التوسع العربي الإسلامي تاريخياً؛ غزو أم فتح؟

ما هو المعيار الذي نستخدمه للحكم على الظواهر التاريخية وتوصيفها؟ أصحاب الأيديولوجيات الإسلامية والقومية العربية يعتبرونه فتحاً بلا شكّ.

بينما يعتبره من يعادون الأيديولوجيات الإسلامية والقومية العربية محض غزو عسكري ليس أكثر.

المقاربة الآتية تحاول البحث عن معيار للتوصيف والاصطلاح بعيداً عن الأدلجة والتصوّرات العقائدية المُنحازة.

في الدلالة اللغوية

غَزَا العدوَّ: هاجمه، سار إلى قتاله في أرضه، الغَزْوةُ: المَرَّة من الغزو والجَّمع غَزَوات وغَزْوَات (معجم المعاني الجامع).

فتَحَ الْبِلاَدَ: دَخَلَهَا بَعْدَ أَنْ غَلَبَ أَهْلَهَا وَأَخْضَعَهَا لِسُلْطَتِه. الفتوحات: ما فُتح من البلدان في الحرب (معجم المعاني الجامع).

بمراجعة الدلالة اللغوية المعجمية لكلمتي الغزو والفتح لا نجد فرقاً كبيراً، يشير كلاهما إلى منطق الغلبة والقتال، ولم تكن دلالة الغزو سلبية آنذاك، إذ لا يجد عموم المسلمين اليوم حرجاً من تسمية حروب دولة الرسول بغزوات، كغزوة بدر وغزوة الخندق ونحوها.

مع ذلك تشير كلمة الغزو إلى الطارئ مقارنة بالفتح الذي يكون أطول زمناً، وتشير كلمة الغزو إلى حرب وقتال فحسب، مقارنة بالفتح الذي يرتبط أكثر بدلالة سياسية حضارية ترافق الحرب والقتال.

محاكمة التاريخ بمفعول راجع

إشكالية المصطلح بين الغزو والفتح، هي إشكالية حديثة ظهرت في بدايات القرن العشرين، مع انبعاث الحركات القومية المحلية كالقومية السورية والقومية الفرعونية ولبنان الفينيقي …إلخ، كذلك مع انبعاث الهويّات الفئويّة ما قبل الوطنية عرقيّة كانت أم دينيّة، كما في حالة الأقباط في مصر أو الموارنة في لبنان أو حالة الكرد والأشوريين في سوريا والعراق، أو الأمازيغ في المغرب العربي.. إلخ.

ينبغي النظر إلى إشكالية المصطلح هنا في سياق الصراع الفئوي الهويّاتي في العالم العربي الإسلامي، وكيف تنظر الفئويات القومية والدينية إلى نفسها ومحيطها الذي هو في الأغلب عربي إسلامي.

من الضروري تجنّب محاكمة التاريخ بمفعولات راجعة بمقياس معاصر، لا ينبغي إعادة صوغ المصطلحات بما يلائم نزاعات أيديولوجية راهنة بحيث يتحوّل التاريخ إلى استمرار بمفعول راجع للصراعات والأحوال الاجتماعية السياسية الحاضرة، وهو ما يُعرف في علم التاريخ Chronocentrism، من هذا المنظور لا ينبغي تصوّر وجود مبدأ المواطنة المتساوية تاريخيّاً في الدول العربية الإسلامية، هذا المبدأ وهذه الأفكار لم تكن شائعة ومطروحة للتداول في العالم القديم، وفي دول القرون الوسطى، ومبدأ المواطنة المتساوية ينافي الأيديولوجيا الدينية الإسلامية السائدة آنذاك، من جهة أن المسلمين لا يمكن مساواتهم بغير المسلمين من أهل الكتاب والكفّار والمشركين أو من جهة استثناء طبقة العبيد، أيضاً لم يكن هذا حكراً على الدول العربية الإسلامية آنذاك، بل هو قاسم مشترك بين الإمبراطوريات والدول المجاورة والمُزامنة كلها، وفي هذا يمكن المقارنة بالإمبراطورية الرومانية البيزنطية أو الإمبراطورية الساسانية أو الصينيّة حتّى.

