الدراما السورية بين السياسة والفن

يطرح هذا البحث المهم خفايا صناعة الدراما السورية؛ ليسلط الضوء على علاقة رموزها الإنتاجية والفنية بالأجهزة الأمنية؛ مبيناً أنها باتت ذراعاً من أذرع النظام التي تعمل على تبرئته مما حلَّ بسوريا وشعبها؛ ودورها في تزوير الحقائق؛ إذ باتت ذات سوق رائجة في المحطات الفضائية العربية لتساهم في التزوير من خلال الفن عبر محاور منها:

  • استغلال الموسم الرمضاني لترويج بروبغندا النظام.
  • رؤية نظام الأسد للدراما ودورها واستغلالها لمصلحته.
  • الرقابة على صناعة الدراما ودور الأجهزة الأمنية وأزلامها في ذلك.
  • شركات الإنتاج ومديروها وعلاقاتها مع النظام.
  • لصوصية الإبداع وصناعة نجوم مقربين إلى السلطة.
  • وجبة الدراما الرمضانية.
  • تأثير الدراما في الرأي العام.
  • الممثلون وفصام الشخصية مع قضايا المجتمع.
  • فنانو المعارضة خارج الدعم.
  • فنانو السلطة ودورهم في ترويج الاستبداد.
  • فنانون دفعوا ثمن مواقفهم الأخلاقية.
  • النتيجة.

المدخــــــــــــــــــــــــــــــــــل

استغلال الموسم الرمضاني لترويج بروبغندا النظام

قدمت الدراما السورية في رمضان 2018 أكثر من 25 عملاً درامياً بين الكوميدي والتراجيدي والتاريخي والبيئة الشامية، بحسب وسائل النظام، وهي في النتيجة لا تتميز بشيء عما قدم في السنوات الماضية إلا أنها حوت مشاهد وحوارات أكثر وضوحاً في تمجيد (انتصارات) جيش الأسد على فصائل المعارضة التي يصفها (بالإرهابيين) وتكرس تمجيد أعماله وتمرر الدعوات لعودة الناس إلى بيوتها من دون ذكر أي دمار أو قوانين تشرعن السطو على الأملاك. 

والملاحظات العامة التي يمكن إيرادها هي زيادة جرعة المشاهد الفاضحة والألفاظ النابية في بعضها التي لا تتلاءم مع شهر رمضان ولا مع عادات مجتمع سوري مكلوم وسلوكه وقد أصبح نصفه مهجراً داخلياً أو خارجياً.

الملاحظ أيضاً تعاطف عدد من مثقفي المعارضة وتفاعلهم مع تلك المسلسلات ومتابعتها والتعليق عليها في صفحاتهم المختلفة على موقع (فيسبوك) وكأن شيئاً لم يحدث في سوريا، لتصبح الدراما موازية بطريقة أخرى لوزارة المصالحة التي أنشأها النظام في ظل الحوادث.

إذ أخذ جمهور المعارضة يتفاعل مع الممثلين الذين جهِدَ نظام الأسد لإبرازهم لأجل إعادة ضخ رسائل تتلاءم مع إدارة التوجيه السياسي التي عمل عليها ضمن جيشه طوال عقود من الزمن.

لكن هذه الرسائل حملت بداخلها هدفين أولهما داخلي لبقية الجمهور بأن الأزمة (خلصت) وأن النظام حريص على الوطن والمواطن. وثانيهما خارجي إذ حققت نتائج حقيقية على الصعيد العربي الذي أخذ جمهوره يصدق أن ما تعرضت له سوريا هو مؤامرة وأن هذا الرئيس (الجنتل) لم يكن يمارس الإرهاب ولا يرعاه بل الشعب المنكوب هو الإرهابي. وهذا أيضاً أخذ يؤتي أكله في بعض الدول العربية من خلال العداء لمواطنين سوريين بوصفهم صنفاً آخر من البشر.

رؤية نظام الأسد للدراما

لا شك في أن الدراما التلفزيونية السورية حجزت حضوراً واسعاً داخل سوريا وخارجها خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت إحدى ولائم مائدة رمضان في كل عام ومنافساً قوياً للدراما المصرية التي تجذب المشاهد العربي، وبات هذا واضحاً مع انتشار المحطات الفضائية منذ مطلع الألفية الجديدة. وقد تنبه نظام الأسد إلى أهمية الدراما مبكراً من خلال إدراكه لدور التلفاز في المجتمع كونه ضيفاً على حياة الناس في كل بيت، فسخر إمكاناته ومؤسساته كلها لجعل كل ما يعرض على الشاشة يخرج من ممر إجباري هو من أوجده وأداره من نشرات الأخبار والبرامج المختلفة إلى كل ما يتعلق بالدراما.

