التعليم في شمال شرق سوريا .. واقع متأزم وحلول قاصرة

ازداد الواقع السوري تأزمًا وتراجعًا في ظل تعنت نظام مجرم قمع مطالب شعبه بالحرية والكرامة وأصر على التشبث بالحكم منتجًا أزمة وفوضى انعكست على المشهد بظهور تنظيمات إيديولوجية وإرهابية مارست ذات القمع بحق الشعب الذي انتهى حاضره وتهدد مستقبله في عدة مستويات..

وكانت التعليم أبرز وأخطر الملفات التي طالتها الأزمة وتعقيدات الثورة فتأثرت بشكل سلبي، العملية التعليمية في عموم سورية، وخصوصًا مناطق الشمال والشمال الشرقي من سورية، منذ بدء الثورة، فأضحى لدينا اليوم أجيال كاملة شبه ضائعة، فارتفعت نسبة الأمية، وازداد التسرب من التعليم بحسب التقارير الأممية، سواء بسبب تعطل المدارس وخروجها عن الخدمة في مناطق الرقة ودير الزور، بالإضافة لإحجام الأهالي عن إرسال أطفالهم عن المدارس في ظل سيطرة منظمات مثل داعش والعمال الكردستاني (حزب PYD) على المؤسسة التعليمية، مع خطوات الأدلجة المقصودة للتعليم وعدم توفير مادة علمية أو معتمدة يمكن أن يستفيد منها الطالب.

تقاطعات توحي بمستقبل مظلم في عموم سورية، اتضحت مؤشراته من خلال زيادة معدل الجرائم الجنائية اليوم، وإنتشار الإدمان على المواد المخدرة، في ظل تراخي شبه مقصود من الأطراف المسيطرة على تلك المناطق لغايات وأسباب متداخلة..

وتنقسم الأزمة التعليمية في شرق الفرات بين مخيمات النازحين وبين سكان مناطق سيطرة الوحدات الكردية هناك.. لكن كلاهما يعانيان من أزمات متجذرة.. في ظل صراع بين النظام وقوات سورية الديمقراطية، وفي مستوى أعمق.. فإنّ رسوم المدارس والمعاهد الخاصة ارتفعت كثيراً، وهو ما دفع كثيرًا من الأهالي، ولا سيما المدرسون، إلى تعليم أبنائهم بأنفسهم، بينما يزداد عدد الأطفال المتسربين في المنطقة نتيجة إهمال هذا الملف من قبل الجهات المسؤولة، سواء داخل المدن أو في المخيمات.

صراع متبادل

انتقلت سلطة الأمر الواقع من النظام إلى الإدارة الذاتية التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال شرق سورية.. لتسارع الإدارة الذاتية في عملية بناء إدارات ومؤسسات ووزارات تتولى إدارة شؤون المنطقة والتحكم بكل مفاصل الحياة فيها، إلى جانب بقاء الدوائر الحكومية في بعض مناطقها.

لتتحول المنطقة إلى ساحة صراع بين سلطتين تحاول كل منهما بسط سلطتها وفرض مناهجها التعليمية، فباشرت الإدارة الذاتية بإدخال عدد من الحصص الدراسية للغة الكردية، ما لبثت أن قامت بإعداد مناهج دراسية كاملة بدءًا من الصفوف الأولى ووصولاً للصف الثالث الثانوي الذي سيبدأ تطبيقه السنة الدراسية القادمة 2020-2021. كل هذا مع الرفض المتواصل من قبل النظام لهذه المناهج، وحصول مواجهات بين الطرفين عدة مرات تم خلالها إغلاق المدارس ليعاد فتحها بعد تسوية واتفاقات بين الطرفين.

ضعف وتسرب أزمة المخيمات

تشهد مخيمات النازحين المنتشرة في المنطقة الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية الكردية (شمال شرق سورية) ضعفًا كبيرًا.

ومع انخفاض وتراجع دور المنظمات الداعمة في تلك المخيمات، يعجز الأطفال اوقاتًا كثيرة عن الحصول على التعليم المطلوب، ما أجبر كثيرًا من الأطفال على التسرب المدرسي والتوجه إلى سوق العمل.. فزادت عمالة الأطفال ومهدت لمشاكل أخرى، في استغلال متصاعد لأزمة الأطفال..