إذاً لا يمكن الحديث آنذاك عن المواطنة المتساوية بل يمكن الحديث عن التعايش والتسامح المعروض على النسبيّة، مثلا كيف كان المسلمون يُعامَلون في الإمبراطورية البيزنطية؟ أو الإمبراطورية الكارلينجية الفرنجية؟ وحيث يغيب الوجود المُستوطن للمسلمين كيف كان المسيحيون يُعاملون في الدول العربية الإسلامية آنذاك؟ ما هو وضع السكان اليهود مثلا بالمقارنة بين الدول العربية الإسلامية وغيرها آنذاك هذا على صعيد الفئويات العقائدية الدينية، إضافة إلى ذلك ينبغي النظر إلى البناء الطبقي للمجتمعات آنذاك وإمكانات الانتقال من طبقة إلى أخرى، ضمن مجتمعات المسلمين وغير المسلمين أنفسهم، والموقف الديني من ذلك كله عناصر ينبغي أخذه بعين الاعتبار.

حربٌ على النفوذ والسيطرة

من الواضح تاريخياً أن امتداد الإمبراطوريات العربية الإسلامية والدولة العثمانية لاحقاً، لم يكن سلميّاً ولم يكن لغاية نشر الإسلام وهداية السكان المحليين إلا جزئياً.

كانت حروباً تستهدف امتداد النفوذ والسيطرة والبحث عن موارد اقتصادية جديدة إضافة إلى البعد الأيديولوجي العقائدي.

لقد كانت الدولة الراشدية والأموية والعباسية ومن ثم العثمانية دولاً ذات أيديولوجيات إسلامية سنّية بلا شك، بينما كانت الدولة الفاطمية ذات أيديولوجيا شيعية إسماعيلية مثلاً، ولم تكن هذه الدول استثناء عن طبيعة الدول في تلك العصور، فالدول آنذاك كانت تقوم على عصبيّة عائلية وذات صبغة دينية في أغلب الحالات. كانت الأيديولوجيا الدينية عاملاً مُحفّزا على التوسع والحروب، وهي أحد العوامل المؤثرة في السياسات الداخلية والخارجية للدولة إضافة إلى عوامل سياسية اقتصادية اجتماعية (قبلية – عرقية) أخرى.

السياسة في مواجهة الدين

لنتوقف عند سرد تاريخي منسوب إلى الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، الذي يُلقّب بخامس الخلفاء الراشدين (99 -101 للهجرة) إذ توحي سيرته المكتوبة كما وصلت إلينا، بالاستقامة الدينية – الأخلاقية. يورد الطبري في تاريخ الرسل والملوك في أحداث مئة للهجرة، في سبب عزل الجراح بن عبد الله والي خرسان، أن الجراح كتب إلى عمر بن عبد العزيز يشكو كثرة دخول الناس في الإسلام، وهذا ما سوف يتسبب في إنقاص نسبة الضريبة من نصاب الجزية إلى نصاب الزكاة التي تُفرض فقط على المسلمين كتب عمر إلى الجراح: انظر من صلّى قبلك إلى القبلة فضع عنه الجزية، فسارع الناس إلى الإسلام، فقيل للجراح: إن الناس قد سارعوا إلى الإسلام، وإنما ذلك نفور من الجزية، فامتحنهم بالختان. فكتب الجراح بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إن الله بعث محمداً ص داعياً ولم يبعثه خاتناً [1]، وفي رواية أخرى يوردها ابن كثير؛ فكتب إليه عمر: إن الله إنما بعث محمداً ص داعياً ولم يبعثه جابياً. وعزله وولى بدلاً منه عبد الرحمن بن نعيم القشيري على الحرب، وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج [2] تطرح هذه السردية التاريخية صراعاً مُحتدما بين مصالح المشروعية العقائدية للدولة ومصالح السلطة السياسية من جهة كونها سلطة مستبدة.

