التعليم في الشمال السوري؛ ضحية حرب لا قواعد لها

إعداد وحدة استطلاع الرأي في مرصد مينا الإعلامي

يرصد هذا التقرير الواقع المزري الذي وصلت إليه العملية التعليمة في محافظة إدلب ليتحدث بالأرقام عن أهم مشكلات العملية التربوية من خلال ما يأتي:

  • إحصاء للكادر التعليمي في محافظة إدلب.
  • المعلمون في الحراك الثوري.
  • جلاء قوات الأسد عن محافظة إدلب والتحديات الجديدة.
  • التعليم هو الضحية بين النظام والفصائل العسكرية.
  • أوضاع مزرية يعيشها المعلمون والمعلمات.
  • الأفق مسدود حتى إشعار آخر.

المدخل

كان في المحافظة قبل انطلاق الثورة أكثر من 34 ألف معلم ومعلمة بين مثبتين ووكلاء، منهم حوالى أربعة آلاف معلمة من مناطق الساحل عُينوا لدى مديرية تربية إدلب صورياً ولم يلتحقوا بأعمالهم وكانوا يتقاضون رواتبهم من دون القيام بأي عمل. من بين المعلمين البالغ عددهم 34000, كان منهم 3700 معلم مفرغين للعمل في صفوف حزب البعث والفروع الأمنية وبهذا يكون العدد الفعلي للمعلمين والمعلمات القائمين على العمل التربوي 26000 معلم ومعلمة.

المعلمون والحراك الثوري

مع انطلاق الثورة السورية المباركة في آذار 2011 كان للمعلمين والطلاب حضور متميز في الحراك الثوري في الجامعات والمدارس والمعاهد التعليمية فكانت هذه المؤسسات أشبه بملتقيات يتشاور فيها المتظاهرون حول لافتاتهم والشعارات التي سيكتبونها لتظاهرة يوم الجمعة التالي، إذ تنطلق التظاهرات بعيد صلاة الجمعة وباسم جديد مع كل جمعة جديدة يحمل معاني سياسية واجتماعية ووطنية ويرسل الرسائل السياسية إلى الداخل السوري وإلى المجتمع الدولي. واتسعت رقعة الاحتجاجات بسرعة صعقت نظام الأسد والرأي العام الداخلي والخارجي. وهنا شعر نظام الأسد بتدهور موقفه وقرر زج جيش البلاد في معركته لقمع الحراك الثوري بعدما عجزت عصاباته الأمنية عن قمع المتظاهرين وضبط المدن والبلدات الثائرة. وانتشرت قوات الأسد في طول البلاد وعرضها ونصبت نقاط التمركز والتفتيش ومعسكرات الاعتقال.

سياسة ممهنجة لتدمير القطاع التربوي

بشكل متعمد اتخذ النظام من المدارس مراكز عسكرية له على الرغم من وجود خيارات أخرى بديلة له. لم تكن تلك الإجراءات مفهومة في تلك المرحلة.

توقفت الدراسة في تلك المدارس المحولة إلى ثكنات عسكرية وانقطع طلابها عن الدوام والدراسة. كانت هذه ظاهرة عامة في عموم مناطق سورية وبالأخص في محافظة إدلب. واستمر الحال يوماً بعد يوم وقوات الأسد تمارس القتل والتعذيب في تلك المدارس التي تحولت إلى ثكنات عسكرية ومراكز اعتقال ومن شرفات تلك المدارس كان جنود الأسد يمارسون القنص والرماية على منازل المدنيين والمارة. لم يكن مفهوماً لدى كثيرين ما هي أسباب هذه الاستراتيجية الشيطانية في استخدام المدارس ثكنات، إلا أن الصورة توضحت ف يما بعد كما سنرى في هذا التقرير.

في مطلع عام 2012 وبعد مضي أكثر من ستة أشهر وقوات النظام تقتل المتظاهرين العزل، بدأ الحراك الثوري المسلح يطل برأسه تحت وطأة القتل والإجرام الممنهج لقوات الأسد. وبدأت كتائب الثوار من الجيش الحر تتصدى لقوات النظام وتشتبك معها وكانت معركة مدرسة المغارة في جبل الزاوية من أشرس المعارك في تلك المرحلة. ففي شهر أيار 2012 تمكنت قوات الجيش الحر المشكل حديثاً من طرد قوات النظام من المدرسة والاستيلاء على أسلحتهم ومعداتهم. هذه المعركة أدت إلى إلحاق أضرار كبيرة بمبنى المدرسة وتجهيزاتها. ويمكن القول إن مدارس شمال سورية كانت جميعها ضحية قوات النظام، فبعضها تحول إلى ثكنات وبعض آخر جرى استهدافه بالطيران ورمايات المدفعية وبراميل الطيران المروحي.