في تقرير لوسائل إعلام، تقول مسؤولة في مخيم “واشوكاني” المدعوم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”: إن المنظمة في الوقت الراهن، لا تقوم بالدور المطلوب منها، كما ، لتؤكد أنّ المنظمة لا تقدم أيّ شيء بخصوص ملف التعليم في المخيم، لافتة من ناحية أخرى إلى أنّ الأطفال يدرسون هنا وفق منهاج الإدارة الذاتية، باللغتين العربية والكردية.

أما النازح عيسى العبدو، فيقول – بحسب ذات المقابلة- إنّ حصول الأطفال على التعليم في مخيم واشوكاني، أمر من الصعوبة بمكان، خصوصًا أنّ الظروف المعيشية للعائلات النازحة بالغة الصعوبة، بالإضافة للحياة داخل الخيمة، التي تحرم الطفل إمكانية متابعة التعليم بشكل جيد، مع ما في ذلك من انعدام للمساحة الخاصة، مع بقية الإشكاليات كالبرد، والطرقات الطينية في الشتاء، والحرّ الشديد في فصل الصيف.

“كلّ هذه الظروف تمثل عوائق حقيقية أمام الأطفال النازحين في المخيم في طريقهم للحصول على تعليم جيد” وفق كلام العبدو.

أزمة المدن أشد

تظهر المؤشرات المختلفة أن واقع البلدات والمدن في مناطق سيطرة الأكراد، تعيش أزمة مركبة في قضايا التعليم..

هذا ما يؤكده المدرس عبد الكريم أبو أحمد، المقيم في مدينة الحسكة.. في حديث إعلامي قائلًا: “تركزت المدارس التابعة للنظام السوري في كلّ من مدينتي الحسكة والقامشلي وبعض القرى الموالية للنظام والخاضعة لسيطرته، أما في ما عدا ذلك، فيكاد يغيب التعليم عن الجزيرة السورية (المنطقة التي تشمل محافظات الرقة ودير الزور والحسكة)، وهذه المدارس هي مدارس مكتظة بأعداد كبيرة، ولا مؤهلات حقيقية لكوادرها والقائمين عليها، فيما الكتب غير متوافرة، وليست فيها أيّ مقومات أخرى مثل المختبرات العلمية البسيطة وغيرها”.

ليشير أنه: “يضاف إلى كلّ ذلك خطر انتقال الأمراض والأوبئة في ظروف صحية غير ملائمة”.. ثم ينوه: “الورقة التعليمية والتربوية استُخدمت كورقة ضغط بين النظام السوري والإدارة الذاتية، والنتيجة اليوم أنّ لدينا جيلًا كاملًا يدفع ثمن هذا الصراع.

وعليه، يرى أنّ التعليم في بعض المخيمات جيد مقارنة بالمدارس في المدن التي تعاني من الإهمال. ففي مدارس تلك المخيمات يتوافر الحدّ الأدنى من مقومات التعليم”.

فالمدارس الخاضعة لسيطرة قسد (قوات سوريا الديمقراطية) تتركز فيها سلبيات المناهج المؤدلجة، مجهولة المصادر والمؤلفين، فلا أحد يعلم خلفيات هذه المناهج ومعاييرها. أما مدارس النظام، فسيئة جدًا.. بحسب المدرس

معاناة الأهالي

بهدف تحصيل الحد الأدنى من التعليم، يبعث بعض الأهالي أبنائهم بعيدًا لمسافة تقارب 30 كم عن مكان سكنهم للوصول إلى مدارس النظام لتحصيل الحدّ الأدنى من التعليم في المدن.

يقول نصر الله اليوسف في مقابلة صحفية، إنّه كان ينقل أطفاله هذه المسافة للوصول إلى المدرسة بشكل يومي، ونتيجة معاناة العمل، اضطر مؤخرًا إلى استئجار بيت قريب من المدرسة، الأمر الذي رفع أعباء الحياة كثيرًا، لكنّه الحلّ الأفضل، كما يوضح، لمواصلة تعليم أبنائه وعدم انقطاعهم بشكل كامل عن المدرسة.

تعنت وإصرار الوحدات الكردية

تحمل الوحدات الكردية مسؤولية مباشرة عن أزمة التعليم وتراجعه في مناطق سيطرتها بسبب سياسات متعنتة لا تختلف عن ممارسة التنظيمات الإرهابية (كداعش) فيما تسببت به من تدمير لمؤسسات التعليم وطرائقه..

