الثورة السودانية ومستقبل الاقتصاد السوداني

إشكالية الدارسة وفرضياتها:

عانى السودان في عهد الرئيس المعزول عمر البشير أزمة اقتصادية خانقة على مختلف الأصعدة سواء المالية أم الصناعية أم غيرها، وهذه الأزمة انعكست على المواطن السوداني إذ تدنى مستوى الدخل وانتشر الفقر، ما أسهم بتحرك المواطنين ضد البشير والنظام الحاكم، لتغيير الواقع السياسي والاقتصادي المتردي في البلاد.

محاور وأهداف الدراسة:

  • تسليط الضوء على الحالة الاقتصادية العامة في عهد الرئيس المعزول عمر البشير.
  • تحديد الأسباب الرئيسة لتردي الوضع الاقتصادي (العقوبات الخارجية، الفساد، وسياسة الحكومة).
  • أهم الموارد والقوى المحركة للاقتصاد السوداني.
  • التحديات التي ستواجه نمو الاقتصاد السوداني خلال مرحلة ما بعد البشير ونجاح الثورة.

أولاً: مقدمة

يمر السودان بمنعطف تاريخي يتلو مرحلة الرئيس المعزول عمر البشير على الأصعدة كافة وأهمها الصعيد الاقتصادي الذي طرأت عليه عدة تقلبات بين النمو والعجز وبين استثمار الموارد وإهمالها خصوصاً بعد تقسيم السودان عام 2011 وخسارته لموارد طبيعية واقتصادية كبيرة كالنفط والذهب، لذلك يتسم الاقتصاد السوداني بعدم الاستقرار ما يعني عدم إمكانية وضع وتحقيق استراتيجية اقتصادية طويلة الأمد تعمل على تحقيق التنمية الشاملة على مستوى الفرد والمجتمع والدولة وكذلك على مستوى العلاقات الاقتصادية الخارجية.

وبالعودة للمرحلة الحساسة التي يمر بها السودان، فهي لا تقتصر فقط على ما يحدث داخل حدود البلاد وإنما ترتبط أيضاً بالتوجهات السياسية الدولية المتعلقة بالقارة الإفريقية التي تشهد تنافساً دولياً لتحقيق مكاسب اقتصادية كما يحدث في ليبيا وإثيوبيا والقرن الإفريقي بين الدول الكبرى الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وغيرهم، ما يرفع من مستوى الاستحقاق لدى القوى الفاعلة في السودان لمواكبة التحولات الاقتصادية الدولية المرتبطة بالقارة الإفريقية عموماً والسودان خصوصاً.

كما أن تبعات السياسات المالية التي اتخذتها حكومة البشير منذ عام 1989 وحتى الإطاحة به في 2019 سيكون تجاوزها من أبرز التحديات لدى الحكومة الجديدة القادمة، لارتباط تلك السياسات بقضايا فساد وعدم إدارة موارد البلاد بشكل صحيح. إضافة إلى وجود عقبة أخرى وهي ملف العقوبات الذي فرضته الولايات المتحدة على السودان وكان له أثر سلبي كبير على مستوى نمو الاقتصاد السوداني. لذلك فإن هناك مخاوفَ من إمكانية تجاوز الأزمة السياسية الحالية والانتقال إلى المرحلة المقبلة وهي تحقيق مطالب الثورة السودانية ورفع مستوى معيشة الأفراد الذين عانوا لفترات طويلة من ارتفاع نسب البطالة وتدني الدخل، وبالتالي فإن الاقتصاد السوداني أمام مرحلة حرجة قد تؤدي به إلى الانهيار أو إلى التعافي.

ثانياً: الحالة الاقتصادية العامة في عهد البشير وأسباب التدهور الاقتصادي

منذ تسلم البشير منصب الرئاسة بانقلاب عسكري عام 1989 كان الوضع الاقتصادي السوداني هشاً ويمر بتقلبات سياسة عديدة أثرت في الحالة الاقتصادية للبلاد على نحو سلبي خصوصاً بعد فرض الولايات المتحدة الأمريكية أول سلسلة من العقوبات على السودان عام 1988 بسبب تأخره عن سداد الديون المتراكمة، ثم فرضت سلسلة عقوبات أخرى عام 1991 بسبب استضافة الخرطوم لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن ما حال دون تنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية كما وعد بها البشير إبان تسلمه للسلطة([1]).