قبل أن تتناثر الصحون اللاقطة على أسطح المنازل لمتابعة محطات جديدة بعيدة عن محطتي النظام الأساسيتين (الرئيسة والثانية) اللتين كانتا سائدتين في زمن البث بالأبيض والأسود وما بعده قليلاً، إذ كان المواطن السوري يقضي الوقت الأعظم من سهرته أمام التلفاز ليستمع إلى نشرات أخبار تحكي بنسبة تسعين في المئة منها عن نشاط حافظ الأسد ويومياته ومنظمات حزب البعث المختلفة، ثم تنتقل لتقدم لمحة سريعة عن الأخبار العالمية المنتقاة بعناية التي تعدّ هامشية وليست مؤثرة في مجرى الحياة السياسية أو الحدث إلا بما يتلاءم منها مع سياسة النظام، ليتخلل السهرة حلقة من مسلسل عربي أو أحد المسلسلات الكوميدية المحلية المحدودة التي قدمها نهاد قلعي ودريد لحام وفريقهما الفني، كمسلسل صح النوم، مقالب غوار وحارة كل مين إيدو إلو وغيرها.

أتاح حافظ الأسد مبكراً للعاملين في الوسط الفني من الرعيل القديم كلهم فرصة الحصول على وظيفة في الهيئة العامة للتلفزيون السوري ومنحهم راتباً شهرياً دائماً، يقصد أغلبهم مبنى التلفاز مرة في الشهر فقط للحصول على ذلك الراتب، إضافة إلى راتب تقاعدي بعد مضي السن القانوني بحسب قانون العاملين في الدولة. وبذلك استطاع التحكم بلقمة عيشهم قبل وجود الفضائيات وشركات الإنتاج الكبرى، وكان ذلك إحدى (مكرمات) حافظ الأسد التي كان يجد من خلالها باباً لاستعباد الناس وتأطيرها من خلال قطاعاتها المختلفة ومنها هذا القطاع.

الرقابة وصناعة الدراما

أنشأ النظام بالتوازي مع ذلك دائرة الرقابة في التلفزيون لتمر عبر منافذها النصوص الدرامية والبرامجية كافة بما فيها المسابقات والفوازير البسيطة والحفلات الغنائية، وأصبحت هذه الدائرة أهم دائرة للارتزاق في التلفزيون من خلال قدرتها على تزكية برنامج أو مسلسل أو فكرة أو منعهم، وبذلك أصبحت الدراما مرتبطة بهذا الممر الإجباري بما فيها ما تنتجه الشركات الخاصة.

هذه الدائرة كانت وما زالت تراقب النص كلمة كلمة لمن هو خارج العلاقات الانتهازية أو الأمنية والحزبية لتمنع عنه الفرص، وبذلك تأطر الإبداع الدرامي بداية من النص المكتوب الذي يجب أن يخضع لرأي أشخاص لا علاقة لهم بالثقافة ولا بالإبداع، بل مهمتها أمنية سياسية إضافة إلى السمسرة المالية وغيرها.

بناء على ذلك استطاع كل من أسس علاقات انتهازية مع أجهزة النظام المختلفة التغلغل والوصول إلى النجومية بسرعة البرق وفتحت له مؤسسات النظام المنافذ كلها، كتاباً ومخرجين وممثلين وموسيقيين وغيرهم.

الشللية والاصطفافات

في هذا السياق ظهرت طبقة رديفة من العاملين الذين ارتزقوا من خلال جهد الآخرين وهم مديرو الإنتاج ومساعدوهم، وهم من أصناف السماسرة الذين لهم علاقة بالمال والفواتير وليس بالمهنة الإبداعية، وأصبح هذا الكادر أحد أهم أركان العلاقات الخفية التي تدير هذه العملية برمتها من خلف الكواليس بسبب علاقاتهم مع أجهزة الأمن والدولة وقدراتهم على تأمين موافقات تصوير وغيره، إذ من المعلوم أنه لا يمكن لكاميرا أن تتجول وتصور في أي مكان في سوريا من دون الحصول على الموافقة الأمنية، إضافة إلى علاقاتهم مع رأس المال والممثلين والعاملين الآخرين كافة المهتمين بإنتاج أي عمل درامي، بداية من الورقة إلى آخر لحظة من وضع لمسات الشارة النهائية مروراً بتلك المراحل المختلفة كلها التي تتطلب كل واحدة منها عاملين متخصصين لإتمام العملية الفنية، وعلى هذا تأسست (الشللية) داخل الوسط الفني السوري.