خارج معادلة الغزو والفتوحات

استمر الحضور العربي الإسلامي ما يقارب أربعة عشر قرناً في بلاد الشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا، وما زال البعد العربي الإسلامي حاضراً بقوة في ثقافة المجتمعات القاطنة في هذه الجغرافيا السياسية. المجتمعات المحلية في أغلبها تفتخر بتاريخها العربي الإسلامي ولا ترى نفسها غريبة عن الفضاء العربي الإسلامي، لقد اعتنقت هذه المجتمعات في أغلبها دين الفاتحين لأسباب عقائدية واجتماعية سياسية، ولكن عندما أتيح لهذه المجتمعات حكم نفسها في التاريخ سواء عبر تشكيل دويلات على أرضها من أبناء جلدتها، أم إبان طور الاستقلال عن الاحتلالات الأوروبية، لم نجدها تخرج عن الفضاء العربي الإسلامي، بالطبع هذا لا يلغي خصوصياتها ومشروعية قيام دول وطنية حديثة، قائمة على المواطنة المتساوية واحترام الخصوصيات الثقافية للفئويات الدينية والقومية المختلفة ضمن حدودها. ما قصدته أن الغزو عادة ما يكون طارئاً ذا طابع عسكري دونما تأثيرات ثقافية اجتماعية عميقة بعيدة المدى. من هنا لا يمكن تفسير ما حدث بكونه محض غزو عربي إسلامي. كذلك لا يمكن تزوير التاريخ وأسطرته وتقديم توسع الدول العربية الإسلامية (راشدية- أموية- عباسية) أو الدولة العثمانية بكونه فقط لنشر دعوة الإسلام، أو الادّعاء بأنّ هذا التوسع كان سلميّاً قليل العنف، لقد كانت الأهداف السياسية الاقتصادية حاضرة وبقوة منذ البداية.

كان الإسلام ومنذ عهد دولة الرسول مشروعاً سياسياً بامتياز، مشروع دولة توسعية بأيديولوجيا دينية، بما كان سائداً في العالم ذلك الزمن. وفي هذا نلتقي مع ما يقوله حسام عيتاني في كتابه الفتوحات العربية في روايات المغلوبين في ضرورة تجاوز:

  • الرواية التقريظية التمجيدية ببطولات العرب في الفتوحات.
  • الرؤية التبخيسية التحقيرية لكل ما قام به العرب على امتداد تاريخهم [3].

دول متعددة الأقوام والعقائد الدينية

كانت الدول العربية الإسلامية تاريخياً إمبراطوريات متعددة الفئويات الدينية والعرقية، إذ عاش المسلمون فيها بجانب المسيحيين واليهود والصابئة، وضمن الإسلام نفسه نجد فئويات عقائدية سنية وشيعية مختلفة، ومن جهة ثانية عاش العرب بجانب الترك والفرس والكرد والبربر والأقباط ..إلخ، ما قصدته هو تأكيد سِمَات الحضور السياسي – الثقافي المتفاعل متعدد الثقافات والإثنيات، لم تكن الدول العربية الإسلامية السابقة أو الدولة العثمانية محض دول استبدادية فحسب؛ بل كانت في كثير من مراحلها تحوي منظومة التعاون الصوري منطقياً [4] بحيث يوجد مجال للتعايش والانخراط المشترك في الحياة الثقافية والسياسية أمام أغلب هذه الفئات، مع أولوية لمصلحة الفئات المُسلمة على غيرها. لنتذكر على سبيل المثال لا الحصر أن علماء اللاهوت المسلمين معظمهم لم يكونوا من أصول عربية، ولكنهم كانوا ينتمون إلى الثقافة العربية الإسلامية، أصحاب الكتب الستة الأكثر شهرة في رواة الحديث النبوي عند السنّة لم يولدوا في مدن عربية ولم يكونوا من أصول عربية، فالإمام مسلم من نيسابور في بلاد فارس، وأبو داوود من سجستان، والنسائي من خراسان، والترمذي والبخاري من أوزبكستان حالياً، وابن ماجة من نواحي بحر قزوين.

كثير من علماء اللغة العربية ومؤسسيها لم يكونوا من أصول عربية، سيبويه ولد في البيضاء من بلاد فارس ومعنى سيبويه في الفارسية رائحة التفاح إذ كانت أمّه تلقّبه تحبّباً بذلك، الكسائي مؤسس مدرسة الكوفيين في النحو كان من أصول فارسية كذلك، وما يقال عن هؤلاء يقال كذلك عن الفلاسفة العرب المسلمين معظمهم من ابن سينا إلى الطبيب أبي بكر الرازي الذي ولد في مدينة الري قرب طهران حالياً، بينما كان الفيلسوف يعقوب ابن اسحاق الكندي مسيحياً من بني كنده.

