الجوع يضرب أطنابه.. البيض ضمن السلع الغذائية المفقودة في لبنان

فيما لا تزال الساحة السياسية اللبنانية، تائهة في أزمة تشكيل الحكومة الجديدة، وتعسراتها، يعيش المواطن اللبناني أزمة من نوع مختلف، عنوانها الجوع وأحد عناصرها فقدان البيض من الأسواق اللبنانية، بعد فقدان العديد من السلع الأساسية الأخرى، وفقاً لما يؤكده ناشطون لبنانيون لمرصد مينا.

طوابير ومواد في عداد المفقودين

“طوابير طويلة، ووجوه بدت علامات الإرهاق عليها، ومادة باتت في عداد المفقودين”، يصف ناشط لبناني، رفض الكشف عن هويته، الصفوف التي انتظم فيها عشرات اللبنانيين أمام متاجر ومنافذ بيع البيض، لافتاً إلى أن من حالفه الحظ وحصل على كمية من البيض، دفع ثمنها أعلى بما يصل إلى ضعف السعر الطبيعي، حيث وصل سعر الكرتونة وصل إلى 16000 ليرة لبنانية في أقل أسعاره الحالية، في حين يسعر من قبل الحكومة اللبنانية بـ 12000 ليرة.

يشار إلى أن لبنان يعيش على وقع فقدان وارتفاع أسعار العديد من السلع الرئيسية، خاصةً بعد قرار البنك المركزي رفع الدعم عن العديد من تلك السلع بينها الحبوب والمحروقات وعدد من الأدوية، بسبب أزمة شح الدولار وفقدانه.

إلى جانب ذلك، أشار الناشط، إلى أن المشهد في لبنان بات قريباً جداً من مشاهد المجاعة، التي تعرض في الحروب الأهلية والأزمات، وأن العديد من العائلات بدأت تنفق مدخراتها على تخزين كميات من المواد الغذائية الأساسية، خشية فقدانها أو ارتفاع أسعارها، لافتاً إلى ان شبح البطالة بدوره بات يطارد أيضاً اللبنانيين، ويعمق من معاناتهم المعيشية.

وكانت نسب البطالة في لبنان بحسب الإحصائيات الرسمية، قد ارتفعت خلال العام الحالي إلى 35 في المئة حتى شهر تموز الماضي، لا سيما مع انتشار وباء كورونا المستجد وفرض إغلاق عام في البلاد، إلى جانب تأثيراته الضخمة على القطاع السياحي، الذي يعتبر واحداً من أهم القطاعات الداعمة للاقتصاد اللبناني.

أزمات متعددة والضحية واحدة

تعليقاً على الأزمة الراهنة، يشير الخبير الاقتصادي، “محمد ميهوب” لمرصد مينا، إلى أن الأزمة المعيشية في لبنان متعددة الجوانب ولكن لها ضحية واحدة هي المواطن العادي، لافتاً إلى أن أزمة البيض تنضم اليوم إلى أزمات الخبز والوقود وغلاء الأسعار وقلة فرص العمل، والتي تعني فعلياً أن لبنان بات على مسافة خطوات فقط من المجاعة.

إلى جانب ذلك، يؤكد “ميهوب” أن لبنان قد دخل مرحلة الجوع منذ أشهر، وأن الحديث اليوم يدور حول مجاعة وسوء تغذية، خاصةً وأن أكثر من نصف العوائل تعاني عجزاً كاملاً عن تأمين حاجتها الغذائية اليومية، سواء بسبب فقرها أو بسبب عدم توفر تلك المواد في الأسواق، لافتاً إلى أن ما يجب أن يفكر به السياسيون اليوم هو سبل حل الأزمة المعيشية بدلاً من الانخراط في صراعات الحقائب الوزارية والمناصب الحكومية.

في السياق ذاته، يعتبر الباحث في علوم الاقتصاد، “مروان أسد” أن لبنان أصبح دولة فاشلة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وأن الأزمة الاقتصادية والمالية والمعيشية الحالية باتت تفوق قدرة أي حكومة لبنانية على حلها، خاصةً مع حالة الإفلاس التي تضرب خزينة الدولة، مقدراً حاجة لبنان إلى ما يفوق الـ 100 مليار دولار لتجنب الإنزلاق إلى مجاعة حقيقية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من البلاد.

كما يلفت “أسد” إلى أن المجاعة لن تكون محصورة بالفقراء، وإنما ستشمل كافة طبقات المجتمع اللبناني، على اعتبار أن الأزمة ليست مرتبطة بارتفاع الأسعار، بل تمتد أيضاً إلى فقدان المواد من السوق، لافتاً إلى أن الأشهر وربما الأسابيع القادمة، ستشهد حالة هجرة غير مسبوقة من لبنان بسبب تفاقم الأزمة المعيشية.

وكان الأسبوع الماضي قد شهد إعلان السلطات القبرصية توقيفها لعشرات القوارب التي تقل لاجئين لبنانيين، بالقرب من سواحلها، داعيةً الحكومة اللبنانية إلى اتخاذ قرارت عاجلة لوقف تلك الظاهرة، التي قالت إنها آخذة بالنمو.

عصية على الحل.. وسيناريو غوطة دمشق الشرقية في لبنان

على الرغم من أن البلاد لا تمر بحالة حرب تقليدية، يعرب “أسد” عن قلقه من أن يصل لبنان إلى مرحلة جوع شبيهة تماماً، بتلك التي شهدتها غوطة دمشق الشرقية، خلال فترة حصار نظام “بشار الأسد” لها، لافتاً إلى أنه في حال عدم اتخاذ إجراءات إنسانية عاجلة فإن شبكات الأخبار ستمتلئ بصور اللبنانيين الذين سيقضون جوعاً وبرداً خلال الشتاء القادم.

وسبق للأمم المتحدة ان توقعت ارتفاع معدلات الجوع في لبنان إلى نحو مليون شخص مع نهاية العام الحالي، مشيرةً إلى أن 50 في المئة من اللبنانيين غير قادرين على تأمين الغذاء اليومي لأسرهم.

الحديث عن الحلول وطرق تلافي الكارثة الإنسانية، تربطها الباحثة في الشؤون اللبنانية، “مي اغناطيوس” بالمساعدات المالية والإنسانية والإغاثية، معتبرةً أن لبنان وصل لمرحلة من الأزمة لا يمكن لأي إصلاحات إقتصادية أو مالية أن تساعده على تلافي خطر الجوع، في إشارة إلى عمق الأزمة المعيشية.

كما توضح “اغناطيوس” أن الشعب اللبناني بات مطالباً بإدارك حقيقة أنه يصارع في وادٍ والسياسيون يصارعون في وادٍ آخر، موضحةً: “في الوقت الذي تضرب فيه نواقيس الخطر من أزمة إنسانية غير مسبوقة في تاريخ لبنان، تجد أن الكتل السياسية لا تزال تتصارع على وزارة المالية بشكل خاص وتعطل البلاد للحصول عليها، يبدو ان كل الفقر الذي فيه لبنان لم يوقف شهية الفاسدين بفسادهم”.

ووفق تقديرات وزارة الخزانة الأمريكية، فإن أموال لبنان المنهوبة وصلت حتى مطلع العام الحالي إلى نحو 800 مليار دولار، في حين يصل حجم الدين العام اللبناني إلى ما يزيد عن 90 مليار دولار، حتى بداية العام 2020.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©