واستمر الاقتصاد بالتأرجح مع سياسات الحكومات المتعاقبة حتى عام 2011 التي اتسمت “بالتحكم في الأسعار ثم تحريرها، ما أحدث نقصاً حاداً في السلع الضرورية أعقبتها وفرة لكن بأسعار مرتفعة، وتعرض النقد الأجنبي إلى إجراءات تتعلق بتحديد سعر الصرف تارة، وتعويم الجنيه السوداني تارة أخرى، وقد أدى ذلك إلى حصول تداعيات بالغة التعقيد تمثلت في الارتفاع الكبير في أسعار السلع المستوردة، والمصنعة داخل البلاد وتعتمد على استيراد المواد الخام من الخارج”([2]). ولم تُدَرْ الإيرادات النفطية على نحو صحيح، ولم يستفد من عوائدها بإنشاء استثمارات ومشاريع عامة في التعليم والبنية التحتية.

وبعد انقسام السودان إلى دولتين انحدر اقتصاد البلاد باطراد، فقد خسرت الخرطوم موارد اقتصادية هامة جنوب السودان وأبرزها النفط الذي “كان يوفر جزءاً كبيراً من إيرادات الموازنة، ويوفر حصة رئيسة من النقد الأجنبي للبلاد. وأدى انفصال الجنوب إلى فقدان السودان ثلاثة أرباع إنتاج النفط، ونصف الإيرادات المالية العامة، وثلثي قدرته على سداد المدفوعات الدولية وحوالي 90% من عائدات الصادرات، ونحو 50% من الإيرادات، وتراجع المعدل السنوي لنمو الناتج المحلي الإجمالي من 7.8% عام 2008 إلى 3.1% عام 2014، في حين بلغ معدل البطالة 19.2% عام 2014. ووصل حجم الدين الخارجي للسودان نهاية 2013 إلى ما يعادل 45 مليار دولار”.

في حين أثرت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على السودان سلباً على الجنيه السوداني خصوصاً إذ تدهور سعر صرف الجنيه السوداني أمام الدولار بسبب إيقاف معظم البنوك الأجنبية التعامل مع البنوك السودانية وجرَّاء عقوبات واشنطن التي فرضت عام 2014 على بنوك أجنبية لالتفافها على العقوبات وتعاملها مع السودان، ما أدى إلى انخفاض حاد في النقد الأجنبي ما أحدث تضخماً بالعملة المحلية فارتفعت الأسعار ارتفاعاً حاداً([3]).

وفيما يتعلق بسياسات الحكومات السودانية المتعاقبة في عهد البشير فلم تكن الإجراءات المتبعة ناجعة في الحد من التدهور الاقتصادي أو سد العجز أو على الأقل الوقوف عند مستوى عجز معين بل ساهمت تلك السياسات بزيادة حالة التقلب وعدم الاستقرار، وكان من أبرز السياسات المتبعة ما يلي:

عام 2011 وضعت الحكومة “خطة طوارئ مدتها ثلاث سنوات وطبقت بعض التدابير التصحيحية تضمنت في أهم بنودها زيادات في الأسعار المحلية للنفط بنسبة 67-75% وتوحيد أسعار الصرف الرسمية المتعددة، وتخفيض القيمة الموحدة للعملة في خطوة واحدة بنسبة 22%.

واستكمالاً للخطة السابقة أقرَّت عام 2012 سياسة تقشف مالية وخفِّضت قيمة الجنيه السوداني بسبب الارتفاع الهائل في معدلات التضخم وانخفاض العملات الأجنبية في البنك المركزي، لكن الخفض المؤقت كان حلاً ذا فاعلية على المدى القصير فقط. كما حاولت الحكومة السودانية تنفيذ اتفاق بشأن النفط مع جنوب السودان لأجل خفض عجز الموازنة، لكن ذلك تحقق بشكل طفيف في موازنة عام 2013([4]).

