الحشد الشعبي.. تفكك يبدأ بالانقسامات واختلاف الولاءات

مع تصاعد وتيرة الخلافات بين ميليشيات الحشد الشعبي في العراق و وظهور خلافاته الحادّة وانقساماته الداخلية للعلن، تتعزز توقعات المراقبين بفقدان الحشد قدرته على الاستمرار، وسط محاولات ومساع كثيفة لتسوية الخلاف بين الميليشيات التابعة للنجف والمعروفة باسم “حشد العتبات”، وأخرى مرتبطة بإيران ويطلق عليها “الولائية”.

الخلاف والتباعد بين مكوّنات الحشد، ظهرت جليا عندما عقدت التشكيلات التابعة للعتبات المقدسة في العراق مطلع الشهر الحالي، مؤتمرا لها، أعلنت خلاله عن تشكيل حشد “مرجعي” نسبة إلى مرجعية النجف بهوية محلية مختلفة عن هوية الحشد “الولائي” نسبة إلى الولي الفقيه، والذي انتهى به المطاف حشداً إيرانياً خالصاً في تبعيته لطهران وخدمته لأهدافها، حسبما ما يرى مراقبون.

حشد العتبات وبداية الانقسام

مطلع الشهر الحالي، نظّمت ميليشيات تابعة للنجف أبرزها “فرقة الإمام علي”، و”لواء علي الأكبر”، و”فرقة العبّاس القتالية”، و”لواء أنصار المرجعيّة”، مؤتمر “حشد العتبات”، أعلنت خلاله عن تشكيل حشد “مرجعي” كأساس للحشد الشعبي، في إشارة إلى فتوى المرجع الديني علي السيستاني.

يمثل المؤتمر أول إقرار رسمي من ميليشيات النجف بتمييزها عن باقي الفصائل المرتبطة بإيران والتي تشكل أكثر من 60 بالمئة من مجموع ميليشيات الحشد الشعبي، كما يرى المحلل العراقي “عبدالله الغنام”، الذي يتوقع أن يتمتع حشد العتبات، بقبول جماهيري في الأوساط العراقية وحماية شعبية وأيديولوجية يوفرها “السيستاني”، خاصة أنه التشكيل الجديد يمثل أكثر من 40 في المائة من تعداد عناصر “الحشد الشعبي”، وعادة ما تغيب تلك الميليشيات عن الذكر في ملف الانتهاكات والجرائم الطائفية، إذ توصف بأنها الأكثر التزاماً.

وفي معرض حديثه عن آثار خطوة انشقاق الفصائل عن الحشد الشعبي؛ يرى “الغنام” أنه بهذه الخطوة، يلدغ “السيستاني” الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، فما بنته على مدار 17 عاماً انهار في عام واحد، لأن الفصائل الأربعة والتي يبلغ عدد عناصرها 15 ألف، شكلت العمود الفقري لقوات الحشد الشعبي، منذ تشكيلها عام 2014، ويُعد انفصالها بمثابة تأكيد للانقسامات الكامنة في قوات الحشد، مشدداً على أن طهران ستعمل جاهدة على حل الخلاف خوفا من فقدان أحد أهم أذرعها في العراق.

وفي وقت سابق، أكد مصدر عراقي أن “السيستاني” حذر إيران أكثر من مرة بأن لا تخرب المصالح العراقية ولكنهم لم يأخذوا تحذيره على محمل الجد، فمنحهم فرصة لعامين حتى ينظموا عمل الفصائل ويشرعنوه ويسيطروا عليه، ولكن بدلاً من ذلك ظلوا على ما هم عليه إلى أن خرجت الأمور عن السيطرة.