من المرجح أن المهتمين بالشأن الدرامي من السوريين لم يكونوا على دراية أن نظام الأسد عمل على إعداد هذا القطاع ككل القطاعات الأخرى في البلد من قطاع العمال والفلاحين والطلاب إلى المعلمين والقضاة والإعلام والصحة وغيرها، إذ كان هذا النظام يعد جيشاً رديفاً من الفئات كافة من دون إغفال أي جزء منها صغيراً كان أم كبيراً، بحيث يكون هذا الجيش جاهزاً عند الحاجة، ولذلك كانت النقابة المهنية لكل قطاع هي الفرع الأمني المعني بذلك القطاع. وقد ساهمت نقابة الفنانين بدورها بصورة فاعلة في تدجين هذا الوسط كونها مسؤولة عن منح تراخيص العمل حتى لمن يمكن أن يغني في الأعراس مع فرقته التي تستند إليها الموافقة الأمنية.

شركات الإنتاج الدرامي ودورها

عندما انطلقت الفضائيات بذلك الزخم كان لا بد لخطاب النظام الإعلامي والثقافي والفني وأدواته من أن يواكب ذلك على طريقته ليستمر باحتكار كل شيء، وعلى الرغم من أنه لم يمنح تراخيص لمحطات تلفزة خاصة كي لا تفلت الأمور من يده، إلا أنه سمح بتأسيس شركات إنتاج فني خاصة تمول تصوير المسلسلات وتعمل وسيطاً مع المحطات العربية التي تملك شهرة ومالاً خصوصاً في الخليج العربي وهذه الشركات ضمناً هي جزء من النظام نفسه، أي من أسس تلك الشركات هم رجاله وأدواته.

كانت من أوائل تلك الشركات شركة (شام) التي كان يملكها ابن عبد الحليم خدام، وأنتجت بعض المسلسلات بتكاليف عالية وذلك قبل أن يصدر قرار حجز عليها من النظام بعد خلافه مع خدام، توالى بعد ذلك إنشاء الشركات الأخرى لشخصيات من صلب نظام الأسد، وقد عملت تلك الشركات الفنية كأي جهة رسمية سورية على الرغم من أنها شركات خاصة في الظاهر، لكنها كانت تسير في ظل العلاقات الأمنية مع النظام وبشكل رئيس ماهر الأسد ومن يحوط به. وذلك لأجل أن يبقى بالدرجة الأولى أي فعل إعلامي تحت السيطرة، ليبقى المال المتدفق من الممولين في أيدي أزلام النظام، ولكي لا يظهر نجم في إحدى مهن الفن سواء في الكتابة أم الإخراج أم التمثيل لا يدور في فلك النظام من خلال تحديد قرار أن يكون بطلاً في هذا المسلسل أو ذاك. وهذا أهم احتكار ضمن ما يمكن تسميته لصوصية الإبداع لفرض نجوم على السوريين مصنفين لغايات سياسية وأمنية.

تمكن النظام إيجاد مساحة كبيرة لنمو العلاقات الانتهازية داخل هذا الوسط وبخاصة أنه وسط مغرٍ مالياً إضافة إلى الشهرة التي يحصل عليها من يعمل فيه. وبتحكم النظام في هذين المحورين؛ أي منح المال والنجومية بقرار عقد لهذا الممثل أو المخرج من دون الآخرين وتدعيم هذه الحالة من خلف الكواليس، جعل هذه المهنة يشوبها كثير من الغموض كونها مبنية على علاقات مصلحية غامضة ومستورة، ومن لا يدرك تلك العلاقات سيبقى على هامشها يدافع عن إبداعه ويبحث بأظافره عن فرصة مهما صغرت لكنه حكماً سيبقى خارج التداول الإعلامي ولن تسلط عليه الأضواء أبداً لإبرازه كونه ليس جندياً بحسب التقويمات الأمنية في جيش النظام الاحتياطي الذي سبق وأشرنا إليه. وهذا ينطبق على العاملين كلهم في هذه المهنة وصنوف الإبداع فيها.

