السقوط السريع.. أسباب انهيار الجيش الافغاني أمام طالبان

طرح السقوط السريع لأفغانستان على أيدي حركة طالبان تساؤلات كثيرة عن أسباب هذا السقوط وفشل توقعات الرئيس “جو بايدن” في صمود الحكومة الأفغانية بوجه طالبان لسنوات، اذ لم تصمد القوات الأفغانية أمام هجمات “حركة طالبان” ولم تبدِ أي مقاومة تُذكر.

وتمكن حوالي 60 ألفا من مقاتلي الحركة، بأسلحة تقليدية ودون تدريب عالي، من هزيمة أكثر من ربع مليون جندي تلقوا مساعدات دولية استثنائية في الجيش الأفغاني، مزودين بكل أنواع الأسلحة الحديثة، بما في ذلك سلاح الطيران، فيما لم يقدم الجيش الأمريكي أي دعم جوي الامر الذي جعل مهمة القوات الأفغانية صعبة أمام الهجمات التي تشنها حركة طالبان.

الانهيار السريع..

رغم رصد الولايات المتحدة نحو 89 مليار دولار لتدريب الجيش الأفغاني لم تحتاج طالبان سوى أقل من شهر لدحره والسيطرة على جميع المدن الكبرى في البلاد خلال الأيام القليلة الماضية، وفرضت سيطرتها بشكل كامل المدن بعد دخول مقاتلي الحركة إلى كابول في الوقت الذي تجلي فيه الولايات المتحدة الدبلوماسيين والمتعاونين الأفغان من سفارتها باستخدام طائرات هليكوبتر.

وأكد مسؤولون أميركيون أن حكام الأقاليم في بعض الحالات طلبوا من قوات الأمن الاستسلام أو الفرار، ربما لتجنب سفك الدماء أو لأنهم متأكدون من استحالة الصمود وتجنب الهزيمة، وفي الحالات التي لم يتم التوصل فيها إلى اتفاق يبدو أن القوات الأفغانية اختفت”، لافتين إلى أن “من بين أسباب ما حدث في أفغانستان أنه في حالة انهيار الروح المعنوية ينتشر هذا الشعور سريعا”.

كما أوضحت وسائل اعلام غربية أن “الفشل المذهل يعود لعيوب داخلية في الجيش الأفغاني تفاقمت بسبب التخبط الاستراتيجي لحكومة الرئيس الأفغاني أشرف غني، واستغلال حركة طالبان محادثات السلام التي ترعاها الولايات المتحدة لخداع كابل بشأن نواياها أثناء تحضيرها وتنفيذها للهجوم”.

وأكد متابعون أن “الجيش الأفغاني الذي يقاتل إلى جانب القوات الأميركية تم تشكيله بما يتناسب مع طريقة عمل الأميركيين، اذ يعتمد الجيش الأميركي وهو الأكثر تقدمًا في العالم بشكل كبير على الجمع بين العمليات البرية والقوة الجوية واستخدام الطائرات لإعادة إمداد المواقع الأمامية، وضرب الأهداف ونقل الجرحى، وجمع المعلومات”.

يشار إلى أنه من المفترض أن تكون قوات الجيش والشرطة الوطنية الأفغانية التي يبلغ تعدادها نظريًا 350 ألف مقاتل، ومجهزة بتكلفة باهظة من قبل الولايات المتحدة والحلفاء الغربيين رادعًا قويًا لطالبان، وهذا أحد الأسباب التي دفعت بايدن عندما أعلن في أبريل عن قراره بسحب جميع القوات الأميركية من أفغانستان إلى التعبير عن ثقته في قدرة الجيش الأفغاني على الصمود.

الفساد..

في المقابل، أبدى ضباط أميركيين طوال السنوات الماضية تخوفا من أن يقوض تفشي الفساد، الذي تؤكده الوثائق في دوائر من القيادتين العسكرية والسياسية، عزم الجنود الذين يحصلون على رواتب ضئيلة ووجبات طعام غير كافية وإمدادات عشوائية، إذ ظل بعضهم شهورا أو حتى سنوات متصلة في مواقع معزولة يمكن أن تخطتفهم فيها طالبان.

وتساءل مسؤول أميركي بحسب رويترز “هل تقدم حياتك فداء لقادة لا يدفعون لك راتبك بانتظام ويهتمون أكثر بمستقبلهم؟، وهذا التحليل يعيه البعض في حركة طالبان نفسها، بينما يقول قائد في حركة طالبان في عاصمة إقليم غزني إن “القوات الأفغانية لم تكن لديها عقيدة قتالية سوى التكسب من الأميركيين، والسبب الوحيد للسقوط غير المتوقع للأقاليم هو عزمنا وإصرارنا وانسحاب القوات الأميركية”.

