار دوامة العنف والحرب في سوريا.

ولا بد أن نشير إلى أن الحرب التي شنتها قوات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش في سوريا والعراق منذ العام 2015 قد أضعف التنظيم كثيراً وأصبحت رقعة وجوده محدودة جداً، ولم يعد يسيطر إلا على مساحة صغيرة على أطراف نهر الفرات في سوريا.

لكن النصر العسكري لا يحقق الانتصار على النهج الذي نشرته وما تزال تنشره التنظيمات المتطرفة، والفكرة لا تموت بالبندقية، بل تحتاج إلى فكرة تقابلها وتبطل مفعولها.

لذلك، فالعلاج يجب أن يكون شاملاً لشرائح المجتمع السوري وطبقات ومكونات، في سبيل إيجاد لغة تقف بوجه لغة التطرف:

المدارس

يقع على عاتق المجتمع الدولي تأمين مدارس للأطفال السوريين ومتابعتهم عن كثب، وتدريسهم مواد دراسية خاصة بنبذ التطرف والعنف والإرهاب، ونشر القيم الأخلاقية السامية، وشرح مفهوم المواطنة واحترام القانون.

المساجد

للمساجد دور كبير في مكافحة التطرف والتشدد، ويتلخص هذا الدور بإلزام الخطباء والأئمة بالابتعاد عن الخطب والدروس المثيرة للنعرات الطائفية، أو المحرضة على الكراهية والبغضاء والقتال، وخلق خطاب ديني تنويري لا يقوم على إلغاء الآخر أو تكفيره.

ويتحتّم على رجال الدين تسمية الجماعات المتطرفة، وفضح ممارساتها وجرائمها، وتذكير الناس دوماً بوحشيتها وهمجيتها، وضرب الأمثلة الشرعية الملائمة التي تبطل فكرها وتكذب افتراءاتها على الدين والشريعة.

منظمات المجتمع المدني

يجب على هذه المنظمات أن تبين الخطر الحقيقي للتطرف على المجتمع الذي يهدم العلاقات بين المواطنين في مختلف المستويات، وتفعيل دور الناشطين المدنيين في توعية الشباب والفئات العمرية كافة حول سلبيات التطرف والإرهاب، ونبذ هذا الفكر، وتحمل كل فرد في المجتمع لمسؤولياته في محاربة هذا الفكر الهدام.

أضف إلى ذلك التحفيز على زرع قيم إنسانية كالحرية والعدالة والديمقراطية وسيادة القانون، والتعددية السياسية والمدنية والدينية. ويتأتى ذلك من خلال عقد ندوات ثقافية وأمسيات أدبية، إضافة إلى إقامة رحلات ومخيمات علمية وترفيهية للمراحل العمرية المختلفة كافة، لتجاوز حالة الانغلاق والتعصّب التي سادت في ظل التنظيمات المتطرفة.

مراكز مكافحة التطرف

فكرة إنشاء هذه المراكز الجديدة على المجتمع السوري، بسبب استمرار سيطرة المتطرفين من النصرة وغيرها على الأراضي الخارجة على سيطرة النظام، في الشمال السوري بخاصة.

 وقامت تجربة يتيمة في مدينة (اعزاز) التابعة لمناطق درع الفرات، إذ أنشئ فيها مركز لمكافحة التطرف، لكن القائمين عليه أغلبهم من الهواة وغير المختصين.

وأنشئ المركز لإيواء المنتسبين إلى تنظيم داعش الإرهابي من الذين وقعوا أسرى بيد فصائل درع الفرات المدعومة تركياً، والهدف منه إعادة تأهيل هؤلاء المتطرفين وتخليصهم من رواسب التنظيم.

لكن، وبعد انقضاء عام على افتتاح المركز تقريباً، لا نعلم إن نجح في إعادة تأهيل أسرى داعش، أو نجح في تحقيق تقدم معهم.

ولو أردنا إقامة مثل هذه المراكز، فيجب أن تكون مراكز أكاديمية بحثية يدرس فيها مختصون في علم النفس والدراسات الإنسانية والاجتماعية.

ويجب على إدارة هذه المراكز ترك هامش من الحرية لهؤلاء المتطرفين حتى يعبروا عن أفكارهم من أجل مناقشتها، وبناء نظريات علّها تستخدم لاحقاً في أبحاث توجه المجتمع ضد التطرف.

وبوجود مثل هذه المراكز يمكننا مكافحة الغلو والتشدد بوصفه فكراً وظاهرة مرضية، والتأسيس لمعالجته بالصورة المثلى.

ختاماً

بعد حديثنا عن التطرف الذي أصاب الثورة السورية، وكيف جرى استخدامه سلاحاً لخدمة النظام السوري بالدرجة الأولى، ودول إقليمية تسانده بالدرجة الثانية، نجد أن سوريا شهدت منذ نهاية العام 2011 حتى اليوم أقوى موجة تطرف يشهدها بلد في مستوى العالم تاريخياً، وهنا لا بد من تكاتف الجهد الدولي لمساعدتها واستعادة عافيتها.

وعلى الرغم من انحسار تنظيم داعش، إلا أن الخلايا النائمة ما تزال تنتشر داخل الفضاء السوري، إضافة إلى وجود تنظيمات متطرفة على رأسها جبهة النصرة ما تزال تصول وتجول في الشمال السوري ومناطق أخرى. ولا يمرّ يوم إلا ونشهد فيه ارتكاب انتهاكات صارخة بحق المواطنين العزل، وبخاصة في إدلب وريفها.

كما أن عدم الإسراع في مساعدة السوريين على التخلص من قوى التطرف، سيؤدي إلى انتقال خلاياها إلى دول عدة أخرى مستقبلاً.

وعلينا أن نشير إلى أن صانع الفكر المتطرف الأول في سوريا هو نظام الأسد، ويجب على العالم أجمع أن يفهم أن سقوط هذا النظام ورأسه، سيؤدي تلقائياً إلى حرق الورقة الأخيرة للتطرف والإرهاب التي لعب بها طويلاً من دون حساب، وخرّب بها البلد، وما زال يهدّد الإنسانية والمدنية من خلالها.


هذه الدراسة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.