السودان وانتقاد مفاوضات سد النهضة.. تغير في المواقف وتكتيكات جديدة

أثار إعلان الخرطوم قبل أيام عن عبثية مفاوضات سد النهضة الجارية مع أثيوبيا والتي تعمل عليها مصر، موجة تساؤلات حول الموقف الحقيقي للسودان من تلك القضية المصيرية التي باتت خطًا أحمر للأمن المائي والقومي المصري.. ويبدو أنها كذلك بالنسبة للسودان

حيث تصر أديس أبابا على ملء السد لتوليد الكهرباء، حتى لو لم تصل إلى اتفاق مع القاهرة والخرطوم، الأمر الذي ترفضه الأخيرتان، خشية التداعيات.

كما تتخوف مصر من تأثير سلبي محتمل للسد على تدفق حصتها السنوية من مياه نهر النيل، البالغة 55.5 مليار متر مكعب.. أما مخاوف السودان فتختلف وفق المحللين بين فوائد محتملة وأضرار متوقعة على سدود البلاد وحصصها المائية..

لا جدوى من التفاوض

في الأيام الأخيرة من شهر نوفمبر تشرين ثاني الماضي، أعلن “ياسر عباس” وزير الري والموارد المائية السوداني‎، أن الخرطوم قررت عدم مواصلة التفاوض حول سد “النهضة” الإثيوبي “وفق المنهج السابق”.

تصريحات جاء بعد اجتماع سداسي عبر دائرة تلفزيونية، بين وزراء الخارجية والري من السودان ومصر وإثيوبيا.. حيث بحث الاجتماع، طرق الوصول إلى آلية لاستئناف المفاوضات الثلاثية، بهدف التوصل إلى اتفاق ملزم قانونًا حول ملء وتشغيل السد، وفق ما أكده حينها الموقع الإلكتروني لصحيفة “أخبار اليوم” المصرية الرسمية.

الوزير السوداني ‎وفي مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم قال موضحًا: “أكد السودان، خلال الاجتماع، عدم مواصلة التفاوض بشأن سد النهضة وفق المنهج السابق، وطالب بالعودة إلى الاتحاد الإفريقي لاعتماد دور الخبراء ودفع المفاوضات سياسيا، وصولا لاتفاق مرضٍ لكل الأطراف”.

ليوضح أن “رئيسة الاجتماع، وزيرة التعاون الدولي بدولة جنوب إفريقيا، رئيسة الدورة الحالية للاتحاد الإفريقي، وفي مخالفة إجرائية واضحة، مضت في الدعوة لمواصلة التفاوض لمدة 10 أيام قادمة”.

ثم أضاف أن السودان ترى “هذا الأمر غير ذي جدوى، وتمت تجربته في السابق مرارا دون تقدم يذكر”.

لكنه استدرك بأن السودان أكد خلال الاجتماع “تمسكه بالعملية التفاوضية، برعاية الاتحاد الإفريقي، للتوصل إلى اتفاق ملزم برضا جميع الأطراف بمنهجية جديدة تمنح دورًا أكبر لخبراء الاتحاد الإفريقي لتقريب وجهات النظر بين الدول الثلاث”.

مردفًا أن “مصر وإثيوبيا أصرتا على مواصلة التفاوض بالأساليب المجربة التي وصلت إلى طريق مسدود في السابق”.

وكانت الخرطوم أعلنت، في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، اتفاق وزراء الري في الدول الثلاث على إنهاء جولة مفاوضات انطلقت مطلع الشهر، وإعادة الملف إلى الاتحاد الإفريقي.

وزارة الري السودانية، وبحسب بيان لها حينها، قالت إن “هذه الجولة عجزت عن إحراز أي تقدم ملموس، والاتفاق حول الدور الذي يلعبه الخبراء في التفاوض ومنهجيته ومساراته والجدول الزمني له”.

رغم ذلك لا تدويل

وزير الخارجية السوداني المكلف عمر قمر الدين، أكد قبل أسبوع في تصريحات للتلفزيون السوداني، أن استخدام القوة في مفاوضات سد النهضة “مرفوض ولا تدعمه السودان”، ليشير إلى أن بلاده “لا تنوي تدويل قضية سد النهضة الآن، وهي مُصرّة على استكمال طريق المفاوضات”.

حيث أشار قمر الدين أن “الولايات المتحدة كانت وسيطًا في مفاوضات سد النهضة، والجانب المصري كان أكثر حرصًا على استمرار هذه الوساطة”.