الدراما والثورة

عندما انطلقت ثورة السوريين في آذار/ مارس 2011 واصطف الوسط الفني بأغلبه تقريباً مع النظام تكشفت بعض الخفايا واتضح للمعنيين لماذا كان هذا النظام يعد هذا الجيش بهدوء وكيف كان يدرك حجم خطره، كون الدراما تدخل من خلال التلفاز إلى كل بيت بلا استئذان. فجعلهم سفراء خدعة له لتشويه الحقائق وتزوير اللحظة التاريخية وإن بدت للآخرين سطحية، أو لتبييض صورته وتلميعها وتقزيم قضايا المجتمع أو تحويرها.

تعمد نظام الأسد في بداية الثورة مضاعفة الأجور الممنوحة من دائرة الإنتاج في التلفزيون السوري للعاملين في الدراما من فنانين وكتاب ومخرجين بنسبة تصل إلى أكثر من مئة في المئة، وتعمد الاستمرار في الإنتاج الدرامي بالزخم نفسه تقريباً، ليوصل رسائله التي أرادها أن تساعده في توجيه الرأي العام، حتى وإن بقي كثير من الأعمال في حالة كساد خارج إطار التسويق، واقتصر بثها على التلفزيونات المحلية، كان هذا بدعم مالي واضح من شركات إعلامية عدة لأجل التحايل على مطالب الناس بحريتها وكرامتها.

وجبة الدراما الرمضانية

أصبح ما سمي بسوق عكاظ الفني، أو سوق شهر رمضان من أهم الأسواق في هذه المهنة للشركات والممثلين والمخرجين كافة، وساعد الإعلام الموازي في إشغال الرأي العام بذلك وتكريسه في ذهن المواطن بأنه شهر المسلسلات وشهر مهرجان الأعمال الاستعراضية إن كانت معاصرة أم تاريخية أم فكاهية أم خارج الزمان والمكان التي تسمى فنتازيا.

وقد جهد النظام في تلك العناوين كلها ولم يترك منها أي خط أو منفذ لآخرين فأنتجت أدواته في تلك الأصناف كلها لكي تسيطر على السوق الفنية وتعرض ما يروق لها لتبقى متحكمة في رغبات المشاهد بأن ما تقدمه أقرب إلى قضايا الناس.

وهذا للأسف أقنع كثيرين من الجمهور العربي وليس السوري فقط، وأهم مثال على ذلك مسلسلات البيئة الشامية ومنها باب الحارة بأجزائه التي أقنعت شريحة واسعة من المشاهدين العرب بأن دمشق تحوي هذا التخلف كله والانغلاق والسوداوية.

من هنا يبقى السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا هذا الاقتران بين شهر الصيام وصناعة الدراما؟ ولماذا تماهى الجمهور العربي مع هذه المسألة؟ ليتبعه أسئلة أخرى منها، لماذا ينحصر التنافس بين منتجي الأعمال الدرامية وأبطالها ومخرجيها في شهر رمضان؟ هل الهدف هو العمل على خلق مساحة ترفيهية تخفف من عناء الصيام؟ أم أنها لأسباب سياسية أم أهداف اجتماعية؟ أم أن كل ما في الأمر هو مسألة اقتصادية تتعلق بالتمويل والأرباح التي تتدفق في هذا الشهر بالذات؟.

من المؤكد أن الساحة الفنية زخرت بالممثلين الذين أبدع بعضهم في أدوار مختلفة أدّوها بحرفية، وتقمصوا شخصيات أقنعت الجمهور بها إن كانت تاريخية أم معاصرة، كما لا يمكن إغفال وجود أعمال عدّة لامست أوجاع المواطن.

لكن إن وضعنا هذا السؤال في عهدة المؤرخين بالنسبة إلى الأعمال التاريخية الحساسة التي تتناول شخصيات كان لها أثرها في التاريخ، هل يتفقون على أن تلك الشخصيات أو النص التاريخي يقاربان الواقع الذي عاشته، أم كانت الغاية منها خلق أمجاد من خلال التلفزيون كحالة تنفيس للواقع المحتقن والمهزوم، أم غير ذلك من أمور تقع أغلبها في إطار الربح والخسارة.

