التلاميذ السوريون في المدارس التركية؛ تشتت الحاضر وضياع المستقبل

الكاتب: وحدة استطلاع الرأي في مرصد مينا

تهدف هذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على الواقع الذي يعيشه الطفل السوري داخل تركيا من خلال الحديث عن معاناته في مواجهة تحصيل تعليمه في مراحل الدراسة الثلاثة؛ وما تواجهه العملية التربوية من عقبات وإشكالات في تركيا من خلال المحاور الآتية:

  • إحصاء لعدد التلاميذ السوريين في تركيا.
  • التلاميذ وصعوبة التعلم في تركيا.
  • فشل المدارس السورية في تركيا وأسبابه.
  • أسباب فقدان الأهلية العلمية لبعض المدرسيين.
  • منهاج النظام وإشكال تدريسه.
  • معضلة منح الشهادات الإعدادية والثانوية.
  • تسرب التلاميذ بسبب الفقر.
  • الحكومة التركية وسياسة دمج التلاميذ السوريين.

المدخل:

بلغ عدد الأطفال السوريين الموجودين في تركيا، ممن هم في سن التعليم ما قبل الجامعي حوالى 965 ألفاً، وذلك بحسب إحصاء دائرة الهجرة التابعة لوزارة الداخلية التركية، وهذه الدائرة هي التي تمنح بطاقات (الحماية الموقتة) للاجئين السوريين في عموم الولايات التركية.

هذا العدد الذي سيشارف على مليون طفل بحلول العام الدراسي المقبل 2018- 2019، يعيش اليوم حالة من التشتت والضياع وضبابية المستقبل، إن كان من فئة الذين التحقوا بالمدارس، وعددهم يقارب 545 ألف طفل موزّع بين المدارس التركية الحكومية والمدارس السورية (مراكز التعليم الموقتة)، أو فئة الذين أجبرتهم أوضاعهم المادية على الالتحاق بسوق العمل لتأمين لقمة العيش لأسرهم، أو تلك الفئة التي امتهنت التسوّل عند محطات المواصلات العامة وأمام بعض الجوامع وفي الأسواق العامة.

الأطفال السوريون والتعليم

بعد تزايد موجات التهجير نحو الأراضي التركية، التي بدأت في النصف الثاني من عام 2011 نتيجة ممارسات نظام الأسد الوحشية ضد المحتجين، بدأت تظهر المدارس (التطوّعية) داخل المخيّمات التي أقيمت بقرب مدن أورفا وغازي عينتاب وكلّس والريحانية، جنوب تركيا، في بادئ الأمر. وبعد أن انتشار المهجّرين داخل المدن الكبرى في شرق وغرب البلاد، منذ منتصف العام 2012 بدأت المدارس السورية تأخذ بالانتشار داخل حوالى 15 ولاية تركية في البداية، ثم وصلت إلى 23 ولاية خلال العام الدراسي 2016- 2017، هذا العام الذي شهد قرار إغلاق تلك المدارس لأسباب سنمرّ عليها لاحقًا.

مدارس المخيمات التطوعية

قامت هذه المدارس التي تشبه نظام (الكتاتيب)، بجهد فردي وإمكانات بسيطة كانت غايتها الرئيسة متابعة الأطفال تعليمياً من معلمين متطوعين، لسد فجوة غياب المدارس وكتب المنهاج الصفّي. ومع ازدياد أعداد الأطفال المهجّرين في المخيمات، سُمح للمنظمات والجمعيات الأهلية باستحداث مدارس لتستقبل الأطفال من الصفوف كافة، وجرى فرز معلمين من الاختصاصات جميعها من بين المقيمين داخل المخيم لتلك المدارس لقاء أجور زهيدة نوعاً ما، حتى حلول العام 2014- 2015 حين تكفّلت منظمة اليونسيف بتخصيص رواتب (بدل تطوّع) للمعلمين العاملين في مدارس المخيمات (600 ليرة تركية) لكل معلم، ما يساوي في ذلك الوقت (200 دولار أمريكي).