كما نوّه “قمر الدين” أن إثيوبيا: “سوّقت عنصر الاتفاقات الاستعمارية لصالحها في مفاوضات سد النهضة”، لكنه أكد أن “الاتفاقات الاستعمارية، تظل مُلزمة، وستلتزم بها الدول”.. ليوضح: “الوقت ليس في صالحنا، باعتبار أن ملء سد النهضة الثاني سيبدأ في الخريف المقبل”، مشيرًا إلى أن القاهرة “استطاعت أن تجعل من قضية الأمن المائي، قضية أمن قومي”.

الخطر على السودان

في تصريحاته لمجلة “المجلة” قال الكاتب الصحافي والمحلل السياسي السوداني، خالد هاشم خلف الله، إن: “السودان لا يرى أي نتائج مثمرة حتى الآن من المفاوضات حول سد النهضة، لأنه بدأ يستشعر خطر السد الإثيوبي على تشغيل سدوده، وخزاناته، خاصة سد الروصيرص الذي لا يبعد سوى 100 كيلومتر من سد النهضة الإثيوبي، وهو ما أكده وزير الري السوداني ياسر عباس خلال تصريحات له قال فيها، إن سد الروصيرص لا يمكن تشغيله دون تبادل معلومات يومي مع سد النهضة وإثيوبيا لا تريد أن توقع على أي اتفاق يكون ملزمًا لها خاصة فيما يتصل بتشغيل سد النهضة، وأعتقد أن السودان وصل لقناعة مفادها أن إثيوبيا تريد كسب الزمن، وأن تظل تشارك في مفاوضات لا تفضي لشيء، لتضع السودان، ومصر أمام الأمر الواقع، وللأسف فإن الوضع السياسي السائد حاليًا في السودان يفرغ أيدي السودان من أوراق ضغط يمكن أن تشهرها في وجه إثيوبيا”.

يتابع المحلل: “لكن إلحاح الجانب الفني من الوفد السوداني المشارك في المفاوضات حول سد النهضة ربما يدفع القيادة السياسية للتشدد مع إثيوبيا لتقديم تنازلات تتعلق بسد النهضة، خاصة مع اندلاع النزاع في إقليم تيغراي الإثيوبي المتاخم للسودان، ولجوء أكثر من 50 ألف إثيوبي أغلبهم من قومية التيغراي للسودان مؤخرًا بسبب هذا النزاع، كما بدت مؤشرات عدم استقرار في إقليم بني شنقول الإثيوبي، والذي شيد على أرضه سد النهضة، وهو تاريخيا كان جزء من السودان وكثير من سكانه ما زالوا يحتفظون بأواصرهم مع السودان، لذا يمكن للسودان بحكم مجاورته لمناطق التوتر الإثيوبية في إقليمي تيغراي، وبني شنقول، أن يمارس ضغوطا على الجانب الإثيوبي تدفعه لتقديم تنازلات في ملف سد النهضة”.

خلاف الرؤى مع القاهرة

من ضمن موجة التساؤلات عن مغزى التصريحات السودانية، يقفز تساؤل حول طبيعة العلاقة مع مصر في قضية السد وانحياز الخرطوم لأي جانب من طرفي الأزمة.. حيث رجح بعض المراقبين تراجع التنسيق بين القاهرة والخرطوم في التعاطي مع أزمة سد النهضة، بعد التصريحات سودانية الملمحة بعدم إمكانية الاستمرار في المفاوضات “إلى الأبد”.

خبير العلاقات الدولية “سيد أبو الخير” في تصريحات إعلامية رصدها “مينا” أكد على وجود تباين فعلي بين الموقف المصري والسودان، حيث أوضح أن: “السودان يريد وضع حد وسقف زمني للتفاوض، أمة الموقف المصري أقرب إلى الموقف الإثيوبي، لأن مصر تأخذ المفاوضات هدفًا في حد ذاتها”.

ليبيّن الخبير حيثيات ذلك بقوله: “السودان يريد الحفاظ على حصته وأمنه المائي، أما مصر فلا تريد ذلك، وهنا نشأ اختلاف الهدف من المفاوضات”.

ثم أوضح: “الموقف السوداني يكشف النظام المصري، ويبين حقيقته أنه غير جاد في المفاوضات بشأن سد النهضة، ما يسبب له حرجا في الشارع المصري، لأن هدف المفاوضات مختلف بين كل من مصر والسودان”، ليؤكد على احتمالية أن تتجه الأمور بين القاهرة والخرطوم إلى الافتراق ونهاية التوافق بينهما، رغم التدريبات العسكرية المشتركة بين البلدين.

