الزيادة السكانية في العراق.. أزمة حقيقة أم شماعة للفساد؟

يثير الارتفاع المتزايد بعدد سكان العراق مخاوف عديدة، تلقي بظلالها على مستقبل البلاد، في ظل تراكم الأزمات العديدة التي تثقل كاهل الدولة، التي ما تكاد تخرج من أزمة حتى تدخل في أخرى، ما يجعل سيناريوهات المستقبل ضبابية، وسط تخوفات وتحذيرات مما سيتمخض عنه من هذا الارتفاع في عدد السكان، الذي يستهلك جانباً مهماً من مقدرات البلد، والذي يعاني بالأساس من أزمة اقتصادية.

وفي ظل غياب أي سياسات خاصة لتحديد النسل أو مواجهة الارتفاع المتزايد بتعداد السكان، خاصة أن هذا الموضوع سيواجه مشكلات عدة حال تم تطبيقه او تشريعه، يحذر مراقبون من انفجار أشبه “بالقنبلة”، سينهك الدولة التي تواجه تحديات عدة من ضمنها تحدي توفير فرص العمل والسكن والتعليم، مع ارتفاع نسب الفقر والبطالة التي تتجاوز حدود الـ 20 بالمئة من مجموع السكان، طبقاً لإحصاءات رسمية.

وكانت وزارة التخطيط العراقية قد أعلنت في وقت سابق، أن عدد سكان العراق لعام 2020، بلغ 40 مليوناً و150 ألف نسمة، موزعين بواقع 50،5% للرجال و49،5% للنساء، بناء على التقديرات السكانية التي يعدها الجهاز المركزي للإحصاء وفقا للمعايير الاحصائية العالمية، ما يشير إلى أن نسبة النمو السنوية للسكان في عام 2020، بلغت 2،6%.

وبحسب تقرير أصدرته التخطيط، فإن أكثر من 68 بالمئة من سكان العراق هم دون سن الثلاثين، فيما وصلت نسبة السكان من الأطفال دون سن الخامسة عشرة إلى نحو 40 بالمئة، في حين بلغت نسبة السكان في سن العمل، أكثر من 57 في المائة، وانخفضت نسبة كبار السن، إلى 3 في المائة.

تحذير من انهيار اقتصادي

بعد التحذيرات التي أطلقها الرئيس “برهم صالح” ومن ثم رئيس الوزراء “مصطفى الكاظمي”، تعالى صوت أحد أبرز الشخصيات المالية والاقتصادية العراقية، ومستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ونائب محافظ البنك المركزي العراقي السابق، “مظهر محمد صالح”، محذرا من أن عدد السكان في العراق قد يصل إلى 80 مليونا نسمة في عام 2050، مؤكدا أن المنحنى السكاني في العراق ما زال يؤشر نموا مرتفعا وبما لا يقل عن 2.6 في المئة سنويا، وهو الأعلى عالميا، لافتا إلى أن الدخل الوطني المرتفع حاليا والذي مصدره النفط، والذي تمثل وارداته تشكل 93 بالمئة من إجمالي إيرادات الموازنة العامة قد لا يستمر.

كما يحذر المسؤول العراقي من أنه إذا دخلت دورة الأصول النفطية حالة ركود قادمة بانخفاض الاسعار ثانية واستمرت لمدة طويلة فإن الحفاظ على نظام رواتب بقوة شرائية مستدامة سيصبح مستحيلا.

وبحسب “صالح” فإن أكثر من 8 ملايين عراقي يستلمون رواتب أو منحا من الدولة أي “أن متلقي الدخل يضمنون معيشة خمسة أفراد” بشكل كامل تقريبا.

يشار إلى أن الرئيس العراقي، “برهم صالح”، كان قد حذر قبل أيام من تداعيات استمرار اعتماد موازنة العراق على ريع النفط الخام مع توجه دول العالم نحو الطاقة النظيفة.