مدارس السوريين داخل المدن التركية

بدأت المدارس السورية بالانتشار داخل المدن التركية منذ النصف الثاني من عام 2012، وذلك بعد ازدياد أعداد المهجّرين القادمين من المدن السورية التي دمّرها نظام الأسد وشهدت الاشتباكات المستمرة بين فصائل المعارضة من جهة وجيش النظام السوري وحلفائه من الإيرانيين وحزب الله والميليشيات العراقية من جهة أخرى، إضافة إلى ترك كثير من العائلات السورية للمخيمات في الجنوب التركي ونزوحهم نحو مراكز المدن، نتيجة سوء الأحوال المعيشية والاجتماعية داخل تلك المخيمات، وطلباً للانخراط في سوق العمل، وبحثاً عن تعليم أفضل لأبنائهم الذين انقطعوا عن الدراسة أكثر من عام كامل.

نتيجة ذلك فتح عدد من المدارس السورية بوساطة توقيع (البروتوكولات) بين المديريات الفرعية للتربية التركية والمنظمات والجمعيات (الإنسانية) الداعمة لتلك المدارس والسماح لها بإنشائها بوصفها مراكز مجانية لتعليم الأطفال السوريين، على أن تكفل تلك المنظمات سداد أجور المعلمين، المتطوعين أصلاً بحسب البروتوكول، إضافة إلى تأمين المستلزمات التعليمية للأطفال المسجلين في تلك المدارس مجاناً.

إلا أن تلك المدارس، وبخاصة في المدن الكبرى كإسطنبول وأنقرة ومرسين مثلاً، تجاوزت شرط مجانية التعليم الذي نصّ عليه (بروتوكول التربية التركية، وتحوّل بعضها إلى مؤسسات تعليمية ربحية ذات أقساط سنوية للطلاب متفاوتة القيمة (يتراوح القسط الشهري فيها بين 50 إلى 300 ليرة تركية للطفل الواحد)، بحجة ارتفاع إيجار البناء المدرسي ودفع الأجور للمعلّمين. وعلى الرغم من تلك الأقساط التي أرهقت كاهل العائلات، وخصوصاً تلك التي تحتوي طفلين أو ثلاثة في سن التعليم، إلا أنها أجبرت على تسجيل أبنائها، ولو كان ذلك على حساب طعامهم وآجار مسكنهم.

وعلى الرغم من علم الوزارة التركية ودرايتها آنذاك بتجاوز المراكز شروط البروتوكول، إلا أنها آثرت المراقبة واستمرار عمل المراكز على ذلك النحو من دون تدخّل أو دعم، بل استمرت في الأعوام الثلاثة اللاحقة (2013- 2014- 2015) بترخيص مدارس أخرى تدرّس المنهاج السوري، الذي سنتناول الحديث عنه في الفصل اللاحق، على المنوال نفسه (البروتوكول).

كتب المنهاج السوري وإشكال تدريسه

أولى العقبات التي واجهت المدارس السورية، في المخيمات والمدن التركية، كانت صعوبة تأمين كتب المنهاج الذي سيُدرَّس للأطفال في المدارس السورية. ولا يخفى على أحد بأن آلية تأليف مناهج تعليمية جديدة للمراحل الصفية كافة تحتاج إلى ميزانية ضخمة إضافة إلى كوادر تدريسية على درجة عالية من الخبرة باستطاعتها الإشراف على التأليف، ولأن مؤسسات المعارضة السورية (الحكومة الموقتة والائتلاف) لم تستطع توفير هذين الشرطين، فقد لجؤوا إلى طباعة كميات من كتب المنهاج السوري على نفقة دولة (قطر) من خلال استحداث هيئة (عِلْم) التي أُسِّست خصيصاً للتحكّم بالمدارس السورية والهيمنة عليها.

وقامت تلك الهيئة لاحقاً، بالاتفاق مع الحكومة الموقتة، على تنفيذ مشروع (تعديل المنهاج السوري)، كتب المواد الدينية والاجتماعية واللغة العربية خصوصاً، لـ (تصحيح) المعلومات التي أدخلها نظام الأسد وحزب البعث على تلك المواد خلال مدّة حكمه، إلا أن ذلك التصحيح تحوّل إلى شطب جزئي وغير مدروس على صفحات الكتب لتغدو أشبه ما تكون بعملية (ترقيع) وتشويه للفقرات من دون أدنى تصويب للمعلومات بالشكل المقبول.