أما “عبد الله الأشعل” مساعد وزير الخارجية الأسبق: “هناك تباين كبير بين الموقف المصري والسوداني”، ليؤكد من وجهة نظره أن الخرطوم تعرف أهدافها ومطالبها، وهي تتحرك وفق رؤية واضحة.

الأشعل في تصريحات صحفية أوضح: “يدرك السودان أن سد النهضة سوف يعود عليه بالإيجاب من ناحية، وهو يحاول أن يحافظ على حصته في المياه من ناحية أخرى”.. ذلك على عكس الموقف المصري الذي “لا يعرف ماذا يريد”.

في حين يشوب الغموض قضية استمرار التنسيق بين البلدين، فأوضح الأشعل: “للأسف، الموقف السوداني غريب، وليس واضحًا بالنسبة لمصر، بل يصل إلى حد التلاعب بها أحيانا، والأكثر من ذلك أنه ربما يكون متواطئا مع إثيوبيا لاكتمال بناء السد، لأن له مصلحة في ذلك”.

معتبرًا أن الطرح الأخير للسودان يؤكد ذلك بوضوح؛ لأن “معظم هؤلاء لهم مصلحة أيضًا في بناء سد النهضة، باعتبارهم من دول حوض النيل، وهذا يعود بالضرر على مصر بالتأكيد” .

في حين يرتبط مستقبل العلاقة بين القاهرة والخرطوم بعدة جزئيات تتجاوز قضية السد نفسها، حيث عزز مساعد وزير الخارجية الأسبق فرضية وجود “ارتباك” و”عدم استقرار” بهذه العلاقة تاريخيًا، بسبب الحساسية بين البلدين، خاصة من جانب السودان تجاه مصر، سواء بسبب وضعه السابق وتبعيته لمصر، أو ما استجد بين البلدين بشأن قضية حلايب وشلاتين.

رفض مصري

طلبت الخرطوم بداية الشهر الماضي أن تسمح الدول الثلاث لدور أكبر للمراقبين الفنيين الأفارقة يتجاوز عن دورهم السابق، الذي كان يعتبرهم مراقبين غير شركاء في الأحداث، حيث طلبت السودان أن تقوم لجنة من الخبراء الفنيين والقانونيين الأفارقة بكتابة بنود الاتفاقية الفنية والقانونية التي يجب على الدول الثلاثة مناقشاتها”. الأمر الذي رفضته مصر وأثيوبيا

“محمد حافظ” خبير السدود، الذي أكد في تصريحات إعلامية على اختلاف الرؤيا السودانية عن المصرية بشأن مصير مفاوضات سد النهضة، والتي زادت مؤخرًا بعد فشل جولة المفاوضات الأخيرة، ما يوضح “الواقع المزري”.. أوضح علة الرفض الدولة المصري للاقتراح السوداني، لسببين أولهما: أن هذا الاقتراح جاء مباشرة بعد زيارة رئيس المجلس السيادي السوداني لإثيوبيا، ولقائه مع آبي أحمد؛ لمناقشة قضية سد النهضة، وأن هذا الأمر يجعل الدولة المصرية تتشكك في نيّة السودان، وترى من خلف السودان الشبح الإثيوبي، وهو يملي مطالبه على الخبراء الأفارقة.

السبب الثاني أن الدولة المصرية لا تثق في الخبراء الأفارقة؛ لكونهم قادمون من دول حوض النيل، وأن كل دولة من دول هذا الحوض تنتظر لحظة انتصار إثيوبيا على مصر في قضية سد النهضة حتى تبدأ في بناء سد النهضة الخاص بها”.

وحول اتجاه الأمور في الفترة المقبلة بين القاهرة والخرطوم، أكد حافظ على أن موقف الدولة المصرية المتشكك حول المطلب السوداني قد يكون به حق، فهم يعلمون الخلفية السياسية التي تمخض عنها هذا الموقف.. فظاهريا الموقف السوداني قد يبدو فيه منطقية أشد؛ لذلك فإنني أعتقد – والكلام لحافظ- أن الأمور بين السودان ومصر اليوم مبنية على موقف بحاجة إلى “الصبر في لعبة عض الأصابع التي يمارسها الطرفان”.

خلاف مستمر رغم التقارب

عاشت علاقات مصر بالسودانية تقاربًا متسارعًا خلال الأشهر القليلة الماضية، وفق مؤشرات عديدة أكدها في تبادل زيارات رفيعة المستوى بين البلدين، وقيام مصر بتقديم مساعدات للخرطوم من خلال جسر جوي استمر لأسابيع بعد الدمار الذي خلّفه الفيضان في معظم مدن “السودان النيلي” في أغسطس آب الماضي..

