السويداء في دائرة خطر داعش

وحدة استطلاع الرأي في مرصد مينا

قيادات داعشية تصدّرها فروع الاستخبارات السورية إلى الجنوب السوري، والخوف من تسويات دولية تشبه مصير الشمال السوري.

المدخل

في الأول من رمضان من عام 2014، أعلن عن تنظيم دولة الخلافة الإسلامية في بلاد الشام والعراق (داعش)، واحتل مدناً ومناطق في سوريا والعراق، وأينما حلّ، حلّ معه الخراب والدمار والقتل والتكفير والتهجير. ثم أعلنت الولايات المتحدة إنشاء تحالف دولي ضد التنظيم وتحت شعار محاربة الإرهاب، ثم أعلنت روسيا تحالفاً أيضاً ضد الإرهاب وضد تنظيم داعش في سوريا.

أنشأت الدول معظمها تقريباً قواعد عسكرية في سوريا بحجة محاربة الإرهاب، فبعد أن تمدد تنظيم داعش في سوريا والعراق، عاد إلى الانحسار بعد مضي أربعة سنوات تقريباً على إعلان تأسيسه، وبقي في مناطق محددة وقليلة التوزع في كل من سوريا والعراق.

داعش تظهر شرق السويداء

بعد اتفاق مخيم اليرموك بين الدولة السورية وتنظيم داعش، نُقل مئات من مقاتلي داعش إلى شرق محافظة السويداء، وذلك في يوم الإثنين 21/5/2018, بحسب الاتفاق الذي يقضي بنقل عناصر داعش من مخيم اليرموك إلى البادية. وبحسب ما رآه شهود عيان في البادية، فإن عشرات الشاحنات والسيارات، وصلت إلى منطقة الأشرفية والعورة على بُعد أقل من عشرة كيلو مترات عن ريف السويداء الشمالي الشرقي.

وأوضح الشهود بأن الشاحنات التي تقل عناصر التنظيم دخلت من ريف دمشق إلى منطقة بير قصب ثم إلى بلدة الأصفر شمال شرق السويداء, ومنها إلى قرية الساقية الخاضعة لسيطرة الجيش السوري, ثم إلى منطقتي الأشرفية والعورة.

وأكدت الأنباء الواردة من تلك المناطق، أن رتلاً كبيراً يُقلّ عناصر التنظيم كان تحت حراسة مشددة من الجيش السوري ويحوي عشرات الشاحنات وسيارات مختلفة الأحجام، تحوي المقاتلين المنقولين بعد اتفاق المخيم. وقد نقلها عناصر من الجيش السوري عبر قرى السويداء إلى إحدى قطعات الجيش السوري.

من الجدير ذكره أن الجيش السوري أعلن إبرام اتفاق مع مقاتلي تنظيم داعش في منطقة الحجر الأسود ومخيم اليرموك جنوب العاصمة دمشق، يقضي بنقل عائلاتهم إلى محافظة إدلب ونقل مقاتلي داعش الذين يقدر عددهم بـ 1200 مقاتل مع أسلحتهم إلى البادية السورية من دون تحديد وجهة معينة.

تجدر الإشارة إلى أن قرية الأشرفية ومنطقة العورة تقعان شمال شرق محافظة السويداء على بعد حوالى 8 كم من قرية بارك في ريف السويداء وتعتبر امتداداً لنفوذ التنظيم في منطقة الصفا شرق المحافظة. وكانت مصادر محلية متعددة في بادية السويداء قد أكدت ظهور عناصر من تنظيم داعش ويُقدر عددهم بمئات، بدؤوا بالتحرك والظهور في الشهر العاشر من العام الماضي 2017، في منطقة الصفا والوعر، وهم مزودون بأسلحة خفيفة ومتوسطة.

أبرز القيادات الداعشية

مصدر من السكان المحليين في بادية السويداء، يقول لنا بأنه شاهد عناصر من داعش في المناطق المذكورة وأوضح أن معظمهم في هذه المنطقة من أبناء البادية وأغلبهم من عشيرة (الجملان).

وقالت مصادر مقربة من العشيرة المذكورة، إن عناصر التنظيم هناك يتزعمهم ثلاثة شخصيات هم (أبو عناد الجميلي) و(همام السبتي) وشخص من مدينة العتيبة وهو من قيادات (لواء الشباب الصادقين) سابقاً، الذين انخرطوا في داعش عام 2014، إضافة إلى وجود شخصيات أخرى من أبناء البادية كـ (نايل البصير) و(علي جربوع البصير) و (أبي علي أحمد المطلق) وهو من عشائر الغوطة، كان يتبع للواء الشباب الصادقين عام 2014، وانضم إلى داعش عند مبايعة الفصيل المذكور، وارتكب عدداً من جرائم القتل والخطف في ريف السويداء الشرقي، إضافة إلى المدعو (أبا جبر حاتم السحيمان) وهو من قرية الساقية في ريف السويداء الشمالي الشرقي كان أيضا من عناصر الفصيل ذاته (الشباب الصادقين) وبايع داعش عام 2014 ويعتبر هذين الاسمين من الشخصيات البارزة في داعش عندما كانت تسيطر على منطقة (بئر قصب).