كما طلبت الحكومة التركية من الجهة المعدِّلة شطب كل ما يشير إلى تركيا في منهاج النظام السوري، كالدروس المعنونة بـ (الاحتلال العثماني) في كتب تاريخ النظام، والخريطة السورية التي تضم (لواء اسكندرون) في كتب الجغرافيا، فتقلّص حجم الكتاب الذي كان يتجاوز 200 صفحة ليصبح أقل من 150 صفحة في بعض الصفوف.

وعلى الرغم من ذلك، قامت الوزارة التركية في العام الدراسي 2016- 2017 بسحب كتب التاريخ والجغرافيا من المنهاج السوري ليجري لاحقاً فرز مدرّسي المادتين موجهين ومناوبين في مراكز التعليم السورية كما سيمر معنا لاحقاً.

معضلة منح الشهادات لطلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية

العقبة الثانية التي واجهت الطلاب السوريين في المدارس السورية منذ انطلاقتها الأولى وصولاً إلى العام 2016، كانت شهادتي التعليم الإعدادي والثانوي (التاسع والبكالوريا).

فبعد تشكيل الحكومة السورية الموقتة، ومركزها إسطنبول في بداية الأمر، استصدرت (جلاءات) مدرسية خاصة بالطلاب السوريين المهجّرين في دول الجوار السوري ومنها تركيا، ممهورة بخاتم وزارة التعليم في الحكومة الموقتة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى شهادتي التاسع والبكالوريا. إلا أن الدول معظمها وجامعاتها لم تعترف بشهادات الحكومة المذكورة، فما كان من الأخيرة سوى البحث عن دولة تمنح حكومتها الشهادتين للطلاب السوريين، إلا أن حكومات الدول العربية جميعها رفضت منح شهاداتها للطلاب عدا الحكومة الانتقالية في ليبيا آنذاك (عام 2013- 2014- 2015) شرط تدريس منهاجها الليبي للطلاب السوريين في الصفين التاسع والبكالوريا، فكان لها ما أرادت، ودرس الطلاب السوريين منهاجي التاسع والبكالوريا الليبيين على يد المعلمين السوريين أنفسهم.

درس الطلاب السوريون مواد المنهاج الليبي كاملاً. بالنسبة إلى المواد العلمية واللغة الأجنبية لم تختلف الأمور كثيراً على الطلاب ومدرّسي المواد، أما المواد الأدبية، التاريخ والجغرافيا و(الوطنية) خصوصاً، فقد كانت تتحدث عن تاريخ ليبيا، والجغرافية الأفريقية، ودروس الوطنية المتعلّقة بالمجتمع الليبي وسياساته وتشريعاته.

وبعد العام 2016 بدأت الحكومة التركية بمنح جلاءاتها وشهاداتها للطلاب السوريين بعد وضع يدها على المدارس السورية كما سيمر معنا لاحقاً.

الفجوات التعليمية وظاهرة التسرب

العقبة الثالثة التي يعانيها الأطفال والمعلمون السوريون على حد سواء، في المدارس السورية، هي وجود شريحة واسعة من الأطفال الذين هربوا مؤخراً من مناطق الحرب السورية، وهؤلاء كانوا قد انقطعوا عن الدراسة مدداً تجاوزت أربع أو خمس سنوات نتيجة تهدّم المدارس في مناطقهم، وغياب المعلمين فيها، وإطباق الحصار عليها من النظام السوري، وعدم تمكنهم الخروج من مدنهم إلا مؤخراً، أو بسبب نزوحهم وتنقلهم المستمر بين البقاع السورية قبيل دخولهم إلى تركيا.

فغالباً ما نجد أطفالاً في سن الصف السابع أو الثامن، لا يتقنون جدول الضرب، أو قراءة الكلمات العربية البسيطة بصورة صحيحة. وهؤلاء، كما ذكرنا، يشكلون نسبة كبيرة من الأطفال، وما يؤسف حقاً هو غياب التخطيط المنهجي لمواكبة عملية تعليمهم ضمن برامج مدروسة يجري من خلالها ملء تلك الفجوة التي حفرتها سنوات الدمار والشتات داخل عقولهم.