ومؤخرًا استضافت قاعدة مروي الجوية السودانية المناورات المشتركة الأولى من نوعها منذ عقود بين الجيشين المصري والسوداني، للتدريب على مهام مشتركة ضد “أهداف معادية”.. في خطوة رأى فيه مراقبون رسالةً واضحة الدلالة على تقارب مواقف القاهرة والخرطوم، إن لم يكن تلويحًا بخيارات بديلة للمفاوضات المتعثرة.

بيد أن الاختلاف وعدم اتفاق وجهات النظر بقي مستمرًا بين مصر والسودان منذ اقتراح الأخيرة منح دور أكبر للمتخصصين والخبراء من الاتحاد الأفريقي في صياغة البنود العالقة في اتفاق ملء وتشغيل “سد النهضة”.. حيث تجدد الخلاف أثناء اجتماع سابق أواخر شهر نوفمبر تشرين الماضي، حين رفضت القاهرة المقترح السوداني الذب أيّدته إثيوبيا.. بالتوازي مع تشكيك المعنيين بالملف المائي في القاهرة بقدرة خبراء الاتحاد على التوصل إلى صيغة توافق مقبولة من أطراف النزاع بعد سنوات من المفاوضات المتعثرة، التي شهدت من قبل فشل تكليف البلدان الثلاثة مكاتب استشارية دولية لإعداد دراسات حول آثار السد المائية والاقتصادية والاجتماعية، وعدم توافقهم على المسودة التي أعدها خبراء البنك الدولي ووزارة الخزانة الأميركية خلال جولة التفاوض التي رعتها برعاية الولايات المتحدة على أرضها في شباط فبراير الماضي.

لتأتي تصريحات وزير الري السوداني ياسر عباس تحفظ بلاده على الاستمرار بالنهج ذاته، معتبراً أن “لا فائدة من الاجتماع المرتقب” الذي تقرر على الرغم من تحفظ بلاده.. رغم تأكيد الخرطوم عدم اللجوء إلى “تجميد المفاوضات” أو الانسحاب من الجولة المقبلة..

ليس جوهريًا

“أحمد المفتي” أستاذ القانون الدولي، وعضو فريق التفاوض السوداني سابقًا، قال – بحسب إندبندنت عربي- إن “الشرط السوداني لاستئناف المفاوضات غير مجدٍ ويعني أن السودان اختار أن يعزل نفسه لسبب غير وجيه، إذ سبق أن رفضت إثيوبيا المسودة التوافقية التي اقترحتها الولايات المتحدة بمشاركة البنك الدولي، فهل ستقبل مسودة خبراء الاتحاد الأفريقي؟” يتساءل المفتي .

ليعتبر في الوقت ذاته أن “انسحاب السودان المشروط من تلك المفاوضات مطلوب إذا كانت المشروطية تتعلق بضمانات حول إلزامية الاتفاق المرتقب ووقف إنشاءات السد والخطوات الأحادية إلى حين الوصول إليه”.

أما الباحث السوداني “إبراهيم ناصر” وبحسب ذات المصدر، يرى أنه أصبح هناك “تطابق شبه كامل” في موقفي مصر والسودان من أزمة سد النهضة، “نتيجة رفض أديس أبابا للدعوات السودانية المتكررة لإيجاد حل سواء من خلال دفع المفاوضات سياسيًا عبر وساطة وتدخل مباشر من قبل القادة في ظل الجهود والاتصالات والزيارات الأخيرة التي قام بها كل من رئيس المجلس السيادي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان ورئيس الحكومة عبد الله حمدوك، أو من خلال مقترح تفعيل وساطة الاتحاد الأفريقي ودور خبرائه المعنيين بالملف المائي، ما جعل السودان أقرب إلى الموقف المصري بعد أن “أحرجت إثيوبيا قادة الخرطوم”، خصوصًا من خلال خطواتها الأحادية المرفوضة سودانيًا ومصريًا”.. موضحًا أن “الخلاف بين القاهرة والخرطوم حول الأمور الإجرائية في المفاوضات ليس جوهريًا، ولا يعني اختلاف مواقفهما من الأزمة برمتها وما تمثله من تهديد مشترك للجانبين”.