تعزيزات من دير الزور

في روايات لمصادر محلية من سكان المنطقة، أشاروا إلى أن العناصر التي تختبئ في منطقة الوعر والصفا هي من العناصر التي سبق أن انسحبت من بئر قصب في نهاية الشهر الثالث من عام 2017. وأنهم اختبؤوا في منطقة الوعر والصفا، إذ رجحت تلك المصادر أنهم اختاروا هذه المنطقة نظراً إلى وعورتها الشديدة في ما يبدو، حيث يصعب على السيارات العادية والآليات العسكرية التقليدية دخولها. وأن تعزيزات عسكرية كانت تصل إليهم من دير الزور عبر البادية الشرقية، وبادية الحماد التي يسيطر على معظمها الجيش السوري وقوات عراقية وإيرانية.

وقد رُصد نشاط محدود لهم في المنطقة، كان أولها زرع التنظيم ألغاماً في منطقة تصل بين (بئر العورة) القريبة من مناطق سيطرة الجيش السوري و(الوعر) التي يسيطر عليها التنظيم، أما الظهور الأبرز فكان تسلل عنصرين من التنظيم إلى منطقة (الكراع) المتاخمة لقرى السويداء الشرقية التي يوجد فيها مئات المدنيين من أبناء البادية، ولا تخضع لسيطرة عسكرية واغتيالهم (ذي الهمة الجميلي) وهو تاجر سلاح. إلا أن عناصر التنظيم لم يهاجموا، أو يشاركوا في مهاجمة أي قوة عسكرية سواء تابعة للجيش السوري أم المعارضة، بل فضلوا الانزواء في مخابئهو، ما أوحى بأن تجمع هؤلاء العناصر هو جزء من الخلايا النائمة لتنظيم الدولة الإسلامية. وعلى الرغم من وضع الجيش السوري والقوات الحليفة له هذه المنطقة تحت سيطرتهم على الخرائط العسكرية كافة، إلا أن الواقع يفيد بأن القوات العسكرية لم تدخل إلى المنطقة حتى اليوم، بل ظهرت فيها خلايا لعناصر داعش الذين انسحبوا من منطقة بئر قصب ولم تشهد أي محاولات اقتحام حتى اليوم من الجيش وحلفائه.

صلاتهم بالاستخبارات السورية

ذكر بعض أبناء بادية السويداء أن لديهم شكوكاً حول علاقة ما تربط ما بين هذه الخلايا والاستخبارات السورية خصوصاً بعد بقاء شخصيات بارزة من تنظيم داعش في مناطق سيطرة الجيش السوري في بادية السويداء بل تسلم بعضهم مناصب في المصالحات. كما ذكرت معلومات متقاطعة من أبناء قرى ريف السويداء الشمالي الشرقي (الساقية وشنوان) أن اسمين على الأقل يثيران الشك وهما من المعروفين بعملهما ضمن قوات تنظيم داعش، الأول هو:

(مفلح فنخور السحيمان) يتجاوز عمره أربعين عاماً وينحدر من قرية الساقية في ريف السويداء الشمالي الشرقي, درس العلوم السياسية في سوريا, وكان مسؤولاً عن حلقة سياسية ضمن صفوف (حزب البعث) في منطقة وجوده قبل الحرب.

ومع سيطرة داعش على بئر قصب وشمال شرق السويداء في نهاية عام 2014, عين التنظيم (مفلح) إماماً لجامع الساقية الذي أطلقت من منبره عشرات الفتاوى التحريضية لذبح الكفار والمرتدين وإقامة الخلافة, وعلاقة وطيدة كانت تربطه بالتنظيم، الذي سلمه رشاش (بي كي سي) في منتصف عام 2015 خلال هجمات التنظيم على قرى ريف السويداء الشرقي (الحقف، شقا، الجنينة).