جزء من أولئك الأطفال آثر الانخراط في العمل في مهن عدة، مبتعداً عن جو التعلّم نتيجة الفارق الشاسع بينه وبين أقرانه من الأطفال، وجزء آخر منهم وجد ضالته في المدرسة ليمارس من خلالها أساليب الشغب والتنمّر على زملائه من الأطفال، ومنهم من شكل (عصابات) تبتزهم وترهبهم داخل المدرسة وخارجها، بل وصل الحد ببعض تلك (العصابات) من الأطفال في إحدى المدن الكبرى إلى حمل السلاح الأبيض واستخدامه لإرهاب أقرانه من الأطفال، وتلك العصابات معظمها تشكّلت من الأطفال القادمين من مناطق كان يسيطر عليها تنظيم داعش ومناطق أخرى تسيطر عليها تنظيمات متطرفة أخرى كجبهة النصرة وغيرها من الفصائل الإسلاموية.

وجزء ثالث ممن تتراوح أعمارهم ما بين سن الـ 7 إلى 15 عامًا راحوا يعملون في بيع (المناديل) الورقية، أو المياه في أماكن المواصلات العامة، إضافة إلى عمليات التسول الكبيرة في الأسواق وبقرب المساجد.

ويطالب عدد كبير من السوريين المؤسسات المدنية العاملة بأخذ الدور لعقد دورات خاصة للأطفال الذين خسروا مدارسهم وأضاعوا سنيّ دراستهم بسبب الحرب، وأصبحوا لا يستطيعون الذهاب إلى المدرسة بسبب جهلهم بالقراءة والكتابة.

وأوردت منظمة (هيومان رايتس ووتش) الدولية في دراسة نشرتها مؤخرًا عن أن عمالة الأطفال تتفشى في وسط اللاجئين السوريين: (الذين لا تمنحهم تركيا تصاريح العمل بسبب مخاوف من تأثر سكان البلد المضيف من العاطلين. ونتيجة لذلك تعتمد أسر عدة على دخل أطفالها، إذ يعجِزُ الأبوان عن اكتساب دخل شريف من دون تدابير حماية للعمل).

وأوردت المنظمة الدولية أيضًا أن بعض المدارس التركية رفضت استقبال الأطفال السوريين في صفوفها الدراسية أو أخفقت في توفير الحد المعقول من الحاجات على الرغم من إلغاء تركيا عام ٢٠١٤ قانونًا يطالب السوريين بإبراز وثائق إذ لم يعد موجودًا، إلا أن بعض المدارس التركية واصلت المطالبة بإبراز هذه الوثائق، إضافةً إلى افتقار الأسر السورية إلى المعلومات الأساسية والضرورية لعملية التسجيل في المدارس.

وفي محاولة للتخفيف من أثر عمالة الأطفال، طالبت المنظمة تركيا بتوفير تصاريح العمل على نطاق واسع للاجئين السوريين، وذلك لتمكين الأسر المحرومة العمل المنتظم بالحد الأدنى من الأجور؛ ما يؤدي إلى تخفيف المعدل المرتفع من عمالة الأطفال المنتشرة في وسط اللاجئين السوريين.

الدور السلبي للمدرّسين وتأثيره في الأطفال السوريين

العقبة الرابعة، والأكبر صراحةً، تلك المتعلقة بفئة غير قليلة من المعلمين السوريين العاملين في المدارس السورية.

فعندما باشرت المنظمات والجمعيات بافتتاح المدارس، كما مر معنا سابقاً، وضعت إداراتها في يد أشخاص، معظمهم من غير المختصين بالعمل التربوي والتعليمي، بل كانوا من ذوي رؤوس الأموال والتجار، وجلّهم أصحاب علاقات مع منظمات ومؤسسات سياسية وحزبية ودينية منتشرة بكثرة في تركيا. فقام أولئك الأشخاص، بوساطة سلطتهم المطلقة في الإدارة، بتعيين فئة من معارفهم وأقاربهم مدرسين في المدارس السورية، وجزء منهم لا يحمل شهادة جامعية تخوّله تعليم الأطفال في المراحل الابتدائية أو المواد الاختصاصية في المراحل الإعدادية والثانوية.

