الحركات السياسية الإسلامية.. تآكلت مشروعيتها وتلاشت شعبيتها واقتربت نهايتها

صرح مفتي مصر امس، ان جماعة الاخوان قربت نهايتهم وان شعبيتهم قد تلاشت واصبحوا فاشلين في استقطاب الناس بسبب سياساتهم الخاطئة ومنهجيتهم غير السوية.

وفي حقيقة الامر يعتبر كلام هذا المفتي عين الصواب بالنظر الى ما آ لت اليه حال الجماعة اليوم من تمزق وتفرق وتشتت. فالجماعة اليوم يعيشون على وقع مجموعة متلاحقة من الهزائم.

وربما تعود أسباب انهزام الاخوان في مصر والحركات السياسية الإسلامية في العالم العربي بصفة عامة، بسبب محاولاتهم الفاشلة في ابتلاع الدولة، حيث لا تستطيع أية جماعة مهما كانت قوتها أن تبتلع دولة، ولكن يمكن للدولة أن تبتلع أى جماعة.

كما ان عدم قدرة جماعة الإخوان او الحركات الإسلامية على الانتقال من مرحلة الجماعة وفقهها بعد نجاح ثورات الربيع العربي، وبعد تسلمها للسلطة العليا فى مصر وفي تونس وليبيا وفي غيرها من البلدان العربية، واستحواذها على معظم السلطات الأخرى التشريعية والتنفيذية، فللجماعات فقهها وللدول فقهها، وكلاهما يختلف عن الآخر جذريا.

فقه الجماعة وفقه الدولة وقد اعتاد رجالات الجماعة على فكر وفقه وطريقة إدارات الجماعات، وهى فى الأصل جماعات معارضة لم تجرب يوما فقه الدولة وطريقة إدارتها، وانتقال الإنسان من فقه الجماعة إلى فقه الدولة بعد أن قضى معظم عمره وهو بين أحضان الجماعات صعب وشاق وعسير. ولذلك كان الانتقال صعبا، وقامت الجماعة بإدارة الدولة بفكر وفقه وطريقة الجماعة، فضاع الاثنان.

وحسب التجارب الفارطة التي تلت ثورات الربيع العربي والتي تمكن خلالها الإسلاميون امن الحكم، ثبت انه قد تملك بعض التنظيمات والحركات الدينية أو الميليشيات القفز على السلطة فى غفلة من الزمان، ولكنها لا تملك خطة محكمة لإدارتها وتسيير أمور الدولة واستقرارها وأمنها ونشر السكينة فى ربوعها، كما كانت تتحدث من قبل أو تشرح فى ندواتها ومحاضراتها، لأن الجماعات والتنظيمات تربت على المعارضة والنقد فقط ولم تدخل يوما دواليب الدول، ولم تساهم يوما فى إدارتها، وفى معظم أوقاتها تكون فى حالة عداء مع الحكام مما يورثها لا شعوريا عداء مع الدولة، فضلا عن حالة العداء شبه المستمرة بينها وبين المؤسسات السيادية نتيجة للصراعات الطويلة بينهما. فإذا استلمت الحكم صارت فى محنة وأزمة وحيرة، إذ كيف تتجاوز هذه الصراعات السابقة مع مؤسسات الدولة السيادية، فيعرض كل منها عن الآخر، وتحاول هذه التنظيمات أو تضطر تحت وطأة هذا الفكر أن تقود الدولة بطريقة وعقل وفكر الجماعة فتفشل فشلا ذريعا فى الحكم رغم نجاحها السابق جزئيا فى المعارضة.

أزمات بالجملة اثناء حكم الاخوان

ونذكر كمثال على فشل الجماعة او الحركات السياسية الإسلامية، هو ما حصل في الجزائر في التسعينات، عندما دخلت البلاد في أتون الحرب الأهلية الدامية وهي التي تعرف باسم «العشرية السوداء» وقد كانت تلك الفترة العصيبة مقدمة لما سيحدث للحركات الإسلامية في الفترة اللاحقة، وخاصة في فترة ما بعد “الربيع العربي”. اما في سوريا والعراق واليمن، فإن القوى الإسلامية لم تلعب سوى دور هامشي في الحركات المنادية بالديمقراطية وقد تراجع حضورها في المشهد في خضم المعركة التي تخوضها أكثر من دولة في المنطقة ضد التيارات الإسلامية العنيفة والمتطرفة.