وتؤكد تقارير إعلامية متنوعة، أن الوحدات بعد سيطرتها على جميع المدارس في المناطق الخاضعة لسيطرتها شرق الفرات (باستثناء عدد قليل من المدارس التي بقيت تحت إدارة النظام في القامشلي والحسكة) تسببت بتراجع وتغيير خطط التعليم.. وقامت الإدارة الذاتية بإغلاق المدارس الخاصة بما فيها المدارس التابعة للطوائف المسيحية.

حيث سعت الإدارة الذاتية لفرض فقط المناهج التعليمية التي أقرتها، محاولة من خلالها فرض فكر وسياسة محددة..

وفي مدارس الإدارة الذاتية يتم فرز الطلاب على أساس عنصري (عربي / كردي).. حيث يجري تدريس الطلاب العرب المنهاج الذي تفرضه الإدارة الكردية باللغة العربية وبلغة ركيكة وغير علمية وتفتقد الشروط المعرفية. أما الطلاب الأكراد فيتم تدريسهم المنهاج الذي تفرضه الإدارة الكردية أيضاً باللغة الكردية.

من ضمن الإشكاليات الرئيسية، اكتظاظ مدارس المدينة التي تقوم بتدريس منهاج الدولة السورية، مع فرض غرامات باهظة على السيارات التي تنقل الطلاب لتلك المدارس من قبل القوات الكردية.. يضاف لذلك استخدام بعض المدارس كمقرات عسكرية وتدريب.

وفق تقرير لـ “نون بوست” تعتمد سياسة الوحدات الكردية على ثلاثة أركان وقواعد:

أولها الحاجات الأيديولوجية، وثانيها اعتماد اللغة الكردية، والثالث مرتبط بضرورات التغيير وإعادة التأهيل للبنى التعليمية..

حيث أوصى المؤتمر الثاني لمؤسسة اللغة الكردية SZK الذي عُقِد في مقاطعة عفرين بترسيخ النظام التعليمي وفق مبادئ الأمة الديمقراطية استنادًا إلى فلسفة (عبد الله أوجلان) بوصفه قائدًا للشعب الكردي.. وضرورة تأهيل الكادر التدريسي لنفسه بجهد ذاتي، وإخضاع الأعضاء جميعهم للتدريب الأيديولوجي والثقافي والمسلكي، مع ضرورة عمل الهيئة على البدء بالتعليم رسميًا خلال العامين 2015/2016.

يؤكد التقرير أن سياسة القوات الكردية في التعليم، يمكن تلخيصها بـ:

1.تكريد اسماء المناطق والمعالم الجغرافية في منهاج الإدارة الذاتية الكردية.

2.فرض مناهج دراسية بخلفية إيديولوجية تمثل سياسة حزب العمال الكردستاني، وتشجع على ما يسمونه في أدبياتهم ب“العنف الثوري”، مع العمل على التسويق له.

3.الغاء مادة التربية الدينية والاستعاضة عنها بمادة لتدريس الأديان بشكل سطحي بما فيها الزردشتية.

القيام باستبعاد المدرسين الأصلاء وانتداب مدرسين غير مؤهلين من حملة الشهادة الاعدادية والابتدائية أحياناً للتدريس.

واقع متأزم

خرجت المدراس بشكل متتالي من سيطرة النظام إلى سيطرة الإدارة الذاتية على المنطقة الشمالية الشرقية.. لتمارس فرض منهجيتها عليها.. لينحصر التعليم وفق مناهج وزارة النظام على بعض المدارس كما في المربع الأمني وحي الطي بالقامشلي وقرى (حامو والقصير وخربة عمو وبعض القرى على طريق تل حميس) في ريف القامشلي وبعض المدارس في مركز مدينة الحسكة.

وبحسب تقرير لوكالة “نينار برس” بقيت ما يقارب 400 مدرسة يتم التعليم فيها وفق مناهج النظام من أصل 2423 مدرسة يدرس فيها 108362 طالبًا وطالبة وازدياد عدد المتسربين إلى ما يقارب 161600 طالبًا وطالبة بحسب إحصائيات مديرية التربية بالحسكة.

وهناك المدارس الخاصة المسيحية التابعة للكنيسة، والتي تم إغلاقها عدة مرات لمنع تدريس مناهج النظام فيها، إلى أن أُعيد فتحها بعد الاتفاق مع الكنيسة على عدم قبول الطلاب الأكراد فيها.. حيث يعاني طلابها من صعوبات كثيرة، منها كيفية الوصول إليها بعد أن أصدرت إدارة المرور قانونًا بمخالفة العربات التي تنقل الطلاب إليها.