وفي عام 2014، استمرت أزمة تضخم العملة المحلية بسبب العقوبات وارتفاع معدل الدين الخارجي، وحاولت الحكومة احتواء هذا الانحدار بسياسات مالية مؤقتة كانت نتائجها خفض تضخم العملة بنسبة 0.7% فقط، إذ بلغت في ميزانية 2015 ما يقارب 25٪ بعد أن وصلت إلى 25.7% عام 2014، واعتمدت الحكومة على دعم النشاط الزراعي في البلاد لتغطية عجز الميزانية الذي يؤثر سلباً على الطبقة الفقيرة والمتوسطة بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، فشجعت الحكومة إنشاء المشاريع الزراعية كحل بديل مؤقت. “وبحسب الميزان التجاري لعام 2015 انخفضت الصادرات في النصف الأول من عام 2015 بنسبة تقدر ب 26.6 % مقارنة بعام 2014 بينما ارتفع نمو الواردات بشكل حاد بنسبة 8% نتيجة لذلك ارتفع العجز التجاري إلى 2161 مليون دولار عام 2015 مقابل 1218 مليون دولار في الفترة نفسها من عام 2014”([5]).

عام 2016 وهي نهاية الخطة الخمسية التي تم وضعها في 2012([6])، استمرت الحكومة بتطبيق سياسة التقشف لكنها أبدت انفتاحاً أكبر أمام جذب الاستثمارات الخارجية كالسعودية والإمارات خصوصاً في مجال الزراعة، واتخذت إجراءات متعلقة بتعديل سعر الصرف، وتخفيض الدعم، ورفع أسعار الوقود، وزيادة المالية العامة، والضرائب. وعززت التحصيل الضريبي، ما أدى إلى تحقيق تقدم طفيف في الحد من ارتفاع نسب التضخم الذي بلغ حوالي([7]) 20%.

ومع دخول سنة 2017، أعلن عمر البشير رفع الدعم عن المحروقات والأدوية والكهرباء عبر حزمة إجراءات اقتصادية، وارتفع حينها سعر لتر البنزين إلى6.17 جنيه (نحو دولار) مقارنة بالسعر السابق 4.6 جنيه (أقل من دولار)، فيما بلغ سعر لتر الغازولين 4.11 جنيه (أقل من دولار)، مقابل السعر السابق 3.11 جنيه (نصف دولار) ([8]). ما أدى إلى تعميق الأزمة وغلاء السلع الأساسية وعدم مواكبة مستوى دخل الفرد المتدني أساساً لهذه التغيرات المتقلبة في أسعاد المواد الأساسية.

هذه السياسة الحكومية في عهد البشير كانت تهدف إلى إلغاء دعم الوقود والغذاء بالكامل بحلول عام 2019 بعد أن يتم رفع العقوبات الأمريكية بشكل كامل التي أعلنت في ولاية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عن تطبيق خطط لرفع حظر تجاري استمر 20 عاماً وفك تجميد أصول ورفع عقوبات مالية رداً على تعاون الخرطوم في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من الجماعات، على أن يدخل رفع العقوبات حيِّز التنفيذ في غضون ستة أشهر – من تاريخ ذلك الإعلان- إذ اتخذ السودان المزيد من الخطوات لتحسين سجله الخاص في مجال حقوق الإنسان، وخطوات لحل الصراعات المسلحة بما في ذلك الصراع في دارفور([9]).

وقد كان للشعب السوداني خيارٌ آخر وهو التحرك اتجاه رفض سياسات الحكومة ولا سيما السياسات والخطط الاقتصادية المتقلبة، ونظمت احتجاجات أطاحت بالمنظومة الاقتصادية المرتبطة بنظام البشير.

ثالثاً: أهم الموارد والقوى المحركة للاقتصاد السوداني

  • النفط

يعدُّ النفط المصدر الرئيسي للدخل القومي في الموازنة العامة، إذ وصل إنتاج النفط في السودان ذروته بما معدله 500 ألف برميل في اليوم تقريباً عام 2007، لكن بعد انفصال جنوب السودان عام 2011 وصل الإنتاج إلى حوالي 120 ألف برميل ما يعني خسارة نحو 75% من الموارد النفطية. ومثلت عائدات النفط بشكل رئيسي ما يقارب 50% من الإيرادات العامة خلال الفترة 1999-2011، كما أن النفط يعدُّ المصدر الأساسي والوحيد تقريباً للنقد الأجنبي إذ شكل 95 %من جملة الصادرات السودانية في تلك الفترة.

