التمادي التركي وانتهاكاته في ليبيا وباقي الدول العربية

هيئة التحرير

في تصريحات له تعود لعام 2010، قال كبير مستشاري وزيرة الخارجية الأمريكية حينها، «ديفيد ساترفيلد» إن حزب «العدالة والتنمية» قد أعاد صياغة السياسات الخارجية لتركيا والتي تأسست بعد الجمهورية على أساس «المحافظة على سلامة الكيان التركي الجديد المولود من رحم الدولة العثمانية، والابتعاد عن تداعيات الصراعات الخارجية لتركيا، حتى تطورت هذه النزعة في أعقاب الحرب الباردة»، يبدو خلال الرجوع لمختلف التصريحات الصادرة عن الإدارة الأمريكية، قديماً- وحديثاً- أنهم أعطوا الدور التركي، أكبر من حجمه، وإن كان ضمن اتفاقات الموافقة بدخولها الناتو، أو على أساس أنها عضو في الناتو فيما بعد، فإن كل ذلك شجع تركيا على ارتكاب الانتهاكات والتمادي أكثر مع استمرار الدور الأمريكي المرتبك في حكم الرئيس الحالي دونالد ترامب، هذا الدور الذي كان على حساب المصالح العربية وقضاياه سواءً على المستوى الداخلي أو الخارجي.

والمفارقة أن تركيا تعاني من أزمة في داخلها، وفي الوقت ذاته تتدخل بالشؤون الداخلية لبلدان عربية عدة، وصلت في بعضها للتدخل العسكري المباشر كما حصل في سوريا وليبيا، وتدّخل «وقت الحاجة» كما هو الحال مع العراق واليمن والصومال، وهذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على العجز في الدور العربي المطلوب لسد هذه التدخلات السافرة، التي أصبحت تسمح لها بالتدخل أكثر في القضايا الشرق أوسطية بالاستفادة من مد جماعة «الإخوان المسلمين» التي تعد إحدى أذرعها ونقاط عبورها آسيوياً وأفريقياً.

تتحدى واشنطن علناً

التحدي والتمادي التركي، لم يقف عند هذا الحد، وإنما وصل بهم الأمر إلى تحدي قرار مجلس الأمن القومي الأميركي، الداعم لمبادرة و«إعلان القاهرة»، إذ عبر المجلس عن أمله في أن تؤدي مبادرة السلام المصرية بشأن ليبيا إلى وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الأجنبية، وعودة المفاوضات السياسية التي تقودها الأمم المتحدة. وهذ ما أكدته وسائل إعلام أمريكية ومصرية، من خلال نشرها لمضمون الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وأكدت جميعها أن ترامب أعرب عن «ترحيبه بالجهود المصرية لتحقيق التسوية السياسية للأزمة الليبية، وإنهاء أعمال العنف بدعم وقف إطلاق النار، وتفعيل إرادة الشعب الليبي في تحقيق الأمن والاستقرار لبلاده».

هذا التأكيد الأمريكي، سواءً من خلال الرئيس؛ أو من مجلس الأمن القومي الأميركي، كان من الطبيعي أن تخفف على الأقل من التدخلات التركية، وتكون إشارة واضحة أن رسالة واشنطن من أنها تعلن استعادة زمام الأمور في ليبيا، لكن حجم وكميات السلاح والمقاتلين، التي وصلت خلال الأيام الماضية والتي رصدتها الفرقاطة الإيطالية والفرنسية سواءً عبر البحر أو الجو تؤكد أن أنقرة لم تعط أيّة أهمية للتصريحات الأمريكية التي جاءت من الرئيس ذاته. إلا إذا كان ما تبديه الإدارة الأميركية من تأييد لوقف إطلاق النار في ليبيا «شكلي» فقط؛ وهذا ما يدفع الأتراك إلى التمادي أكثر.

على الرغم من أن السفير الأميركي السابق لدى تركيا، «إريك إس. إيدلمان» والنائب السابق لقائد القيادة العسكرية الأميركية في أوروبا، الجنرال «تشارلز وولد» قد أكدا في تصريحات واضحة وصريحة على أن «الدور التخريبي الذي يلعبه نظام أردوغان في ليبيا يشكل تهديداً للمصالح الحيوية للولايات المتحدة وتحديا مباشرا لجهود واشنطن في التشجيع على إقامة مشروعات الطاقة للأغراض السلمية في منطقة الشرق الأوسط». ولم يكتفيا بهذا الحد بل قالا في تصريحات نقلها موقع «أحوال تركية» عن مجلة «بريكنج ديفينس» الرقمية، على أن ما يقوم به أردوغان في الساحة الليبية، «يمنح تنظيم (داعش) الإرهابي فرصة إعادة تنظيم صفوفه، كما يزيد من مخاطر تعرض القارة الأوروبية لطوفان جديد من اللاجئين والمهاجرين.