الدراما وتأثيرها بالرأي العام

من المؤسف أن كثيرين من الذين كانوا قيمين على تلك الأعمال التاريخية لم يفقهوا ثقافة الحاضر فكيف يمكن أن يؤتمنوا على تراث أمة، وهذا واضح للجميع من خلال سطحية الحياة التي كانوا يعيشونها، في الوقت نفسه هم أحد أهم أدوات الاستبداد التي أثبتت أن دورها فاعل في تشتيت الرأي العام أو توجيهه من خلال تأثيرها المباشر فيه.

على سبيل المثال في سوق رمضان الفنية عام 2001 تنافست شركتان سوريتان للإنتاج الفني على إنتاج مسلسل عن صلاح الدين الأيوبي وكل شركة قدمته برؤية تختلف عن الأخرى.

وكان من الملاحظ أن العمل الذي أخرجه نجدت أنزور وأشرف عليه بعنوان (البحث عن صلاح الدين) قُدّمَ هدية مجانية للتلفزيونات العربية على الرغم من التكلفة المرتفعة لأنواع كهذه من المسلسلات لما تتطلبه من شروط إنتاجية وديكورات خاصة وممثلين وكومبارس وملابس وغيرها. ولا ندري حتى الآن هل كانت الغاية محاربة الشركة الأخرى المنافسة أم أنها رغبة في تمرير المسلسل لما يحوي من غايات وخفايا.

من جانب آخر وبالعودة إلى أجزاء مسلسل باب الحارة بصفته ينقل بيئة شعبية لإحدى أهم المدن العربية ولأقدم عاصمة مأهولة في التاريخ وهي دمشق، إذ يحشرها في حارة صغيرة يتصارع أبطالها على أوهام افتراضية ويعطي صورة بأن دمشق مدينة مغلقة لا يصلها التعليم أو الثقافة، وأن عادات أبنائها وتقاليدهم تتعلق بفتل الشوارب والاستعراضات والزواج والطلاق.

الخطر في الموضوع أن الجمهور العربي صدق أن هذه حكاية دمشق وهؤلاء هم أهلها وهذا هو تاريخها, إضافة إلى ما ساهم فيه الجمهور السوري في دفع الأمور قدماً من خلال عدد المشاهدات المرتفع الذي حصل عليه المسلسل ما جعل القيمين عليه يتابعون إنتاج أجزاء مختلفة منه. على الرغم من أن هذا الجمهور المتابع يطعن في المسلسل وحكايته بعد انتهاء عرض كل جزء لكنه يتابع الجزء اللاحق. وهذا هو أثر الضخ الإعلاني عبر الإعلام لفتح باب تمر منه الثقافة السطحية وتجعل الجمهور يدور في حلقة مفرغة من دون أي أثر ثقافي تراكمي إذ إنه ينقله إلى زمن غير زمنه، وبعيد من قضاياه وآلامه أو حتى أفراحه، وهذا تشويه للعادات والتقاليد وخلطها بمفهومات دينية لتتلاءم مع العرض في شهر رمضان، لكنها في الواقع تشوه البيئة والمجتمع والقيم والدين.

لا ينحصر الحديث عن المسلسلات التاريخية أو البيئية في غاياتها المختلفة؛ فكثير من الأعمال الفنية الأخرى لها غايات سياسية تتعلق بتدجين المواطن وتعويده على سلطة الفساد من خلال التركيز على بعض الفساد في المراتب الدنيا من الموظفين بسقف منخفض، ثم تكريس القيم المشوهة من أجل ضخ معايير جديدة في السلوك لتقليد أولئك الأبطال الوهميين في التلفاز أو الاعتياد على مظاهر الفساد والحالات غير الطبيعية في المجتمع، سواء كانت صوراً تتعلق بالبشر أم بأدواتهم اليومية.

بذلك فإن الخطاب الفني تماماً كالخطاب الإعلامي الموجه في نظام الاستبداد لكن ترافقه الأضواء، ما يقود إلى خداع الناس وغشهم في رؤية الصورة الحقيقية، وقد خدمت تلك الحالة نظام الأسد خدمة كبيرة قطف ثمارها بهدوء وبلا منافس.

قدمت الدراما السورية خلال سنوات الثورة عشرات المسلسلات التي لم تكن الغاية منها إظهار سورية بخير فحسب كما دأب النظام على القول، ولا يوجد أي خطر، بل عمل القائمون على تلك الأعمال على قلب الحقائق وتصوير المهجرين من بيوتهم إلى دول الجوار على أنهم هربوا من (العصابات الإرهابية) التي تريد النيل منه على حد زعمه.