وانتشرت ظاهرة الحصول على الشهادات الجامعية المزورة بصورة ملحوظة بين فئة (المدرسين) في ظل غياب الرقابة المؤسساتية نتيجة انقطاع العلاقات بين الحكومة التركية ونظام الأسد، وعدم تمكن الأولى التحقق من صحة الشهادات المزورة التي انتشرت انتشار النار في الهشيم، للحصول على العمل في التعليم، الذي يعد أسهل الأعمال مقارنة بالمعامل والمصانع في تركيا، والخاسر الأكبر في هذه المعمعة هو الطفل السوري في المدرسة.

وبعيداً من مسألة المعلمين المزورين، نأتي الآن على المعلمين عموماً:

فمع بداية العام الدراسي 2015-2016 بادرت منظمة اليونسيف من خلال مكتبها في تركيا إلى منح المعلمين السوريين العاملين في المدارس السورية راتباً شهرياً مقداره 900 ليرة تركية، (يعادل 300 دولار أمريكي في ذلك الوقت)، ثم رُفع في العام التالي إلى 1300 ليرة تركية (يعادل 300 دولار في ذلك الوقت أيضاً مع انخفاض صرف الليرة التركية)، وبقي هذا الراتب سارياً بالليرة التركية حتى اليوم من دون تغيير.  

ونتيجة تلك الأجور الزهيدة التي تمنحها اليونسيف للمعلمين والمعلمات، انتشرت ظاهرة التسيّب التعليمي عند جزء يسير من أولئك الأخيرين، ولم يعودوا يلقون بالاً لتعليم الأطفال السوريين في المدارس السورية، وراحوا يطرقون أبواب المدارس العراقية والليبية والسودانية واليمنية المنتشرة في المدن التركية الكبرى، ليداوموا فيها صباحاً مع الاستمرار في تدريس الأطفال السوريين الذين انتقلوا لاحقاً من المباني الخاصة إلى المدارس التركية الحكومية ليداوموا فيها في فترة ما بعد الظهر، عقب انصراف الطلاب الأتراك منها.

الحكومة التركية تضع يدها على الأطفال السوريين وتبدأ بدمجهم في مدارسها

منذ بداية العام الدراسي 2016- 2017 قررت التربية التركية فجأة ومن دون سابق إنذار إغلاق المدارس السورية التي كانت قد افتتحت حديثاً، وأوقفت التمديد للقديمة وإنهاء عملها حال انتهاء المدّة المتفق عليها في البروتوكول الموقع معها، وتحويل الطلاب السوريين جميعهم إلى أبنية المدارس الحكومية التركية للدوام فيها بُعيد انصراف طلابها الأتراك ظهراً، والتوقف عن إنشاء مدارس سورية أخرى، وصار يطلق على المدارس السورية اسم (مراكز التعليم السورية الموقتة. وقد رسمت التربية التركية خريطة طريق لتنفيذ خطة دمج الأطفال السوريين في المدارس التركية وتدريس المنهاج التركي لهم، ضمن زمن تقديري يستمر نحو 3 سنوات، ينتهي كما هو مقرر بنهاية العام الدراسي 2018- 2019، ليصبح الأطفال السوريون كلهم داخل المدارس التركية).

فبدأت التربية التركية في العام الأول بسحب تلاميذ الصف الأول، وفي هذه السنة سُحب تلاميذ الصف الثاني والخامس والتاسع، وفي السنة المقبلة سيجري سحب الصفوف: الثالث والسادس والعاشر، ليجري لاحقاً دمج الصفوف المتبقية في العام 2019- 2020.

وبذلك سينتهي وجود المدارس السورية نهائياً في تركيا، على الرغم من تصريحات لمسؤولين في التربية التركية بأنهم سيمنحون تراخيص رسمية لمن يود افتتاح مدرسة سورية خاصة تستوفي شروط المدارس الخاصة في تركيا، ولكن هذه التصريحات ذر للرماد في العيون، لأن من شروط أي مدرسة خاصة تمثل منهاجاً لدولة ما، أن يشتمل الترخيص على موافقة وزارتي التربية في البلدين، وهذا لا يمكن في ظل انقطاع العلاقة بين الحكومة التركية وحكومة نظام الأسد في سوريا.