وكانت أولى بوادر الخلاف بين “حشد العتبات” والميليشيات الموالية لإيران، قد برزت في شهر شباط الماضي، بعد اختيار “عبد العزيز المحمداوي”، المعروف بـ”أبو فدك” و”الخال”، بديلاً لقائدها العسكري أبو مهدي المهندس، الذي قُتل مع زعيم “فيلق القدس” الإيراني “قاسم سليماني” بضربة جوية أميركية قرب مطار بغداد الدولي في 3 كانون الأول\ يناير الماضي وسبق أن أعلنت فصائل النجف رفضها لاختياره بديلاً عن أبو مهدي المهندس، لتتفاعل الخلافات بطلب رسمي من فصائل “حشد العتبات” بـ”الارتباط عملياتياً” بمكتب رئيس الوزراء وليس بهيئة “الحشد الشعبي”.

فشل محاولات حل الخلاف قبل الانتخابات

كشفت مصادر سياسية مقرّبة من “حشد العتبات”، عن وجود مساعٍ كثيفة لاحتواء الأزمة بين الميليشيات الموالية العراقية و المرتبطة بإيران، يقودها رئيس هيئة الحج والعمرة العراقية، “سامي المسعودي”، الذي يمتلك علاقات طيبة مع كافة الفصائل، وزعيم منظمة بدر “هادي العامري”، من أجل تسوية الخلافات، لمنع انفصال حشد العتبات عن هيئة الحشد، لما لذلك من تبعات سلبية كبيرة على مستقل الهيئة خلال الانتخابات المقبلة.

المعلومات جميعها تؤكد فشل كل الوساطات في منع انفصال حشد النجف عن هيئة الحشد الشعبي، خاصة أن الخلاف أصبح أكثر من خلاف مناصب ومواقع إدارية وقيادية داخل الهيئة، حسبما يوضح مصدر مقرب من ميليشيا “حشد العتبات” لمرصد “مينا”.

الى جانب ذلك يؤكد المصدر، أن انفصال حشد النجف عن هيئة الحشد الشعبي، يحتاج إلى وقت طويل، لأن هناك موافقات يجب أن تتم من جهات عليا أمنية وإدارية، كما يجب تسوية ملفات الأسلحة وقضايا مالية، موضحا أن الانفصال سيكون حاضرا وبشكل رسمي، قبل فترة الانتخابات المبكرة 6 حزيران / يونيو.

يشار الى أن الميليشيات المرتبطة بالعتبات الشيعية المقدسة، أعربت خلال المؤتمر عن رفضها لانخراط “الحشد الشعبي” في العمل السياسي وكان السيستاني أعطى توجيهات واضحة بألا ينخرط أعضاء الحشد في السياسة. لكن الفصائل الموالية لإيران في الحشد أنشأت تحالف الفتح وشاركت في الانتخابات التشريعية عام 2018.

انسحاب “ميليشيا العتبات” ستكون ضربة قوية لعدد من الشخصيات والجهات التي تريد أن تستغل هيئة الحشد والمرجعية في القضايا السياسية والانتخابية”، حسبما يرى المحلل “عبدالله الغنام”، الذي يتوقع أن يكشف الانسحاب ظهر الفصائل التابعة لإيران في العراق، من خلال نزع الثوب المحلي عنها وجعلها أقرب لوكلاء إيرانيين علنيين في العراق من كونها فصائل عراقية.

حل الحشد

تثير تحركات “حشد العتبات” قلق الفصائل المرتبطة بإيران، خاصة أنها وجهت دعوات إلى رئيس الوزراء خلال المؤتمر من أجل إتمام خطوات ارتباط “الحشد” بشكل عاجل بالحكومة العراقية، وبالتالي إنهاء صلاتهم بـ”هيئة الحشد الشعبي” ما قد يؤدي الى نهاية الحشد نتيجة المزيد من الانسحابات بين الميليشيات التابعة للحشد.

وكان زعيم فصيل “عصائب أهل الحق” قيس الخزعلي قد قال الشهر الماضي، إن انفصال التنظيمات المرتبطة بالمرجعية الدينية الشيعية يمكن أن يقود أيضا إلى انسحاب فصائل “الحشد العشائري” المشكل أساسا من مقاتلي عشائر سنية، ما سيؤدي إلى “نهاية الحشد”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©