وقال “صالح” إن عدد نفوس العراق سيكون 80 مليون نسمة بحلول 2050، ولن نجد ما يطعمهم، مشيرا إلى أن البيانات تشير الى أن وارادات النفط المالية ستنخفض بحلول عام 2030 لجهة انخفاض الطلب عليه بعد تحوّل العالم الى الطاقة الكهربائية البديلة.

المحلل الاقتصادي “عمار السامرائي”، يرى أن الحكومة غير قادرة على مواجهة خطر التزايد السكاني، مؤكدا أن الاقتصاديين يحذرون من تبعاتها منذ سنوات.

وفي تعليقه على المبررات الحكومية للأزمة، يعتبر “السامرائي” أنه “حتى في حالة استمرار الطلب العالمي على النفط، وبقاء أسعاره مرتفعة فإن هذا يعني أن الحكومة العراقية ستحتاج لدفع رواتب لأكثر من عشرة ملايين شخص للمحافظة على الوضع الحالي”، وهذا شيء مستحيل بحسب المحلل نتيجة لوجود عدة أسباب أهمها وجود سلطة فاسدة من الحكومة والاحزاب والكتل النيابية لا تحمل اي معنى للوطنية والمسؤولية والمواطنة، وسيطرة مجموعات مسلحة وميليشيات عسكرية على زمام الامور وتهديد الدولة بكل مؤسساتها واجهزتها ودوائرها، وحضور مخفي وعلني للأجهزة المخابراتية التابعة للدول القريبة والبعيدة وتحكمها ببعض القرارات والشؤون الداخلية للعراقيين، ورمي القوانين ومواد الدستور عرض الحائط وفرض حالة من غياب الدولة والقانون بحكم الامر الواقع، وتفشي فساد رهيب بكل انواعه المالية والادارية والفنية في كل مفاصل السلسلة الهرمية للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وترسيخ ثقافة الفساد داخل مكونات المجتمع بجميع مجالاتها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

ومنذ تشكيل الحكومة الجديدة عام 2020، يعلن رئيسها “الكاظمي” عن إجراءات لمكافحة الفساد وتهريب الأموال العراقية إلى الخارج، كما قامت الحكومة في أيلول\ سبتمبر الماضي بحملة لمكافحة الفساد والتهريب في المعابر الحدودية العراقية، وحملة في نيسان\ أبريل الماضي لمكافحة الفساد في ملفات الاستثمار في البلاد، وفي الوقت نفسه أعلن اعتقال مسؤولين كبار بضمنهم مدراء عامون فيما يحقق القضاء مع وزراء سابقين، ومع هذا، تشير تقارير دولية إلى الفساد الإداري والمالي لا يزال مستشريا بشكل كبير في العراق على الرغم من هذه المحاولات، في حين يبدو الرئيس مطمئنا إلى نجاعة القانون الجديد لاسترداد بعض من الأموال التي يحتاجها العراق بشدة حاليا لتجاوز أزمته الاقتصادية.

رفض عشائري لتحديد النسل

مع الارتفاع المستمر لعدد سكان البلاد، وتخطيه حاجز الـ 40 مليون نسمة، اكدت وزارة التخطيط على لسان متحدثها “عبد الزهرة الهنداوي” عدم وجود سياسة خاصة لتحديد النسل في البلد، بسبب مواجهة هذا الموضوع مشكلات عدة حال تم تطبيقه او تشريعه.

ويبرر “الزهراوي” غياب السياسات الخاصة بتحديد النسل، أن “الدول التي اتجهت نحو هذه السياسات تواجه مشكلات وأصبحت هناك فجوة في تلك المجتمعات، اذ تعاني من نقص القدرات الشبابية القادرة على العمل، وأصبحت مجتمعات هرمة وشائخة.