في العهد الأموي كان ابن آثال طبيب معاوية بن ابي سفيان ووزيره وواليه على حمص مسيحياً، وكان الشاعر الأخطل مسيحياً من بني تغلب، وكان يوحنا الدمشقي وزيراً ومستشاراً في بلاط عبد الملك بن مروان والخلفاء الأمويين وكان مدافعاً متحمّساً عن المسيحية.

قليلاً ما يُذكر صلاح الدين الأيوبي بصفته كردياً بل هو شخصية ما زالت تحظى بالتقدير والانتماء إلى الثقافة العربية الإسلامية، قليلا ما يُذكر طارق بن زياد بصفته أمازيغياً على الأرجح بل هو شخصية ما زالت تحظى بالتقدير والانتماء إلى الثقافة العربية الإسلامية.

لستُ في وارد تقديم صورة وردية حالمة للتاريخ العربي الإسلامي فهو تاريخ حافل بالانقسامات والصراعات والتحالفات والبطولات والمجازر والاضطهادات وفيه من الإيجابيات والسلبيات كثير، ولكن صيرورة التاريخ العربي الإسلامي لا يمكن اختزالها بمُسمّى الغزو العربي والغزاة المسلمين. لم يكن العثمانيون عرباً ولا السلاجقة عرب، الزنكيون من أصول تركية، والأيوبيون من أصول كردية، لنتذكر أن تأسيس الدولة الفاطمية بزعامة عبيد الله المهدي 910م في المغرب العربي استند أساساً إلى تبنّي قبيلة كتامة الأمازيغية لهذه الدعوة (الشيعية)، مثلاً قامت دولة المرابطين ومن بعدها دولة الموحدين على أساس عصبية قبلية أمازيغية مع أيديولوجيا سنّية، إذ كان (أمير المسلمين يوسف بن تاشفين) أمازيغياً من قبيلة صنهاجة على سبيل المثال لا الحصر، ولا ننسى في العصر الحديث ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي (ذي الأصول الأمازيغية) ضد الاستعمارين الفرنسي والإسباني. في الأندلس كان اليهودي حسداي بن شبروت مستشاراً ووزيراً للخليفة الأموي عبد الرحمن الثالث وقد انتعشت في هذه المرحلة الثقافة اليهودية العبرية كما نجدها عند (مناحيم بن ساروق) الذي وضع معجماً مفهرساً للغة العبرية، وقد تميّز شعراء عبريون من قبيل سولومون بن غابيرول ويهودا حلبي وصموئيل بن ناكريلا.

ذلك كله قبل أن يجري اضطهادهم على يد المرابطين والموحدين لاحقاً. لنتذكر بأن الدولة العباسية باستثناء السنوات المئة الأولى من حكمها كانت فعلياً تحت حكم القادة الترك السلاجقة والفرس البويهيين ومن ثمّ المماليك (من أصول تركية قوقازية شركسية مغولية)، ثمّ إن اللهجات العربية المختلفة المُنتشرة ليست سوى نتاج تفاعل وتثاقف لغوي بين لهجات القبائل العربية ولغات السكان المحليين في الشام ومصر والعراق والمغرب العربي والسودان، اللغات الفارسية ولغة الأوردو في باكستان ما زالت تُكتب بالخط العربي، كذلك اللغة التركية حتى بداية القرن العشرين كذلك.

الهاجريون أم السراسنة في التاريخ المُبكر للصدام

أطلق سكان بلاد الشام على العرب المسلمين –استمرت الأعمال الحربية ما بين 634- 638 للميلاد- القادمين من جوار شبه الجزيرة العربية تسميات مختلفة، منها الإسماعيليين أي أبناء إسماعيل بن النبي إبراهيم وفقاً لما ذكره المؤرخ الأرمني سيبيوس، وهو المؤرخ الأكثر قرباً في التاريخ إلى هذه الأحداث، بدأ بتدوين تاريخه 675 للميلاد.