بدأت حملة الاعتقالات تطال الطلاب والمعلمين واختفى كثيرون منهم في غياهب معتقلات النظام وأصبح المعلمون هدفاً ثميناً لقوات النظام. بعضهم اعتقل وبعض آخر فصل من عمله وتوقفت الدراسة في كثير من المدارس بسبب تعرضها للقصف. تحت وطأة الأوضاع الأمنية والاقتصادية هجر بعض المعلمين مدارسهم بحثاً عن مورد رزق يسد رمقهم وعائلاتهم، فمنهم من سافر إلى خارج البلاد ومنهم من راح يعمل في مجالات أخرى بعيدا عن التعليم الذي بدأ يسير بسرعة نحو التعطل الكامل.

كثير من الطلاب هجر الدراسة من أجل العمل لمساعدة أسرهم الفقيرة وانتشرت عمالة الأطفال والتسرب الدراسي. هنا بدى واضحاً للعيان أن النظام كان يستهدف تلك المؤسسة التربوية بصورة ممنهجة اعتقالاً للمدرسين وقصفاً للمدارس وفصلاً من العمل لكثير من المعلمين والمعلمات.

جلاء قوات الأسد عن محافظة إدلب والتحديات الجديدة

مع جلاء قوات النظام السوري عن محافظة إدلب ومناطق أخرى في الشمال السوري بدأ النظام وحلفاؤه الروس حملة جوية متواصلة على مناطق محافظة إدلب بمدنها وأريافها وأصبح الذهاب إلى المدرسة مقامرة كبيرة قد تودي بحياة الطلاب والمعلمين على حد سواء، علاوة على أن مستوى الدمار في البنية التحتية لقطاع التعليم راح يتزايد بشكل مخيف وزاد منسوب هجرة الكوادر التعليمية تحت وطأة حرب لا ضابط أخلاقي لها. ففي يوم واحد ارتكب الطيران الروسي مجزرة مروعة عندما استهدفت طائرات سلاح الجو الروسي مدرسة في بلدة حاس في جبل الزاوية في ريف إدلب وراح ضحيتها 28 طفلاً وطفلة إضافة إلى ثلاث مدرسات وعامل نظافة في المدرسة في واحدة من أبشع المجازر التي وقعت من جراء استهداف المدارس في محافظة إدلب.

التعليم هو الضحية بين النظام والفصائل العسكرية

أمام هذه الأوضاع وجدت المؤسسة التعليمية نفسها أمام واقع جديد ينطوي على تحديات تعجز عنها دول مستقرة. الخراب والتدمير أصاب مئات المدارس وأصبحت أخرى بلا مستلزمات تعليمية.

يعيش أهالي محافظة إدلب اليوم أمام واقع جديد تناقصت فيه الموارد وغاب عدد كبير من المعلمين عن مناطقهم وبقيت المدارس وما تبقى من طلاب تواجه وضعاً كارثياً.

بعض المعلمين ممن لم يتعاطَ الحراك الثوري رحل عن محافظة إدلب إلى مناطق سيطرة نظام الأسد، وهاجر آخرون خارج البلاد. بعد أن هدأت المعارك قليلاً واقتصر دور قوات النظام على الهجمات الجوية، سارعت قوات جيش الفتح الذي شارك في تحرير إدلب من قوات النظام إلى تأسيس نواة لمديرية تربية جديدة على أنقاض المديرية السابقة وبدأت رحلة البحث عن موارد لتغطية نفقات التعليم وترميم المدارس وتأمين رواتب للمدرسين والمدرسات.

لكن عمل مديرية التربية الوليدة وقع تحت رحمة الأجندات الفصائلية وتناقضاتها وهيمن المشهد الديني والسياسي على عمل مديرية التربية. لقد قدمت بعض المنظمات الدولية دعماً محدوداً لمديرية التربية ولكن هذا الدعم جرى تجييره بعيداً عن أهداف التربية والتعليم وجرى توظيف أشخاص في مديرية التربية يدورون في فلك الفصائل وينفذون أجنداتها على حساب جودة التعليم. ومن أصل 26000 معلم ومعلمة مسجلين في مديرية التربية، جرى بعد جهد كبير تعيين 6200 معلم ومعلمة في مدارس المحافظة بدعم من المنظمات الدولية إلى جانب 5000 معلم ومعلمة تابعوا عملهم في مدارسهم وبقوا يتقاضون رواتبهم من مديرية التربية التابعة لنظام الأسد الموجودة في مدينة حماة. التحق بمدارس المحافظة حوالى 7000 متطوع ومتطوعة للتدريس في المراحل الدراسية جميعها ليصبح عدد الوظائف المغطاة 11900 وظيفة، وبقي 14100 معلم ومعلمة خارج التعليم ومن دون راتب. 14100 معلم ومعلمة يدرسون 39500 طالب وطالبة في عموم مناطق إدلب وريفها. تبدو هذه الأرقام منطقية من حيث الكم ولكن الواقع يعطي صورة قاتمة.