“أنشئ خط أنابيب تصدير النفط البالغ طوله 1540 كيلومتر، من حقول النفط الموجودة في ولاية جنوب كردفان في السودان ودول أعالي النيل وبحر الغزال، في جمهورية جنوب السودان الحالية، إلى محطّة التصدير البحرية على البحر الأحمر، من قِبل شركة النيل الكبرى لعمليات البترول (GNPOC) وهي مجموعة من الشركات الصينية والماليزية والأوروبية، بتكلفة وصلت إلى مليار دولار أمريكي. وحسّن توقيع اتفاق السلام الشامل في يناير 2005، ووقف الأعمال العدائية بين السودان وجمهورية جنوب السودان الحالية، من إنتاج وتصدير النفط. ونصّ الاتفاق على تقسيم النفط المُنتج في الجنوب بحصة 50/50 بين الحكومة في الخرطوم والحكومة الإقليمية في الجنوب، في جوبا. بعد الاستقلال، تصاعدت التوترات بين السودانيين التي أشعلتها قضايا رسوم عبور النفط من جنوب السودان إلى الشمال، وترسيم الحدود والمناطق المتنازع عليها بين البلدين، بما في ذلك الأراضي الغنية بالنفط، ثم لجأت الدولتان إلى عقد اتفاق بهذا الخصوص عام 2012، لكن مع اندلاع الحرب الأهلية في الجنوب عام 2013 وانخفاض أسعار النفط لم يتم تطبيق الاتفاق بشكل ناجع”([10]).

  • الذهب

اكتشف نحو خمسين موقعاً يمكن التنقيب فيها عن الذهب في السودان، وعملت المؤسسة الحكومية السودانية للتعدين، على عقد اتفاقيات مع شركات أجنبية كالشركة العملاقة الفرنسية “أريفا”، وشركة “لامانشا ريسورسز” الكندية، في الثمانينيات للتنقيب عن الذهب، وقد استُخرج حاولي 78 ألف كيلو غرام من الذهب عام 1988. وأولت الحكومة السودانية اهتماماً في استمرار عمليات استخراج الذهب. وفي عام 2012، افتتح عمر البشير، أول مصفاة للذهب في البلاد للتقليل من خسارة الموارد النفطية بعد انفصال جنوب السودان، وبلغت طاقتها الإنتاجية ما يقارب 150 كيلو جرام من الذهب يومياً، و150 طناً من الذهب و30 طنًاً من الفضة سنوياً. وفي عام 2014 بلغت قيمة الصادرات السودانية من الذهب 1,36 مليار دولار. في حين لا توجد إحصائيات دقيقة لحجم الإنتاج وعوائده بعد عام 2014.

وبالمقابل عانى قطاع الذهب الفساد والتهريب، وبحسب معلومات حكومية كشف “ثلاثة آلاف أجنبي ينشطون في منجم للتعدين العشوائي يخصُّ الذهب في إقليم دارفور المضطرب غربي البلاد، وكلهم ينتمون لقبائل منتشرة في دول غرب أفريقيا ولها امتداد داخل السودان، الأمر الذي سهل وجودهم مستغلين اضطراب الأوضاع الأمنية في دارفور. وقد أحبطت محاولة تهريب 245 كيلو من الذهب، قدّرت قيمتها نحو 8 ملايين دولار عام 2017”. وبحسب وزارة المعادن السودانية، فإن “نحو 75% من إجمالي إنتاج التعدين التقليدي والمنظم من الذهب يهرّب إلى خارج البلاد”([11]).

  • الزراعة والثروة الحيوانية

تساهم الزراعة بما يقارب ثلث الناتج المحلي الإجمالي، ويعمل 48% من القوى العاملة في المجال الزراعي، ويشكل ما يقارب 80% من عائدات الصادرات غير البترولية، لكن بالرغم من ذلك فحوالي 4 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي بسبب تقلبات أسعار الغذاء المحلية، واعتماد السودان على تصدير المحاصيل بشكل كبير وخاصة السلع الأساسية كالقمح والسكر والحليب المجفف. كما يؤثر التقلب الموسمي الكبير في إنتاج السودان من المحاصيل، ويجعل الاقتصاد أكثر عرضة لزيادة أسعار الأغذية وتقلبها. ومن جهة أخرى، أدى انفصال جنوب السودان إلى خفض إجمالي مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في السودان بنسبة 25%، وزادت المنطقة المصنفة “قاحلة” من 65% إلى 90%. في حين انخفض عدد الماشية بنسبة 28%. وتأثرت أهم المنتجات الزراعية القطن والذرة، والسمسم، والفول السوداني وقصب السكر، (يعد السودان ثالث أكبر منتج في العالم لبذور السمسم، بعد كل من الهند والصين)([12]).