الحقيقة المؤسفة أن كثيراً من المشاهدين لم يكلفوا أنفسهم أن يسألوا إن كانت تلك العصابات تملك الطائرات والصواريخ والبراميل المتفجرة والسلاح الكيماوي، بل تعامل جزء لا بأس به من جمهور المعارضة مع تلك الأعمال وأعطى بعضها صفة الثورية فقط لأنها قالت إن هناك حرباً ومهجرين من دون التدقيق في الرسائل الخفية لهذا النظام حول من هجر الناس ومن أعلن الحرب ولماذا.

الممثلون وفصام الشخصية

بدا ذلك جلياً من حيث الشكل والمضمون مع ما قاله دريد لحام على سبيل المثال، وهو أحد أركان هذا النظام الفنية، في إحدى المسرحيات التي تتكلم عن هزائم العرب وطلبه على خشبة المسرح (بس شوية كرامة) في وقت خوّن السوريين عندما طالبوا بالكرامة، مع العلم أن دريد لحام نفسه في شهر آذار/ مارس 2011 وصف معمر القذافي بأنه نيرون، ليقود في ما بعد اعتصاماً للفنانين حاملين صور بشار الأسد أمام السفارة الفرنسية في دمشق في أيار/ مايو 2011 للاحتجاج على إدانة الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي لممارسات بشار الأسد واستخدامه العنف ضد الشعب السوري، وانتشر فيديو له على الإنترنت وهو يقول للمرشد الإيراني علي خامنئي (في روحك القداسة، في عينيك الأمل، في يديك العمل، وفي كلامك أمر يلبى)، وتابع (زادت قدسية ترابنا حين ارتقى بعض من رجالاتك إلى عليائها، لك الحب والتقدير والإجلال) بحسب صحيفة القدس العربي.

كذلك فعل عشرات الممثلين الذين خدعوا السوريين بأنهم يحاربون الفساد من خلال الأدوار التي يؤدونها وإذ بهم جنود فساد على موائد الدم السوري، وهنا المفارقة حيث يؤدي أحدهم دوراً على الشاشة ينتقد من خلاله رئيس بلدية سارق ويتفاعل مع طفلة مظلومة في مدرسة، لكنه لا يهتز لمدينة أو بلدة خرجت من الخريطة بسبب الدمار الشامل الذي ألم بها، علاوة على موت عدد كبير من الأطفال السوريين بالنار والبارود وتناثر أجسادهم كرذاذ المطر في الشوارع، ولا تحوي قبورهم إلا قطعاً صغيرة من أجسادهم أو قطعة ثياب كحالة رمزية. وهذا ينطبق تماماً على عدد كبير من شخصيات مسلسل بقعة ضوء.

هذا لا يعني أن العاملين في الوسط الفني كلهم منخرطون في مشروع نظام الأسد بتدمير الثقافة المجتمعية وتشويه الإبداع السوري إنما هم وجدوا بشكل أو بآخر في هذا المشروع. فهي بالنسبة إلى كثيرين منهم مهنتهم التي يعتاشون منها، لكن كأمر واقع فإن مصدر إدارتها شركات نظام الأسد ومن خلالها يجري ضخ المال في هذا المشروع وإن كان جزء من هذا المال عربياً، ثم إن المسؤولين عن أهم المحطات التي تعرض تلك الأعمال هم على علاقات صداقة مصلحية مع إدارات الشركات الفنية السورية على الرغم من أن أصحاب تلك الشركات يشتمون بعض الدول العربية ليل نهار وعلى الشاشات وكذلك بعض الممثلين، إلا أن العملية الفنية التي تدار بخيوط سياسية خفية هي المايسترو الذي يدير حتى السباب والشتم، إذ استطاعت تلك الأدوات المترابطة إبعاد الشخصيات التي يمكنها أن تقدم فكراً إبداعياً يدعم التنمية البشرية ويساعد في خلق مجتمع متصالح مع نفسه كي يتصالح مع قضاياه ليعالجها بصورة سليمة إن كان في موضوع السلوك اليومي أو التعليم أو العلاقات الاجتماعية إلى قضايا الإدارة والبناء وخلق وعي حقيقي يتلاءم مع حاجة هذه المجتمعات لتصويب بوصلتها.