برزت كذلك تسميات أخرى منها الهاجريون أي أبناء هاجر خادمة النبي إبراهيم وزوجته وفقاً للتراث اليهودي المسيحي، وثمّة كتاب بعنوان الهاجرية: صناعة العالم الإسلامي للمستشرقة الدانماركية باتريسيا كرون والإنكليزي مايكل كوك يستفيض في شرح ذلك؛ ما قصدته أنّ سكان بلاد الشام القاطنين في ذلك الوقت -أغلبهم من المسيحيين اليعاقبة، كانوا متمرّدين على الكنيسة البيزنطية الملكانية الرسمية- لم ينظروا في حدود معقولة إلى القادمين الجدد بوصفهم غرباء بل بوصفهم أقرباء بعيدين لهم في النسب، ومن ضمن التراث التوحيدي للديانات الإبراهيمية وثّق المؤرخون ورجال الدين المسيحيين في بلاد الشام أيضاً تسميات باكرة أخرى للقادمين الجدد منها من قبيل الطائيين نسبة إلى قبيلة طيء ذات الانتشار الواسع في شمال الجزيرة العربية وجنوب بلاد الشام والعراق، وجرى تداول تسمية السراسنة Saracens وهو اسم كان يطلق على عرب الصحراء قبل الإسلام، وتوجد نظريات مختلفة في أصل هذه التسمية، من كلمة الاتجاه شَرْقاً أي السراسنة (الشرقيون)، أو قد يكون من فعل سَرَقَ أي السراسنة (السّارقون)، أو قد يكون نسبة إلى مدينة Saraka في بلاد النبط وفقاً للمؤرخ البيزنطي ستيفينس في كتابه Ethnika أو نسبة إلى منطقة Sarakēnē في العربية الحجرية وفقا لوصف بطليموس [5].

في نقد الحرب الدينية المقدّسة

في مسيرة التوسّع العربي الإسلامي

  • ناصر جزء من العرب المسيحيين الفاتحين المسلمين في حروبهم في العراق وبلاد الشام، إذ ناصر بنو تغلب المسيحيون الوليدَ بن عقبة عند فتحه الجزيرة الفراتية، وقاتل بنو تغلب كذلك إلى جانب المسلمين ضد الروم البيزنطيين، وقاتل الشاعر المسيحي أبو زيد الطائي الفرس في معركة الجسر عام 12 للهجرة، وساند العرب المسيحيون المسلمين في حصارهم لمدينة تكريت.
  • حارب جزء من العرب المسيحيين الفاتحين المسلمين إذ كان جبلة بن الأيهم ملك الغساسنة على رأس جيش من المسيحيين العرب إلى جانب الروم البيزنطيين في معركة اليرموك.
  • هذه السرديات التاريخية تزعزع الصورة النمطية عن الحرب الإسلامية المقدسة ضد الكفار (النصارى) وتؤكد استحالة وجود فئوية قومية موحّدة. وتؤكد ضرورة عدم تنميط قاطني بلاد الشام والعراق ضمن جسد قومي أو ديني أو جغرافي صلب ومتجانس، كل فئة دينية أو قومية يوجد فيها اتجاهات وصراعات وتضامنات مختلفة، وبإمكانات تراوح بين الانفتاح والانغلاق.

في سياق مشابه يمكن ذكر ثورة عمر بن حفصون في الأندلس على الحكم الأموي، إذ استمر حكمه على الرعايا المسلمين والمسيحيين على الرغم من اعتناقه المسيحية، واستمرت علاقته بالولاة المسلمين المنافسين للحكم الأموي من العباسيين والفاطميين في شمال أفريقيا، وفي هذه الحالة سوف تلعب الولاءات التقليدية الطبقية – الإقطاعية دوراً مشابها للولاء الديني في ترسيخ حكمه عمر ومن ثمّ أولاده. لم تكن علاقة العرب المسلمين بأهل البلاد المفتوحة علاقة بسيطة وفقاً لمبدأ الغالب والمغلوب، كيف نفسّر أن الجيش المسلم الذي غزا الأندلس كان كثيرون فيه من البربر والمصريين، وكيف نفسر أن استمرار الفتوحات ما بعد بلاد فارس، كان عبر استخدام الفُرس المسلمين أنفسهم وتحمّسهم -جيوش من اختلاطات عرقية- لهذا الغزو، كيف نفسر أن دولاً قوميّة شكلها المغلوبون كانت بدورها تتبنى أيديولوجيا الفاتحين المسلمين، مثال الدولة الساسانية في إيران وإمارات السلاجقة والأراتقة والعثمانيين، قدّمت مفهومات للإسلام تلائم خصوصياتها القومية والثقافية.