وفي تونس يرى مراقبون أن تجربة حكم حركة النهضة الإسلامية لم تكن ناجحة وإنما كانت مليئة بالأزمات وشهدت اغتيالين سياسيين كانا كفيلين بإزاحتها من الحكم، وفي نفس الوقت لم تحقق الحركة وحلفاؤها وعودها الانتخابية القائمة أساسًا على التنمية في الجهات المحرومة والعدالة الاجتماعية، وهو ما أسفر في نهاية المطاف عن التنازل مرحليًا وطواعية عن الحكومة حفاظًا على التجربة من مصير أسوأ، وأيضًا تحت ضغط مطالب الشارع الملحة.

وفي المغرب، يقول الصحفي المغربي علي أنوزلا متحدثًا عن تجربة حزب العدالة والتنمية في الحكم “في المغرب الذي يقدمه البعض كنموذج لنجاح التيار الإسلامي في الوصول إلى الحكومة من خلال ما اصطلح عليه بـ”ثورة الصناديق”، أبانت التجربة، أن الحزب الإسلامي الذي يقود الحكومة انسجم مع دور “الكومبارس” الذي جيء به لأدائه، أكثر من انسجامه مع دور البطولة التي ادَعاها، وعندما تنتهي “المسرحية” فلن يتذكر دَورَه أحدًا.

اما عن تجربة الإسلاميين في مصر، فقد وصل ممثلو الإسلام السياسي إلى أعلى هرم للسلطة، وهيمنوا على المؤسسة التشريعية، وشكلوا الحكومة، وتوغلوا في القضاء والإعلام، لم تدم تجربتهم أكثر من سنتين انتهت بانقلاب عسكري كان لأخطاء الإسلاميين دوره الكبير في التسريع بقيامه”.

وتتعرض جماعة الإخوان المسلمين في مصر في الوقت الراهن لأكبر أزمة داخلية بين كبار قادتها منذ وفاة مؤسسها حسن البنا، حيث شهدت “الجماعة الأم” خلافات داخلية وصلت ذروتها خلال ديسمبر الماضي، حول إدارة التنظيم.

أما في ليبيا، فقد حول الإسلاميون وميليشياتهم المسلحة البلاد إلى طائرة مختطفة يلاحقها قراصنة خرجوا من الفراغ الذي خلفه سقوط النظام السابق، والجميع يقود البلاد نحو المجهول، خاصة أمام انتشار السلاح في البلاد والانقسام السياسي المتواصل حتى الساعة.

ضبابية مشروعهم السياسي

وعن تجربة حكم الإخوان المسلمين في السودان يرى رئيس مركز الدراسات السودانية حيدر إبراهيم أن الإسلاميين في السودان لم يتعرضوا مثل غيرهم في المنطقة العربية للقمع، لكنهم مع وصولهم للسلطة مارسوه، وأدخلوا التعذيب في الحياة السودانية، معتبرًا أن تجربة الإسلام السياسي في السودان كانت السبب الرئيس لكل الأزمات التي لحقت بالبلاد منذ الاستقلال إلى غاية استيلاء الإسلاميين على السلطة منذ ربع قرن.

ويضيف حيدر إبراهيم أنه وعلى مستوى فهمهم للديمقراطية فقد اتخذوا موقفًا متشددًا من التعددية الحزبية واعتبروها مصدرًا للفتنة، وتبنوا بديلاً لها نظام المؤتمرات الإسلامية، وهو ما انعكس على مستوى رؤيتهم للأقليات والمرأة، وانتهت ممارساتهم إلى انفصال الجنوب السوداني.

وقد أبرزت تجربة الإسلاميين في الحكم، ضبابية مشروعهم السياسي وفقر أفكارهم حول مفهوم الدولة، وعجزهم عن الإجابة عن أسئلة وتحديات المرحلة. ولم تختلف السياسات التي انتهجوها لمواجهة تلك التحديات عن سياسات الحكومات السابقة، وسرعان ما اختفى شعارهم الأثير “الإسلام هو الحل” أمام التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية بشكل عام بعد أن وضع “المشروع الإسلامي” على محك الاختبار العملي، وبات يتعين على هذه الحركات أن تطبّق رؤاها وشعاراتها البلاغية، وتجابه تلك المشكلات من موقع السلطة والقرار، فتآكلت مشروعيتهم السياسية وانخفضت شعبيتهم، وبدأت نُذر الانقسام والصراع الجيلي في داخل الحركات الاسلامية نفسها.

حقوق النشر والطباعة ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©