تهرّب من أزمتها الداخلية

تؤكد المؤشرات السياسية والاقتصادية، أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يسعى إلى تأجيج مواجهة سياسية مع اليونان التي تعتبرها خصمها التاريخي، للتغطية على مشاكله الداخلية من حيث الأزمة الاقتصادية التي تعانيها تركيا مع التراجع الكبير لسعر صرف الليرة، وسياسياً من حيث سياسات القمع للمعارضة والقوى السياسية الأخرى، هذه العوامل مجتمعة تهدد بتقويض شعبيته في الانتخابات القادمة.

هكذا؛ تهدد تركيا عند أيّ منعطف بفتح الحدود، ولا يتوانى الرئيس التركي، على قول ذلك علناً، ومع ذلك ما تزال إجراءات الاتحاد الأوروبي ضد حكومته ضمن العلاقة الدبلوماسية الطبيعية، وكانت آخر تهديداته، في أواخر آذار/ مارس، حين أعلنت أنها ستسمح للاجئين في تركيا، وخاصة السوريين الذين هم الأكثرية ويعانون من صعوبة تأمين متطلبات العيش، بالعبور عبر حدودها الشمالية الغربية إلى اليونان، ولم تكتف بذلك بل نقلت الآلاف من المهاجرين إلى المنطقة، ووفق وسائل إعلام تركية، فإن الشرطة التركية شجعت بعضهم على العبور إلى الأراضي اليونانية، ورمي الحجارة والقنابل الحارقة على شرطة الحدود اليونانية.

وازدادت الأزمة والتوتر بين تركيا واليونان أكثر، مع إعلان أنقرة الأسبوع الماضي، أنها ستنقب عن الغاز الطبيعي والنفط في البحر الأبيض المتوسط، والتي وصفها وزير الخارجية اليوناني بالابتزاز، وبرز التوتر حده السياسي بالتزامن مع نشر الحكومة التركية، خريطة توضح مناطق الاستكشاف المقترحة المحيطة بقبرص، في تحدٍ ليس لليونان فقط؛ وإنما للاتحاد الأوروبي أيضاً، إذ أن تلك المنطقة معترف بها دولياً للقبارصة اليونانيين تحكم جنوب الجزيرة المقسمة، وتمتد حول جزر يونانية عدّة إلى ليبيا، بعد أن وقعت تركيا معها اتفاقية بحرية مثيرة للجدل.

انتهاك الأجواء العراقية

بعد التدخل في سوريا وليبيا، وإثارة المشاكل مع اليونان، جاء دور العراق، إذ استنكرت قيادة العمليات المشتركة في العراق اليوم الإثنين، اختراق الطائرات التركية، الأجواء العراقية، مساء الأحد، مؤكدة في بيان صادر عنها أن 18 طائرة تركية اخترقت الأجواء العراقية باتجاه (سنجار، مخمور، الكوير، وأربيل، وصولا إلى قضاء الشرقاط) بعمق 193 كيلومتراً مِن الحدود التركية، داخل الأجواء العراقية واستهدفت مخيماً للاجئين قرب مخمور وسنجار.

ووصفت قيادة العمليات المشتركة في العراق، التصرف التركي، بـ«الاستفزازي الذي لا ينسجم مع التزامات حسن الجوار وفق الاتفاقيات الدولية، ويعد انتهاكاً صارخاً للسيادة العراقية». مشددةً على أن «العراق على أتم الاستعداد للتعاون بين البلدين، وضبط الأوضاع الأمنية على الحدود المشتركة، لكن يجب إيقاف هذه الانتهاكات أولاً احتراماً والتزاماً بالمصالح المشتركة بين البلدين»، داعية إلى عدم تكرارها.

فيما ردت وزارة الدفاع التركية، على أن الهجوم الجوي الذي أطلق عليه «مخلب النسر» كان «يهدف إلى تأمين حدود البلاد وأمن الشعب التركي، من خلال تحييد حزب (العمال الكردستاني) والمنظمات الإرهابية الأخرى التي كثفت من محاولاتها لشن هجمات على قواعد الشرطة والجيش.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©