الخبير الديموغرافي “عبدالله حسن” يبدي اعتراضه على تحذيرات الحكومة واعتبارها مسألة تزايد التعداد السكاني أزمة، مشددا السياسات السكانية الصحيحة ترتبط بنحو مباشر بالتنمية البشرية، من خلال تطوير المهارات وفق رؤية اقتصادية واضحة، لاسيما ان البلد يشهد زيادات سكانية لا تتناسب مع حجم الموارد مع اتساع رقعة شريحة الشباب بين شرائح السكان التي ينبغي تحويلها الى قوة رافعة ودافعة.

ويؤكد “حسن” أن المطالبات بتحديد النسل تواجه رفضاً عشائرياً ومجتمعياً، لاسيما في محافظات الوسط والجنوب وغرب وشرقي البلاد، متكئين في ذلك على الأعراف العشائرية والاسلامية، والتي ترى أن ارتفاع عدد السكان مصدر فخر وقوة لهذه المجتمعات، وبشأن احتمالية فرض الدولة إجراءات من شأنها تحديد النسل، يرى “حسن” أن “السكان لن يلتزموا بأي قرارات بهذا الموضوع”، مشددا على ضرورة أن تقوم الحكومة بإجراءات لتطوير وتقوية الاقتصاد، وبالتالي انعكاس ذلك على الوضع المعاشي للعوائل والأسر العراقية، بدلاً من اللجوء إلى إجراءات من شأنها التضييق على العوائل وإرغامها على تحديد النسل وتقليل الولادات”.

حلول وهمية بأبعاد طائفية

بدأت الحكومة العراقية، تنفيذ مشروع العاصمة الإدارية الجديدة “الرفيل” بمساحة تبلغ 106 آلاف دونم، ضمن المنطقة المحيطة بمطار بغداد الدولي، وذلك في ظل التقارير الواردة عن ارتفاع مخيف في نسب سكان البلاد.

وأكدت أن “المشروع سيكون له انعكاساً اقتصادياً واجتماعياً ملموس على الاقتصاد العراقي لمشاركته الفاعلة والمتوقعة بحل جزء من مشكله التوسع السكاني المتزايد وما يرافقه من حاجة ملحة للسكن إلى جانب مشاركته الفاعلة في امتصاص نسبة من البطالة من خلال توفير فرص عمل متنوعة وكبيرة في هذه المشاريع”.

ويرى خبراء اقتصاديون أن إنشاء العاصمة الإدارية سيخلّص بغداد من الفوضى الحاصلة فيها حالياً نتيجة هجرة الملايين إليها بعد عام 2003 من محافظات مختلفة وبروز نحو 1000 مجمّع عشوائي داخل العاصمة، يعيش فيها أكثر من 3 ملايين شخص.

الخبير الاقتصادي، “نعمان علام”، يرى أن العراق بحاجة إلى مدن جديدة قبل الانفجار السكاني، وهذا يأتي بسبب الزيادة المهولة، في عدد السكان، والضغط الذي يحصل على البنى التحتية، والخدمات، مثل الصرف الصحي، والتيار الكهربائي، وغيرها، ما يحتم إعادة النظر، وتكرار تجربة بعض الدول الأخرى، مثل القاهرة، التي بنت عاصمة إدارية جديدة، لكنه يشدد على ضرورة إبعاد الفساد والمفسدين عن مثل تلك المشاريع، فشبح التوقف، يخيم على كل المشروعات، ما يحتم على الجهات الرقابية، مثل مجلس النواب، وهيئة النزاهة، التأهب دوماً، ومتابعة تنفيذ تلك هذه المشاريع، لما تمثله للبلاد من إنهاء أزماته السكانية.

من جهة ثانية، يقول نواب من البرلمان أن منح هذه الأراضي للاستثمار سيتسبّب بتهجير 300 ألف نسمة يمتلك الكثير منهم “سندات عثمانية.

بدوره، عدّ تحالف عزم، قرار مجلس الوزراء بالموافقة على تحويل 106 ألف دونم زراعي ضمن المنطقة بمحيط مطار بغداد الدولي إلى مشروع مدينة “الرفيل”، يحمل بعداً طائفياً ويهدف إلى تغيير ديمغرافي.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.