هيئة التفتيش المختصة بإعادة إعمار أفغانستان (SIGAR) نشرت تقريرا تفصيليا عن الواقع الحقيقي للجيش الأفغاني، شككت فيه بحقيقة الصورة الخارجية التي يظهر فيها هذا الجيش، مشيرة إلى أن “القادة الرئيسيين في الجيش كانوا طوال السنوات الماضية يتصرفون كأمراء حرب، ويعتبرون الجيش مؤسسة كبرى للحصول على المغانم، ويبنون من خلاله شبكات من المنافع والمحسوبيات، عبر دوائر عائلية ومناطقية، تفتقد لروح العقيدة العسكرية المتماسكة والمنظمة المؤسساتية”.

بدوره نشر مركز مكافحة الإرهاب، الذي هو مؤسسة بحثية واستشارية ضمن “الأكاديمية العسكرية الأميركية”، تحليلا عن العدد الفعلي لمقاتلي حركة طالبان، مؤكدة أنهم لا يتجاوزون 60 ألفا فقط، لكن الحركة تمكنت من عقد عشرات التوافقات مع القوى الأهلية الأفغانية، من عشائر وزعماء المناطق ووجهاء المجتمع المحلي في العديد من المناطق، الذين رصدوا آلاف المقاتلين لصالح الحركة، التي تلاقت مصالحها مع مصالح هؤلاء.

وتبعا لحسابات المركز الأميركي، فإن العدد الفعلي لمقاتلي الحركة ومؤيديها يبلغ 200 ألف مقاتل في مختلف المناطق، ولهذا فإن مقاتلي الحركة أكثر معرفة وخبرة بالمناطق الجغرافية والديموغرافية في أماكن المعارك التي ينتشرون فيها.

القوات الخاصة والمساعدات الدولية..

وفي الوقت الذي لم تبد القوات النظامية الأفغانية سوى مقاومة قليلة للمتمردين أجبرت القوات الخاصة على ملء الفراغ، الا أن الجنرال هيبة الله عليزاي (35 عاما) قائد القوات الخاصة الأفغانية أكد أن “تقلص الدعم الجوي الأميركي جعل المهمة أصعب وأكثر تعقيدا”.

العدد الإجمالي لأفراد القوات الخاصة يبقى سريا، لكن مصدرين أمنيين أكدا أنها تضم أربعين ألف عنصر في الجيش وثمانية آلاف في الشرطة وثمانية آلاف في أجهزة الاستخبارات.

وأكد “تود هيلموس”” المحلل في مركز الأبحاث الأميركي “راند كوربوريشن”: أن “العمليات الخاصة في أفغانستان صنعت على صورتنا، وهم مؤهلون ومدربون جيدا”، موضحاً أن “تدريبهم أكمل من تدريب القوات النظامية البدائي في غالب الأحيان”.

إلى جانب ذلك، لفت “هيلموس” إلى أنهم “يتعلمون التحرك معا وكذلك ممارسة تقنيات القنص والهجمات المجوقلة والمشاركة في تمارين بالذخيرة الحية”، مؤكداً أنه “يتعين علينا بالطبع تدريب هذه الوحدات حتى يعرف أفرادها كيف يقاتلون بمفردهم ولا يبقوا بحاجة إلينا”.

بدوره، قال الجنرال المتقاعد “دانيال بولجر” الذي قاد مهمة التحالف بقيادة الولايات المتحدة لتدريب القوات الأفغانية في 2011-201، “سحبت الولايات المتحدة دعمها الجوي والاستخبارات والمقاولين الذين يشغلون الطائرات والمروحيات الأفغاني، يعني أن الجيش الأفغاني ببساطة لم يعد قادرًا على العمل، ولقد حدث الشيء نفسه مع محاولة أميركية فاشلة أخرى وهي الجيش الفيتنامي الجنوبي في السبعينيات”.

وأشار الجنرال “”بولجر” الذي يدرّس التاريخ في جامعة ولاية كارولينا الشمالية: “هناك دائمًا ميل لاستخدام نموذجك الخاص للتدريب وعندما تبني جيشًا من هذا القبيل، ومن المفترض أن تكون شريكًا مع قوة متطورة مثل الجيش الأميركي لا يمكنك سحب الأميركيين فجأة لأنهم بعد ذلك (الأفغان) يفقدون المساعدة اليومية التي يحتاجونها”.

يذكر أن الانسحاب الأمريكي جاد بعد عشرين عاماً على غزو تحالف بقيادة الولايات المتحدة أفغانستان بسبب رفض تسليم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، في أعقاب اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر 2001.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.