الحراك السوداني ينقذ البلاد من السيناريو الليبي

على الرغم من مرور أسابيع طويلة على الاتفاق الذي أنهى الأزمة بين رئيس مجلس السيادة السوداني، “عبد الفتاح البرهان” ورئيس الحكومة السودانية، “عبد الله حمدوك” إلا أن ذلك الاتفاق لم ينجح حتى الآن في تخفيف حدة التوتر في الشارع السوداني، لا سيما مع استمرار المظاهرات المطالبة بإخراج العسكر من السلطة المدنية وامتداد مطالبها إلى استقالة رئيس الحكومة.

يشار إلى أن الأزمة في السودان قد تفجرت بعد قرار “البرهان” بإقالة “حمدوك” وتشكيل مجلس جديد للسيادة وما تردد حينها عن اعتقال الجيش لرئيس الحكومة، ليعلن بعدها توقيع اتفاق بين الجانبين يقضي بإعادة “حمدوك” إلى منصبه والتراجع عن قرار حل مجلس السيادة والإفراج عن كافة الموقوفين في فترة ما بعد اشتعال الأزمة.

فشل ذريع وخطوات لا بد منها

تعليقاً على استمرار المظاهرات في السودان واتساع نطاقها واتجاهها لمعارضة بقاء “حمدوك” في منصبه بعد أن كانت تنادي بعودته وتدافع عن شريعيته، يقول المحلل السياسي “سوار الدين عثمان”: “الشعب السوداني عقب الأحداث الأخيرة شعر بأن مكتسبات ثورته مهددة بالخطر وأن هناك صراع حقيقي على السلطة بين مكونات السلطة الحاكمة حالياً وهو ما قد يعيد انتاج نظام حكم شبيه بالنظام السابق، الأمر الذي دفعه للنزول إلى الشارع للتأكيد على أن أي شرعية لا يمكن الحصول عليها إلا من خلال موقف الشعب وكلمته والانتخابات المنتظرة”، مشدداً على أن الشعب لم ينزل إلى الشارع دعماً “لحمدوك” وإنما للتأكيد على انتهاء مرحلة من مراحل التاريخ السوداني وبدء مرحلة جديدة عنوانها “كلمة الشعب”.

كما يلفت “عثمان” إلى وجود صدمة حقيقية في الشارع السوداني والأوساط المدنية غير السياسية من موقف “حمدوك” الذي تحرك منفرداً في توقيع الاتفاق مع رئيس مجلس السيادة دون العودة إلى شركائه في المجتمع المدني أو الاستماع لصوت الشارع، معتبراً أن رئيس الحكومة تصرف بمنطق الزعيم السياسي الراغب باستعادة سلطته وليس بمنطق المسؤول الحكومي المكلف بإدارة فترة انتقالية بتفويض من قوى سياسية.

إلى جانب ذلك، يشير “عثمان” إلى أن اعتبار المظاهرات السودانية موجهة ضد الجيش السوداني، هو مفهوم خاطئ، كون السودانيين ينظرون إلى الجيش كمؤسسة وطنية مكلفة بحماية الوطن وحدوده، موضحاً: “ما يحدث في البلاد هو رفض للوجود العسكري في الحياة السياسية كما ان الشعب بات يرفض أيضاً أن يكون مجرد متلق للأوامر ومصفقٍ لها، وأنه يرى بأن الوقت قد حان لتكون كلمته هي العليا في البلاد”.

أما عن مصير رئيس الحكومة وقدرته على تجاوز أزمته مع الشارع، فيعتقد “عثمان” أنه “حمدوك” سيجبر في نهاية المطاف على الاستقالة من منصبه، خاصة وأن الشعب السوداني لم يلمس خلال فترة وجوده في الحكم أي تطورات ملموسة على الرغم من تحسن الوضع الدولي والإقليمي للسودان وتحديداً في العلاقات مع الولايات المتحدة، مشدداً على السودانيين يتوقون لوجود حكومة منتخبة حاكمة باسمهم وإنشاء نظام سياسي يخضع للقانون والدستور.