فنانو المعارضة خارج الدعم

من المرجح أن عرض الأعمال الدرامية في رمضان هو بحد ذاته سياسة مدروسة ضمن تلك التوجهات وربما خيوط أمنية في مستوى عالٍ تقف خلف تلك العملية وتضخ المال لأجل إتمامها وبخاصة مع نمو ظاهرة الإرهاب وانتشارها ولصقها بالعالم الإسلامي. وهكذا نحن الآن أمام توقع إنتاج مسلسلات جديدة مقبلة تجري من خلالها محاربة الإرهاب بإقناع العامة بأن بعض القيم المجتمعية يجب محاربتها أيضاً لمحاربة الإرهاب ليبدو نظام الأسد فاتحاً لعصر جديد ومدافعاً عن المدنية.

 لم تدعم تلك المصادر المالية الخليجية بشكل رئيس ولا غيرها أي جهة فنية من المعارضة السورية لمساعدتها على تقديم نفسها ومخاطبة مجتمعها السوري، وبقيت الكوادر الفنية في المعارضة كلها على قلتها على هامش أي فعل تبحث عن لقمة عيشها في أوضاع قسرية، في وقت بقي زملاؤهم يتنعمون بذلك المال وتلك الشهرة التراكمية.

هنا الوجه الآخر للتحالف الخفي بين أدوات الأسد الدرامية وممولي العملية الفنية والمحطات العارضة لها، وهي إتمام محاصرة الثورة السورية من الاتجاهات كلها وخنقها وعدم إيجاد متنفس لها حتى عن طريق الدراما لتوصل رسالتها السليمة، وإنما بقيت بعض أفلام الفيديو المصورة لجرائم المتطرفين، على الرغم أن بعضها مفتعل، هي السائدة لتعبر عن أن المعارضة هي تلك الوجوه المخبأة خلف اللثام وتطلق أحكام التكفير والقتل وما إلى ذلك بغية تشويهها. يمكن الإشارة فقط إلى إنتاج أعمال محدودة منها مسلسل (أمل.. بكرا أحلى)، ومسلسل (منع في سوريا) الذي أنتج بجهد فردي.

فنانو السلطان

قد يبدو ملف الدراما السورية ظاهرياً ملفاً بسيطاً يتعلق بمواد لها طابع تراجيدي وأخرى كوميدية مع كوكبة من النجوم والفنيين يقدمون وجبة ممتعة وترفيهية إلى الجمهور في رمضان، وقد تبدو المناقشة العامة الطبيعية أن هذا المسلسل أفضل من ذاك وفكرة هنا أفضل من فكرة هناك، وحركة كاميرا ذلك المسلسل أجمل من غيرها وينتهي رمضان وينتهي المهرجان، لكن بالتأكيد إن الدور الذي يمارسه أولئك الممثلون بالتوازي مع أدوارهم في المسلسلات هو خير درجة يمكن تقديم بعضهم إلى المحاكمة لو كانوا في دول متحضرة، ومنها على سبيل المثال تغنيهم بقصف حلب وأحيائها وتشريد أهلها أو زيارة مدينة داريا بعد تهجير أهلها أو تصوير مسلسل في دمار مدينة حمص أو الوقوف على أطلال الغوطة الشرقية بعد أن جرى تدمير مدنها وتهجير جزء من السكان إلى الشمال السوري، أو المشاركة في حلقات الدبكة في ساحة الأمويين في العاصمة دمشق تعبيراً عن النصر، إضافة إلى تقديم بعضهم الشكر عن طريق النقابة إلى دول الاحتلال الروسي والإيراني.

رسائل عدة استطاع هذا الكادر تقديمها إلى المشاهدين ولم يكتفِ النظام بهم بل استورد ممثلين من بعض الدول العربية ليحتفلوا معه بانتصاراته المزعومة على الشعب ومنهم عدد من الممثلين المصريين المشهورين الذين لم يتوانوا عن إهانة الشعب السوري والاستهتار بدماء أبنائه بتصريحات عدة على وسائل الإعلام. وهذا ينطبق على عدد من الممثلين اللبنانيين.