عراقيل وعقبات

تواجه الطلبة والمدرسين صعوبات كبيرة في العملية التعليمية شمال شرق سورية، في تطبيق مناهج النظام الضرورية لأي اعتراف بتلك الشهادات.. فازداد رفض الكثيرين متابعة الدراسة في المدارس التي وضعت الإدارة الذاتية يدها عليها.

وبسبب سعيهم للدراسة في المدراس التي يسيطر عليها النظام.. حدثت زيادة كبيرة لأعداد الطلاب في الصف الواحد، حيث تراوحت بين 60 و100 طالبًا في بعض الصفوف – وفق نينار برس – ما أثر سلبًا على سوية العملية التعليمية، واستفادة الطالب من المعلومات التي يتلقاها، وعدم قدرته على المشاركة والتفاعل مع الدرس وخاصة في المواد العلمية لحاجتها إلى المشاركة والتفاعل المتواصل.

وبدأ كثير من الطلاب بالتوجه إلى الدورات الخصوصية بمبالغ كبيرة أملاً في تلافي النقص في المدرسة بغية تحصيل علامات عالية تؤهلهم لدراسة فروع جامعية يطمحون إليها.

بحسب المعلمة “منال علي” وفق ذات التقرير، “بعد تطبيق مناهج الإدارة الذاتية على معظم المدارس في المدينة وريفها شهدت المدارس المتبقية تحت سيطرة النظام ازدحامًا شديدًا وتجاوز عدد الطلاب في الكثير من الصفوف 70 طالبًا وطالبة في غرف صفية مجهزة لاستيعاب 30 طالبًا وطالبة يجلس ربعهم على الأرض و بدوامين صباحي ومسائي.. لذا لجأت إلى الاستفادة من الغرف الإدارية وتحويلها إلى صفوف لتخفيف الضغط”.

تتابع منال: “هذه الزيادة سببت ضغطًا وإرهاقًا على المعلمين، وصعوبة في ضبط الصف وإيصال المعلومة، ومعرفة مستويات الطلاب لعدم القدرة على اشتراكهم جميعا بشكل مستمر في الدرس والتعرف على الفروقات الفردية بينهم والمشاكل النفسية والصحية للكثيرين منهم”.

لتوضح: ” بعض المعلمين لهم نصاب كامل من الحصص الدرسية. وفي بعض المناطق يراجع المعلم المجمع التربوي ليوقع على حضوره اليومي ليعود إلى البيت دون دوام. وبعضهم تم تعيينهم في القرى التي بقيت تدرس مناهج النظام فيها، وهؤلاء يجدون صعوبة في تأمين سيارة لنقلهم وبأجرة عالية ما يشكل عبئاً ماديًا عليهم مع تدني الرواتب. فأنا مثلاً أتقاضى راتبًا شهريًا قدره 61 ألف ل.س بعد خدمة 19 عامًا في التدريس وهي لا تساوي شيئاً في ظل تدهور الليرة السورية والغلاء الفاحش وارتفاع الأسعار الكبير”.

أزمة عدم الاعتراف

يبقى التعليم في شمال شرق سوريا وفق مناهج النظام يتأرجح بين تدني مستواه وصعوبة التحصيل العلمي الجيد وفق مناهجه المعدلة، وبين الحصول على شهادة معترف بها من قبل النظام يسعى إليها أبناء المنطقة..

بحسب ذات التقرير، تقول (أ.ع) 32 عامًا الأم لثلاثة اطفال: “أرسلت ابنتي إلى مدرسة الأمل الخاصة في القامشلي التي تُدرس مناهج النظام فيها رغم رغبتي في تعلمها لغتها الكردية التي يتم التدريس بها في مدارس الإدارة الذاتية، لكن عدم الاعتراف بشهاداتها منعني من ذلك”.

لتؤكد: “واجهنا صعوبة كبيرة في قبولها في المدرسة بسبب عدم قبول الطلاب الكرد فيها بناءً على طلب الإدارة الذاتية. كما أنني أصطحبها يوميًا لمسافة طويلة سيراً على الأقدام لعدم تأمين سيارة تنقلها للمدرسة خوفاً من المخالفة والعقوبة من قبل إدارة المرور التابعة للإدارة الذاتية”.

حقوق النشر والطباعة ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©