مقارنة بين الفتوحات العربية والاستعمار الأوروبي

هل من صفات مشتركة ما بين ظاهرة (الفتوحات العربية الإسلامية) وظاهرة (الاستعمار الغربي الأووربي) على الرغم من اختلاف السياقات؟

نأخذ الإجابة اقتباساً من المستشرق الأميركي جون تولان، توجد مجموعة من المتشابهات والمتوازيات، منها أن الفتوحات الإسلامية والاستعمار الغربي حملا رسالة خلاصية دينية في الحالة الأولى، وتحضيرية تنويرية في الحالة الثانية، وأن الظاهرتين جاءتا لحاجات الشعوب التي برزت فيها الرسالتان العربية والأوروبية، من دون الاهتمام بأوضاع الشعوب التي توجهت إليها الفتوحات والحملات الاستعمارية إليها، وإذا كان صحيحاً أن أحداً لم يستدع الاستعمار -على الأقل موجته الأولى، إذ ظهرت في بعض الأنحاء دعوات حقيقية أو مصطنعة لمجيء المستعمر وعقد المعاهدات معه- لاحتلال بلاده، فإنّ أحداً لم يطلب من المسلمين المجيء إلى دياره ونشر رسالتهم فيها. نحتاج إلى كثير من التدقيق في أخبار المصادر العربية والإسلامية عن طلب شعب بعينه إزاحة هذا الحاكم أو ذاك عن كاهله [6].

نحو فهم حيوي للعروبة والإسلام

تتجاوز العروبة كونها عرقاً أو قومية محددة بل هي فضاء ثقافي حضاري غنيّ يشمل مجموعات عرقية وقومية مختلفة وُجدت تاريخياً وتفاعلت مع بعضها، هي فضاء ثقافي حضاري شَمَل الأكراد والأشوريين والأقباط والأمازيغ والسريان وغيرهم إلى حدود كبيرة، بالطبع دونما تميز سياسي فئوي ضدّهم أو معهم ودونما إنكار لحقوقهم الثقافية. يتجاوز الإسلام كونه عقيدة دينية فقط، بل هو فضاء ثقافي حضاري مُشترك يشمل المسيحيين المشرقيين وغير المؤمنين بخاصة، ويشمل التعبيرات المُمكنة عن الإسلام من مذاهب وتيارات، وضمن هذا الاعتبار يمكن قبول مصطلح (الفتوحات العربية الإسلامية) من دون تقديس أو تطهير لهذا الحدث التاريخي الهائل المؤسس لما بعده.

كذلك لا يمكن نفي صفة الغزو العسكري عنه فقد جاء آنذاك في سياق صراعات وتوسع إمبراطوري، ولم يكن خالصاً لوجه الله، بعيداً عن المغانم الدنيوية كما يروّج دعاة الإسلام السياسي وأسطورة دولة الخلافة الإسلامية.

المراجع

([1]) تاريخ الطبري تاريخ الرسل والملوك، محمد بن جرير الطبري، دار المعارف، القاهرة، ط2، 1967، ج 7، ص556.

([2]) البداية والنهاية، ابن كثير الدمشقي، دار عالم الكتب، الرياض، 2003، ج12، ص664.

([3]) الفتوحات العربية في روايات المغلوبين، حسام عيتاني، دار الساقي ط 12011، ص14.

([4]) فقه المصالح، رائق النقري، دار الأمين، القاهرة 1999، انظر إلى فقرة لمحة عن التحوّيات الفئوية والمعرفية وحيوية منظومتها المنطقية ص58-59.

([5]) للمزيد راجع كتاب: الفتوحات العربية في روايات المغلوبين، مرجع سابق، الفصل الأول: العرب السراسنة الطائيين الهاجريون، ص21-37.

راجع كذلك مقال أسماء عُرف بها العرب والمسلمون في الغرب بشار بكور، موقع معهد الفتح الإسلامي alfatihonline.

([6]) الفتوحات العربية في روايات المغلوبين، مرجع سابق، ص265.

هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.