بعد انسحاب التنظيم شكلياً، بقي (مفلح) في المنطقة التي سيطرت عليها المعارضة آنذاك، ثم سيطرة الجيش السوري عليها ليصبح (السحيمان) المفتي بالقتل والذبح أيام داعش, مسؤولاً عن المصالحات بين أبناء المنطقة والحكومة السورية، بل يطرح عروضاً لانتساب بعض أبناء المنطقة إلى فرع الاستخبارات العسكرية. إضافة إلى مفلح الذي لم ينسحب مع رفاقه من عناصر داعش باتجاه البادية أو دير الزور، اسم آخر لا تعرف المصادر في المنطقة سوى اسمه الحركي في داعش (أبو بكر) والعشيرة التي ينتسب إليها هي عشيرة (النعيم) من محافظة القنيطرة, نظراً إلى أنه كان يشغل منصباً مهماً في التنظيم.

أمير حسبتهم ضابط في الاستخبارات الجوية

أكد عدد من شهود العيان في المنطقة أنه توجه إلى مناطق سيطرة الحكومة السورية قرب قرية (الشقرانية) على أوتوستراد دمشق السويداء في اليوم ذاته الذي انسحب فيه تنظيم داعش من منطقة بئر قصب, لتنتشر عقبها شائعات في المنطقة أن (أبا بكر) أمير حسبة داعش ضابط من الاستخبارات الجوية السورية.

جدير بالذكر أن تنظيم داعش سيطر على بادية السويداء وريفها الشمالي الشرقي ومنطقة بئر قصب في نهاية عام 2014, إذ أطلق على هذه المنطقة اسم (قاطع بئر قصب) وضمها إلى ولاية (دمشق), لكنه انسحب منها بشكل مفاجئ، إذ انتزع الجيش السوري وحلفاؤه هذه المناطق منهم ليتبين مع الأيام أنه ما يزال بعض من عناصر داعش موجودين فيها كخلايا نائمة.

داعش يستعيد نشاطه مجدداً شرق السويداء ويستهدف مواقع للجيش السوري

لقي ضابط من الجيش السوري حتفه وأصيب ثلاثة عناصر آخرين إثر انفجار لغم بسيارة تقلهم على طريق الزلف شرق السويداء. وقالت مصادر مطلعة إن لغماً أرضياً انفجر بسيارة تابعة للجيش السوري على الطريق المؤدي إلى سد الزلف الواقع جنوب شرق محافظة، وأوضح المصدر بأن الانفجار أدى إلى مقتل عقيد من الجيش السوري وإصابة ثلاثة عناصر بجروح خطرة نقلوا في إثرها إلى مستشفى سالي في ريف السويداء الشرقي. ورجح المصدر أن اللغم زرعه عناصر تنظيم داعش الذي يتخذ من منطقة “الصفا” القريبة من الزلف شرق السويداء مركزاً له ويسيطر على مناطق عدة في بادية السويداء.

استعاد التنظيم نشاطه في بادية السويداء خلال الآونة الأخيرة، معتمداً على عمليات التفخيخ والألغام التي يشتهر بها، إذ زرع عبوات وألغاماً في تل صعد شمال شرق السويداء ما أدى إلى مقتل عنصر من الدفاع الوطني وإصابة اثنين آخرين.

يتحركون بكامل حريتهم

وتشير الأنباء الواردة من البادية الشرقية، بأن تحركات داعش في المنطقة تزايدت في الآونة الأخيرة وبات عناصره يتنقلون بكامل حريتهم في مناطق واسعة من بادية السويداء بينها الكراع وخربة الإمباشي وقاع البنات والهبيرية والصفا.

وتُعتبر منطقة الصفا من أكثر المناطق وعورة في البادية، حيث ما تزال المقر الرئيس لعناصر داعش في ظل عدم استهدافهم من الجيش السوري أو حلفائه الموجودين في أرجاء متفرقة من بادية الحماد المحاذية لبادية السويداء، ما زاد من نشاط التنظيم.

يذكر أن الجيش السوري وحلفاءه أعلنوا سيطرتهم الكاملة على بادية السويداء صيف العام الماضي بعد مهاجمة فصائل المعارضة المسلحة فيها التي طردت داعش من المنطقة في مطلع عام 2017, ليعود الأخير إلى نشاطه مجدداً شرق المحافظة منذ أشهر عدة.

معارك كر وفر في بادية السويداء بين الجيش السوري وتنظيم داعش

اندلعت اشتباكات بين الجيش السوري وتنظيم الدولة الإسلامية في بادية السويداء مطلع فجر السبت 9/6/2018 أدت إلى خسائر بشرية ومادية في صفوف الطرفين. وأشارت الأنباء الواردة إلى أن تنظيم الدولة نفذ هجوما معاكساً خلال ساعات الفجر، سيطر خلاله على تلة عرعر وبئر العورة، ملحقاً خسارات بشرية ومادية في صفوف الجيش الذي سرعان ما استرجع البئر والتلة خلال ساعات الظهيرة. وأوضح, أن تركيز الجيش السوري اليوم على منطقة (الحصا) من محور تل (أصفر) دفعت عناصر التنظيم إلى الانسحاب مجدداً من بئر العورة وتلة (عرعر) باتجاه الحصا, بعد أن أحرز الجيش تقدماً من ذلك المحور وسيطر على (رسم الحتيتة) الواقعة شرق منطقة (سوح المجيدي) بـ 2 كم وغربي منطقة الحصا أبرز معاقل التنظيم بـ 4 كم.