فنانون دفعوا ثمن مواقفهم

وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير لها عام 2015 وهو تقرير يتيم يوثق الاعتداءات على العاملين في الفنون كلهم ومن بينها الدراما في سوريا، وثقت مقتل 44 فناناً سورياً منذ انطلاق الثورة في آذار/ مارس عام 2011 حتى شهر نيسان/ أبريل عام 2015، منهم 14 قتلتهم قوات نظام الأسد، من بينهم أربعة قتلوا تحت التعذيب، كما قتلت فصائل المعارضة المسلحة 4 فنانين، وقتل تنظيم داعش فناناً واحداً.

وأفاد التقرير أن 57 فناناً قد اعتقلوا منهم 20 فناناً من نظام الأسد، بعضهم ما زال قيد الاعتقال ومصيرهم مجهول كالفنان زكي كورديللو وابنه مهيار والكاتب عدنان زراعي. وخطفت فصائل المعارضة فنانين اثنين أفرجت عنهما لاحقاً وجرى اختطاف عدد من العاملين في الوسط الفني على أيدي جهات غير معروفة.

إن نقابة الفنانين في سوريا عبّرت بوضوح عن ولائها لنظام الأسد منذ بداية الحوادث وحذرت الفنانين من دعم الثورة، وعدّت من خلال تصريحات نقيبها زهير رمضان لوسائل إعلام مختلفة أن ما تتعرض له سوريا هو مؤامرة صهيونية، وعبر عن تأييده للآلة العسكرية لنظام الأسد بارتدائه البدلة العسكرية وزيارته إلى مدينة طرطوس بتلك البدلة في نيسان/ أبريل عام 2017 غير آبه أنه نقيب للفنانين.

في خريف عام 2014 اتهم رمضان عدداً من الفنانين السوريين الذين أيدوا مطالب الشعب السوري بسفك الدم وتأييد التدخل العسكري في سوريا وتأييد المعارضة المسلحة، ومنهم جمال سليمان ومكسيم خليل، وأعلن فصل الفنانين المؤيدين للثورة كلهم من النقابة.

في هذا السياق يتذكر السوريون كيف استقبل الممثل زهير عبد الكريم جيش الأسد عندما غادر لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وهو يستمر في هذا النهج ففي آذار/ مارس 2014 غنى احتفاء بسيطرة حزب الله على مدينة يبرود في القلمون السوري، وأكد في لقاء في التلفزيون السوري عام 2015 أنه (فخور بتقبيل حذاء جندي في الجيش السوري).

النتيــــــــــــــــــــــــــجة

في النتيجة وظف نظام الأسد الأعمال الدرامية كافة، إضافة إلى العاملين فيها لخدمة أهدافه، وأصبحت تلك الأعمال وسيلة لتسويغ جرائمه بحق الشعب، وقد ركزت على أن ما يحدث داخل سوريا هو مؤامرة على الاستقرار وعلى المقاومة وعلى نهج البناء الذي يسلكه النظام.

على سبيل المثال قدمت الدراما في رمضان الحالي 2018 عملاً بعنوان (روزنا) يبرز قصة أسرة هجرها (الإرهاب) من مدينة حلب إلى دمشق ليعبر عن وجهة نظر النظام في ما حدث، إذ يرصد ردة فعل العائلة بعد سيطرة جيش النظام على حلب، وبذلك يدعي مخرج العمل عارف الطويل أن (في المسلسل رسالة ستصل إلى أبعد نقطة في مجالنا الإقليمي). بحسبCNN  العربية في نيسان/ أبريل 2018.

وعمد مسلسل عدّه السوريون ناقداً كـ (بقعة ضوء) إلى التركيز على أن (الأزمة) لها علاقة بـ (الإرهاب) ومحاربته وابتعد عن كل ما فعله النظام وجيشه وميليشياته، ومن المعلوم أن هذا المسلسل ينتج بقرار من ماهر الأسد.

على هذا فإن الدراما التي عمل عليها النظام لتلميع بعض الأسماء كانت لأجل استخدام تلك الأسماء القريبة من أذهان الناس في غايات مختلفة لها علاقة بالتركيبة الأمنية والسياسية في آن واحد، ولا يمكن تبرئتها من المشاركة في هدر دم السوريين في مدى سنوات سبع، ولا تشفع لها الحالة الإبداعية إن وجدت لتكون مسوّغاً لأي عمل درامي، في وقت أصبح الوطن كله في خطر وتحت احتلالات علنية عدة. إن أي مراجعة مقبلة للدراما السورية يجب أن تجري على الصعد كافة وبخاصة منها الأخلاقية قبل الإبداعية.


هذه الدراسة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.