يذكر أن مصادر سودانية مطلعة كانت قد كشفت خلال الأيام القليلة الماضية، عن طلب “حمدوك” من طاقم مكتبه تسليم الملفات التي في عهدتهم للأمانة العامة لمجلس الوزراء، مشيرةً إلى أن الطاقم بدأ منذ مساء الأحد الماضي، بتسليم العهد الخاصة بهم.

من جهته، يحدد المحلل السياسي، “محمد التوجري” عدة أسباب إضافية تجبر “حمدوك” على الاستقالة في مقدمتها تصاعد مستوى العنف ضد المتظاهرين وعدم قدرته على ضبط ردة الفعل الأمنية، إلى جانب رفع الغطاء السياسي عنه من قبل المنظمات المدنية، معتبراً أن بقاءه في المنصب بات يهدد الاستقرار الأهلي في البلاد، لا سيما مع تحول مجموعة من قادة الميليشيات المسلحة السودانية إلى جوقة المطالبين بتنحيته.

يشار إلى ان لجنة أطباء السودان، أعلنت في وقتٍ سابق عن إصابة 178 شخصا خلال مظاهرات السبت الماضي، مشيرة إلى وجود ثماني إصابات بالرصاص الحي خلال عمليات فض المظاهرات.

كما يعتبر “التوجري” أن “حمدوك” بات اليوم جزءاً من الأزمة السياسية في السودان بعد أن كان جزءاً من الحل، مشدداً على أنه كلما تأخر في تقديم استقالته كلما زاد الخطر المحيط بالبلاد وثورتها ومكتسباتها.

وكخلاصة لما يشهده السودان خلال الشهرين الماضيين، يرى “التوجري” أن “حمدوك” فشل فشلاً ذريعاً في أداء مهمته، خاصة وأن الأحداث الأخيرة أدت إلى خسائر كبير في الاقتصاد السوداني وصلت إلى نحو 50 بالمئة من إيراداته المالية، لا سيما بعد وقف الولايات المتحدة والبنك الدولي مساعداتهم المالية المقدمة للسودان، وهي الأموال التي يشدد على أنها كانت كفيلة بتحسين الوضع الاقتصادي السوداني.

الشعب أنقذ البلاد من سيناريو ليبي

ما بين سطور المشهد السوداني، يرى الباحث في الشؤون الإفريقية “سيد عبد المولى” أن تحركات السودانيين خلال الفترة الماضية، نجحت في تجنيب البلاد سيناريو ظهور الزعامات السياسية وتكرار سيناريو الأزمة الليبية مجدداً، الأمر الذي يسهل عملية إنهاء الفترة الانتقالية والوصول إلى انتخاب سلطة دستورية، لافتاً إلى أن ما يحرك الأحداث في السودان اليوم هو كيانات وهيئات ونقابات سياسية وشعبية وليس أشخاص أو زعماء.

يذكر أن مجلس السيادة الحاكم في السودان أعلن عن بدء الإجراءات العملية للانتخابات المقبلة التي من المقرر أن تبدأ مطلع يناير المقبل وتنتهي في يوليو 2023، لافتاً إلى أن تلك الانتخابات ستفضي إلى ترسيخ الانتقال الديمقراطي بالبلاد إلى جانب ضمان مشاركة المواطنين في اختيار حكومة منتخبة عبر صناديق الاقتراع بنهاية الجدولة التي أعدتها المفوضية القومية للانتخابات والتي تبدأ مطلع يناير المقبل وتنتهي في يوليو 2023.

في ذات السياق، يوضح “عبد المولى” أن آخر ما تحتاج له البلاد هو وجود الزعامات أياً كانت خلفيتها أو انتماءاتها، على اعتبار أن ذلك سيفتح الباب بشكلٍ كبير على اندلاع صراعات السلطة وإغراق البلاد في مستنقع من المآزق والأزمات تطيح بكل ما يمكن تحقيقه كما هو الحال في ليبيا وتونس، معتبراً أن السودان على بعد خطوات من إنجاز تاريخي بالتحول إلى أول دولة ديمقراطية في الوسط الإفريقي إن سارت الأمور بحسب ما هو مخطط لها.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.