أما الإنتاج الحيواني فهو أحد أهم مصادر الدخل للسكان، حيث “تربي المجتمعات الرعوية والرعوية الزراعية الماشية في جميع أنحاء السودان بصورة رئيسة، وتعتمد الفئة الأولى على الثروة الحيوانية، في حين تعتمد الفئة الثانية على الثروة الحيوانية والزراعة. قدّرت وزارة الثروة الحيوانية في السودان عام 2011 وجود 103 مليون رأس ماشية، منها 28,6 مليون من الأبقار، و39,2 مليون من الأغنام، و30,7 مليون من الماعز، و4,7 مليون من الإبل. ويربَّى أكثر من 55% من هذه الحيوانات في دارفور وكردفان، ويتفاوت حجم القطعان بين أقلّ من 50 رأس وبضعة آلاف للأسرة. يُعيل قطاع الثروة الحيوانية في السودان نحو 17% من السكان. وتلبّي المنتجات الحيوانية السودانية الطلب المحلي على اللحوم، بالإضافة إلى وجود فائض كبير للتصدير ويبلغ مجموعه نحو 25% من إجمالي صادرات البلاد عام 2015”.

رابعاً: تحديات الاقتصاد السوداني ما بعد البشير ونجاح الثورة

كان أحد الأسباب المباشرة التي أدت إلى اندلاع الاحتجاجات ضد نظام البشير هي الحالة الاقتصادية المتدهورة في البلاد، خصوصاً بعد الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السابقة، وكان أهمها رفع الدعم عن مادة الخبز عام 2018، إذ ارتفع سعر الرغيف من نصف جنيه سوداني إلى جنيه([13])، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وضعفت قدرة المواطن على اقتنائها، ولم يفلح الحراك السياسي والمدني المعارض لتوجهات الحكومة بثنيها عن سياستها الاقتصادية التي ساهمت بإفقار المواطن السوداني، ما أدى بالتالي إلى اندلاع المظاهرات التي أطاحت بالبشير.

لكن بعد مرحلة الإطاحة به، من المرجح أن يتأثر اقتصاد البلاد سلباً بالتغيرات السياسية التي حصلت، وأن تتراجع عجلة التنمية الاقتصادية إلى الوراء خصوصاً في ظل المرحلة الانتقالية التي تشهد تجاذبات بين المجلس العسكري السوداني والقوى السياسية المدنية في السودان، وعلى الأرجح فإن الحكومة القادمة لن تتمكن من سد العجز الاقتصادي لكنها ستوضع أمام تحدي وضع الأسس والخطط والآليات ليتعافى الاقتصاد شيئاً فشيئاً وتتحقق تطلعات الشعب السوداني إلى رفع مستوى دخله وتنويع موارد البلاد الاقتصادية وبناء علاقات تجارية مع المحيط الإقليمي والدولي، والوصول إلى صيغ تفاهم معينة مع الولايات المتحدة لتجميد العقوبات بالكامل ورفعها عن السودان نهائياً، بالإضافة إلى إيجاد حلول ضرورية لمشكلة النقد الأجنبي وتضخم العملة وهو العقبة الأهم في مسار الاقتصاد السودان القادم.

من جهة أخرى، يقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية دعم العملية الاقتصادية الانتقالية في السودان، لا سيما صندوق النقد الدولي والدول الصديقة للسودان عبر فتح مشاريع استثمارية تؤدي إلى خلق فرص عمل وخفض مستوى البطالة المرتفع، وإيداع نقد أجنبي في بنك السودان المركزي للحد من تضخم العملة، لكن إذا لم يف المجتمع الدولي باستحقاقاته تجاه السودان فإن عملية بناء الاقتصاد مجدداً بعد مرحلة البشير قد تصبح صعبة للغاية وتستمر وقتاً أطول.

خامساً: خلاصة

ترتبط عملية إعادة البناء الاقتصادي للدولة بشكل وثيق بالحل السياسي القادم، إذ إن تأخر الوصول إلى تفاهمات بين المجلس العسكري الانتقالي والقوى السياسية والمدنية السودانية التي تنادي بتحقيق مطالب الثورة سيؤدي إلى تعثر المرحلة الانتقالية واستمرارها لفترة زمنية أطول وبالتالي فإن هذا التأخر سيؤثر سلباً على العمل الاقتصادي الحكومي، ويضع أمامه العراقيل ما يؤدي إلى الدخول في حالة الركود الاقتصادي التي قد تقود إلى حالة فوضى سياسية، وتململ شعبي ربما يصل إلى العنف والعودة إلى دائرة الصراع المسلح كما حدث في إقليم دارفور ما سيؤدي بالتالي إلى الدخول في مرحلة الانهيار الاقتصادي، لذلك على القوى السودانية المؤثرة على  الأصعدة كافة  أن تدرك حجم المخاطر المترتبة على عدم دفع عجلة الانتقال السياسي في البلاد إلى الأمام والتي من أهم مضامينها الحالة المعيشية للمواطن السوداني وتنمية اقتصاد البلاد.