وتنفيذاً لخطة الدمج، جرى توقيع عدد من البروتوكولات والاتفاقات بين التربية التركية ومفوضية الاتحاد الأوروبي من جهة، وبين التربية ومنظمة (اليونسيف) من جهة أخرى، لتشرف كل من المفوضية والمنظمة على مصروفات الأطفال السوريين ومستلزماتهم في المدارس التركية، من كتب تعليم اللغة التركية إلى القرطاسية إلى الحقائب، وكذلك صرف رواتب المعلمين الأتراك المشرفين على تعليم الأطفال السوريين اللغة التركية في مراكز التعليم الموقتة التي جرى توزيعهم فيها، لتحضيرهم قبل الدمج في المنهاج التركي، وعدد أولئك المعلمين الأتراك حوالى 6500 معلم، عُينوا في منتصف العام الدراسي 2016- 2017، وهم من الخريجين الحديثين من مختلف الجامعات التركية، وبلغ راتب المعلم الواحد 1000 دولار أمريكي يجري دفعه من مفوضية الاتحاد الأوروبي، بينما يبلغ راتب المعلم السوري، في المدرسة نفسها ومع الطلاب أنفسهم، 1300 ليرة تركية (ما يقارب حالياً 250 دولار أمريكي) تُصرَف من منظمة اليونسيف.

وخططت وزارة التربية التركية، بنفقة سعودية وكويتية وقطرية، وكذلك من الاتحاد الأوروبي، لبناء 105 مدرسة إضافية في المدن التي تكتظ بالسوريين بحلول عام 2019 وقد أعلنت أنها انتهت فعلياً من 30 مدرسة وهي تعمل الآن، لكننا لا نعرف سوى الأطفال الذين يدرسون في المدارس التركية بعد الظهر، أو الذين دُمِجوا مع أقرانهم الأتراك، ولا أثر لتلك المدارس التي يقولون عنها بأنها تخص السوريين.

وقعت التربية التركية بروتوكولاً مع منظمة اليونيسيف، يهدف إلى تقديم الدعم التعليمي للسوريين، إضافةً إلى تقديم دعم مالي للطلاب الذين يدرسون في المدارس الحكومية بهدف تقليل نسبة المتسربين من المدارس، وذلك بتخصيص ميزانية تصل إلى ٥٦٢ مليون دولار لتلبية حاجات الطلاب الأطفال في تركيا.

وعلى الرغم من ذلك كله، نجد عدم رغبة من الأهالي في إرسال أطفالهم إلى مدارس تركية لأسباب تتعلق بالهوية وبالعنصرية المنتشرة ضد السوريين، وعدم توافر المواصلات ووسائل النقل في بعض المناطق. والأهم من هذا وذاك كله هو تخوفهم من ضياع لغتهم الأم (العربية) ونسيانها.

خاتمة

وكما رأينا، فإن الدوائر تدور على الطفل السوري، ليس فقط في الداخل السوري ووسط الحرب، بل في الدول التي هرب إليها ولجأ فيها، ومنها تركيا، فأضحى كالمستجير بالنار من الرمضاء.

وعلى الرغم من المبالغ الطائلة التي يجري دفعها للحكومة التركية من المنظمات الدولية وبعض دول العالم للإشراف على تعليمه، يعاني الطفل السوري اليوم التهميش والتشتت وضياع الهوية، واستغلال حاجته إلى التعليم من الحكومات من جهة، ومن بعض الجهات والمؤسسات السورية من جهة أخرى. فعلى الرغم من كل ما تعرّض له، وما مررنا عليه، لم نشهد تحرّكاً واحداً من مؤسسات المعارضة السورية، ومقراتها داخل تركيا، يصب في مصلحة الطفل السوري، أو يقف في وجه ما يحصل له من عملية محو للذات وللتاريخ والمستقبل، وكأن ما يحصل له هو استمرار لمخطط الدمار السوري الذي تشارك فيه دول العالم جمعاء، بصورة أو بأخرى.  


هذه الدراسة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.