 أوضاع مزرية يعيشها المعلمون والمعلمات

المعلمون الذين عُيِّنوا يتقاضون أجراً شهرياً وقدره 100 $ فقط وهو مبلغ بالكاد يغطي نفقات المعلم للوصول إلى مدرسته. وعلى الرغم من أن هذا الأجر الشهري يعدّ مهانة للمعلمين نظراً إلى قلته، فقد كانت التعيينات مرتبطة بولاء المعلم أو المعلمة للفصيل المسيطر على الساحة سيما وأن موظفي مديرية التربية من أصحاب القرار هم أمراء لدى الفصائل أو منتدبين من تلك الفصائل.

يعمل حوالى 320 موظفاً إدارياً في مديرية التربية ومكاتبها في المناطق يتقاضى موظفو مديرية التربية رواتب تتراوح بين 400 $ و1000$ بمسميات إدارية يمكن الاستغناء عن كثير منها ويمارس هؤلاء الموظفون دوراً سياسياً بغطاء تربوي، إذ يمارسون العمل الدعوي في المدارس ويطاردون المعلمات والطالبات بموضوع اللباس والأحكام الشرعية منصرفين عن الاهتمام بشؤون التعليم والمناهج والتحصيل العلمي وهذا ما جعل سوية التعليم تنحدر إلى مستويات مخيفة.

لقد أصبحت مديرية التربية أشبه بمديرية للأوقاف والإرشاد الديني. بعض الأصوات المطالبة بإصلاح القطاع التعليمي أسكِتت ترهيباً أو ترغيباً. والمنظمات الداعمة لديها خيارات قليلة تجاه هذه الأوضاع، فإيقاف الدعم بسبب تدخلات الفصائل سيؤدي إلى كارثة إنسانية وتربوية والاستمرار في الدعم تحت سيطرة قوى متشددة يمثل تحدياً سياسياً كبيراً لتلك المنظمات الخاضعة لقوانين بلدانها في الغرب المتحسس من الإرهاب بتجلياته كلها.

الأفق مسدود حتى إشعار آخر

يقف المعلمون والمعلمات مذهولين أمام هذا الواقع المرير الذي يجبر بعضاً منهم على ممارسة أعمال أخرى بحثاً عن لقمة عيشهم. هذا كله انعكس على الطلاب ومستوى تحصيلهم.

لقد حاول بعض الشباب تغطية الحاجة في المدارس بالعمل التطوعي وهم في أغلبهم طلاب جامعة توقفوا عن الدراسة بسبب تعذر ذهابهم إلى الجامعة لإكمال دراستهم إما لأوضاعهم الاقتصادية أو لمخاوف أمنية ترتبط بالذهاب إلى جامعاتهم في مناطق سيطرة النظام إذ ينتظرهم شبح الاعتقال أو سوقهم إلى الخدمة العسكرية ليجري زجهم في آتون الحرب. يعدّ هؤلاء المعلمون المتطوعين حلاً لجانب من المشكلة ولكنهم في الوقت ذاته يسببون تراجعاً في مخرجات العملية التعليمية بسبب نقص خبرتهم وافتقادهم إلى دورات تدريبية على طرائق التدريس ومهاراته.

هذا التراجع كله في نوعية التعليم ومخرجاته دفع الأهالي المهتمين إلى تدريس أولادهم لدى مدرسين خصوصيين لتعويض التراجع في مستويات أبنائهم وبناتهم وهذا بحد ذاته يشكل عبئاً اقتصادياً كبيراً على السكان المحليين وبخاصة أن دخل الفرد تراجع عبر سنين الحرب إلى أدنى مستوى يمكن تخيله.

ليس هناك من حلول تلوح في الأفق ومن المرجح استمرار الوضع المزري للتعليم في المناطق الخارجة على سلطة الأسد إلى حين بزوغ حل سياسي شامل للوضع السوري المعقد.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.