ممارسات داعش في السويداء والمعارك الدائرة تدفع عشرات العائلات إلى النزوح

نزحت عشرات العائلات من بادية السويداء إلى محافظة درعا خلال الأيام الفائتة, بعد ازدياد نشاط تنظيم الدولة الإسلامية في المنطقة. وقالت مصادر في البادية إن عشرات المواطنين من أبناء بادية السويداء غادروا المنطقة خلال الأيام القليلة الفائتة باتجاه محافظة درعا, بسبب الانتهاكات التي يمارسها عناصر (داعش) في المنطقة. يأتي ذلك بعد تزايد نشاط التنظيم في المنطقة, وإعدامه ثلاثة مواطنين في البادية خلال الأسبوع الفائت بتهمة الانتماء إلى المعارضة المسلحة, واختطاف مدنيين عدة, فضلاً عن مصادرة قطيع ماشية لأحد المواطنين بتهمة العمالة للنظام السوري.

ورجحت المصادر، أن أعداد النازحين قابلة للتزايد بشكل كبير خلال الأيام القليلة المقبلة، وذلك بعد وصول مئات من مسلحي داعش إلى بادية السويداء من مخيم اليرموك في دمشق, بسبب الاتفاق الذي جرى الاثنين 22/5/2018 بين الجيش السوري وتنظيم الدولة. وشهدت بادية السويداء طلعات مكثفة للطيران الحربي السوري, نفذ خلالها غارات جوية على مناطق في عمق البادية, من دون معرفة حجم الخسارات التي خلفها القصف. هذا وتحوي مناطق (الكراع) و(الدياثة) مئات المواطنين السوريين معظمهم ينحدرون من قرى ريف السويداء الشمالي الشرقي (القصر – الساقية – الأصفر – شنوان), كانوا قد نزحوا منها في منتصف العام الماضي بعد سيطرة الجيش السوري عليها, الذي يرفض إعادة معظمهم إليها حتى اليوم.

السويداء في دائرة الخطر، والأهالي يشعرون بالتخلي عنهم

قبل وجود عناصر داعش في شرق السويداء، أو البدو الذين تدعوشوا، أي بايعوا داعش مبايعة وليسوا غرباء جاؤوا من الخارج، كانت جبهة النصرة موجودة، شرق السويداء وغربها، ولم تكن الحادثة الأشهر في استهداف التنظيمات التكفيرية لأهل السويداء وهي خطف سبعة عشر رجلاً من المحافظة عام 2013، وأبرز هؤلاء المخطوفين كان رجلاً وجيهاً من وجهاء جبل العرب وهو (أبوخالد جمال عز الدين)، وجرت تصفيتهم جميعاً، وغيرهم كثيرين ممن خُطِفوا، نقول لم تكن الحادثة الوحيدة بل الأبرز، واستمر الحال إلى هذا الوقت من خطف واستهداف إن بالعبوات الناسفة التي توضع في أماكن مرور السيارات والجرارات الزراعية للأهالي، أو إطلاق قذائف هاون أو الهجوم على بعض قرى المنطقة الشرقية لمحافظة السويداء.

لم يقتصر خطر المسلحين على الاستهداف فقط، بل دخلوا في تجارة الحشيش والمخدرات مع ضعاف الأنفس، مستغلين الوضع الاقتصادي للأهالي، وأيضاً فتح خطوط التهريب بين شرق السويداء وغربها، فبات خطر انتشار المخدرات بين الأهالي خطراً مضافاً إلى الخطر الكبير من المسلحين في ظل تعامي الأجهزة الأمنية أو تغاضيها أو تشاركها. وتُعتبر القرى الشرقية لمحافظة السويداء بدءاً من قرية ملح التي تُعتبر مركزاً للتهريب، إلى الخط الشرقي للمحافظة مروراً بقرى الكسيب والجنينية والطيبة والرشيدة، حيث يدخل إليها المسلحون ويتعاملون بالتهريب، ويعاني الأهالي في تلك المناطق خطر الرفض أو القبول، لشعورهم بتخلي الدولة عنهم.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.