الهوامش

([1]) “العقوبات الأميركية على السودان من 1988 إلى 2017”. الجزيرة نت، 16-1-2017. https://bit.ly/2YexZYs

([2]) زكي علي مجذوب أحمد، “واقع ومستقبل الاقتصاد السوداني”. https://bit.ly/2xakkpl

([3]) “السودان تقرير خبراء الصندوق في إطار مشاورات المادة الرابعة لعام ٢٠١٤ والمراجعة الثانية في إطار البرنامج الذي يتابعه الخبراء”. صندوق النقد الدولي، كانون الثاني/ديسمبر 2014. https://bit.ly/2RyZ9XG

 الأمم المتحدة في السودان، راجع الرابط : https://bit.ly/2ZQ6oNL

“السودان: النشرة الاقتصادية آخر التطورات الاقتصادية النصف الثاني من عام 2012″، البنك الدولي، كانون الثاني/ديسمبر 2012. https://bit.ly/2Ne2oVM

([4]) ” استعراض موازنة السودان لعام 2013″. البنك الدولي، أيار/مايو 2013. https://bit.ly/2WZQvlW

([5]) المرجع رقم 3.

([6]) “تقييم الخطة الخمسية الثانية”. موقع وزارة شؤون رئاسة الجمهورية. https://bit.ly/2Nv5J35

([7]) “أزمات السودان الاقتصادية تبلغ ذروتها في نهاية 2016”. العرب اللندنية، 21-12-2016. https://bit.ly/2XuuQXv

     “مشاورات المادة الرابعة لعام ٢٠١٦ – البيان الصحفي؛ وتقرير الخبراء؛ وبيان المدير التنفيذي الممثل للسودان”. صندوق النقد الدولي، تشرين الأول/أكتوبر 2016. https://bit.ly/2KFMy4h

([8]) ” السودان يعلن رفع الدعم عن المحروقات والكهرباء والأدوية”. الأناضول، 4-11-2016. https://bit.ly/2xwPreR

([9]) “مقابلة-وزير: السودان سيلغي دعم الوقود والغذاء نهائيا بحلول 2019”. رويترز، 30-1-2017. https://bit.ly/2Ypuz5m

([10]) “الاقتصاد في السودان”. فنك، 1-1-2016. https://bit.ly/2YlpuLi 

     “البترول في السودان، من الازدهار إلى الركود الاقتصادي”. الموسوعة السودانية، 16-5-2018. https://bit.ly/2xmFnFu

     “نبذة عن الاقتصاد السوداني”. موقع وزارة الإعلام السودانية، 2-7-2014. https://bit.ly/2FGI35p

([11]) “السودان صدر ذهبا بـ1.362 مليار دولار”. سكاي نيوز، 20-1-2015. https://bit.ly/2FIUayC

     “ذهب السودان بخطر.. والحكومة تتحرك”. سكاي نيوز، 17-8-2018. https://bit.ly/2Mw0aft

     “ذهب السودان يفقد بريقه بسبب التهريب”. الجزيرة نت، 5-2-2017. https://bit.ly/2XFCBtA

([12]) ” Country Programming Framework for Sudan PLAN OF ACTION (2015-2019): Resilient Livelihoods for Sustainable Agriculture, Food Security and Nutrition”. FAO, https://bit.ly/2Lrf3SM
         ” COUNTRY PROGRAMMING FRAMEWORK FOR THE REPUBLIC OF SUDAN CPF (2012-2016)”. FAO, https://bit.ly/2ZWXyxG
         “SUDAN PLAN OF ACTION (2015-2019)”. FAO, https://bit.ly/2RK0T0j

([13]) “أزمة خبز حادة بالسودان بعد رفع الدعم”. الجزيرة نت، 6-1-2018. https://bit.ly/304xwsk


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.