تغيير نهج التفاوض

أشار “عباس الشراقي” أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا بكلية الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة في تصريحات خاصة لـ مجلة “المجلة” إلى: أن السودان خلال الاجتماعات السابقة الخاصة بمفاوضات سد النهضة طالب بتغيير طريقة التفاوض، وإلا فلن نصل إلى نتيجة، وطالب بوجود جدول زمني للمفاوضات، وأن يكون هناك دور للمراقبين بحيث يمكنهم وضع المقترحات والوصول إلى حلول وسط”

وفي الحقيقة – الكلام للشراقي – هذه الطلبات كانت مصرية أيضًا، ولكن السودان كان قد عرض أن يكون المراقبون فقط من الاتحاد الأفريقي، وهو ما رفضته مصر، وإثيوبيا، حيث إن المراقبين الأحد عشر المشاركين في مراقبة المفاوضات يتبعون الاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، والولايات المتحدة الأميركية، فلماذا نقوم بتفعيل دور مراقبي الاتحاد الأفريقي فقط، على الرغم من وجود كفاءات كبيرة في بقية المراقبين، وما حدث بعد ذلك من توترات في الداخل الإثيوبي عرقل إتمام المفاوضات.

ليتابع الخبير: “لا أعتقد أن السودان يرفض التفاوض، ولكنه يطالب بتغييرات على آلية التفاوض، خاصة مع ما يبديه الجانب الإثيوبي من التعنت حيث طلب في مرحلة سابقة عدم منح المراقبين فرصة التحدث وإبداء الرأي إلا إذا طلب منهم، إضافة إلى استبعاد وزراء الخارجية، وأن تقتصر اللقاءات فقط على وزراء الري، وذلك لتفادي ما حدث في واشنطن من أن يصبح المراقبون وسطاء، وكانت جميع هذه الأشياء سلبية تشير إلى أن مصير المفاوضات هو الفشل، والرفض السوداني لتمديد المفاوضات ليس رفضًا نهائيًا، ولكنه من وجهة نظر سودانية يهدف إلى الضغط للوصول إلى صيغ للتفاهم، وذلك في ظل تجميد الوضع الحالي من وقف الاجتماعات خاصة وأن رئاسة جنوب أفريقيا للاتحاد الأفريقي سوف تنتهي بنهاية هذا الشهر، وتولي الكونغو رئاسة الاتحاد، وأنا أطالب المفاوض المصري بعدم الارتكان إلى الاتحاد الأفريقي الذي ثبت فشله في المفاوضات، والاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي، والذي قد يسهم في جدية المفاوضات” بحسب الأستاذ الجامعي.

ليوضح الشراقي: لا تزال المياه تتدفق من القطاع الأوسط لسد النهضة وليس هناك دليل على فتح البوابات الأربع في السد لتجفيف القطاع الأوسط وتعليته وحجز المزيد من المياه، كما أشيع خلال الأيام الماضية، والسودان طرف مهم في المفاوضات، ولو أن موقفه منذ البداية كان متقاربًا مع الموقف المصري لكان قد شكل ضغطا على المفاوض الإثيوبي، ولكنه لم يتقارب مع الموقف المصري إلا مؤخرًا، عندما أيقن أن هناك مخاطر حقيقية على السودان من سد النهضة، وضرورة الوصول إلى اتفاق ملزم مع إثيوبيا، التي ترفض حتى الآن القبول بأي اتفاق ملزم، وأضاف، أن إثيوبيا كان من المفترض أن تقوم بفتح البوابات منذ شهر تقريبًا، وصرف المياه الزائدة عن 5 مليارات متر مكعب أمام السد لتجفيف الجزء الأوسط، وتعليته لحجز مياه إضافية في الفيضان القادم، ولكن لم تتم هذه الخطوة حتى الآن، لعدة أسباب: أهمها، الحرب الداخلية في إقليم تيغراي الإثيوبي، وردود الفعل المصرية، والتحركات الأخيرة التي كان أهمها إجراء مناورات عسكرية مع السودان، وزيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لجنوب السودان.. كانت رسائل مهمة موجهة إلى الجانب الإثيوبي، إضافة إلى الموقف الاقتصادي السيئ في إثيوبيا.

كل تلك العوامل – بحسب الشرقاوي- أدت إلى تباطؤ العمل في سد النهضة خاصة في الجزء الأوسط وهو ما يهمنا، حيث إنه إذا تم تجفيفه وتعليته فهذا يعني اعتزامه حجز المياه خلال الصيف القادم، ولكن هذه الخطوة لم تتم حتى الآن، وهناك مطالب مصرية بعدم تعلية الجزء الأوسط دون اتفاق، لأن تعليته تعني حجز المياه بشكل إجباري، ولا بد من منعه من التعلية، بأي شكل حتى الوصول إلى اتفاق، لأن ذلك يعني حجز 18 مليار متر مكعب إضافية، وأمام إثيوبيا 6 أشهر يمكنها خلال هذه الفترة تعلية القطاع الأوسط من السد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©