
أبو بكر الرمح
في الشرق الاوسط ومنذ منتصف القرن العشرين تقريباً، لم يتوقف الخطاب السياسي عن الحديث عن الثورة والاصلاح والتغيير. وكانت الدعوات للحرية والعدالة والديمقراطية؛ وما تزال حتى اليوم العنوان الأول لكل دعاة الإصلاح؛ سواء كانت أحزاب أو حركات فكرية أو نخب ثقافية؛ قدمت نفسها بوصفها حاملة مشروع الخلاص لهذه الأمة البائسة.
لكن الملاحظة المركزية هنا؛ والتي يجب التوقف عندها ان معظم هذه المحاولات ركزت نظرها على رأس الهرم! أي على الحاكم والنظام والاجهزة، أكثر بكثير من تركيزها على المجتمع الذي يفترض أنْ يكون صاحب المصلحة الاولى في التغيير وصاحبه الحقيقي.
وهكذا ظل السؤال الاكثر حضوراً: مَنْ يحكم؟ بينما ظل السؤال الأخطر والأعمق: كيف يحكم المجتمع نفسه؟ مؤجلاً أو مهمشاً.
ماذا يحدث للمجتمع إذا انقسم بين قطيع مرهق ونخبة ضيقة؟ النتيجة ستكون حتماً مجتمعاً منقسماً على نحو حاد. حيث إنّ الأغلبية سلمت إرادتها لمن يقودها، مكتفية بملاحقة لقمة العيش وسد الجوع والخوف من الفوضى، ومقتنعة ضمنياً ان السياسة شأن النخبة؛ وهم ليسوا أهل لها.
في المقابل برزت أقليات نخبوية صغيرة، من ساسة ومثقفين وفاعلين دينيين وحزبيين شتى، معظمهم انشغل ليس ببناء مواطن حر، بل بإدارة هذا الحشد الجمعي، كما لو أنه مادة خام؛ أو قطيع يحتاج الى راع. الاستعارة الشائعة عن الراعي والقطيع لم تكن مجرد صورة أدبية، بل تحولت الى طريقة تفكير.
الراعي هنا هو السياسي، أو الزعيم الديني، أو قائد الحزب، وحتى شيخ العشيرة، والقطيع هو الناس! ومع الوقت لم يعد الراعي يكتفي بحماية القطيع أو تنظيمه، بل صار ينظر اليه بوصفه ملكية خاصة ومصدراً للنفوذ والقوة! وعندما يغضب القطيع أو يتمرد، يتحول بعض الرعاة الى ذئاب، تُعاقب وتنتقم وتعيد ضبط المجتمع بالقوة.
ولكن هل حصر الاصلاح في تغيير رأس السلطة ضرورة أم خطأ؟
من هذا المنظور يمكن فهم كيف تحولت فكرة الاصلاح الى معركة دائمة مع رأس النظام: إسقاط رئيس، تغيير دستور، حل برلمان، أو استبدال حزب حاكم بآخر.
الافتراض البسيط كان يقول: إذا تغير رأس السلطة سيتغير كل شيء تلقائياً. لكن التجربة اثبتت أنّ هذا المنطق قاصر؛ وغير دقيق!
فالسلطة النزيهة في مجتمع غارق في الفساد والزبونية؛ ستجد نفسها مضطرة إما الى مجاراة الفساد كي تبقى، أو ستسقط أمام تحالفات المصالح العميقة المتجذرة في الاقتصاد والادارة والثقافة.
وفي المقابل، مجتمع واع حي، يمتلك أدوات مساءلة وتنظيم ذاتي، لن يسمح بسهولة بترسخ سلطة فاسدة مهما حاولت أنْ تتمدد. العلاقة بين الاثنين جدلية: لا يمكن إصلاح السلطة دون إصلاح المجتمع، ولا بناء مجتمع سليم تحت سلطة استبدادية، ولكن ترتيب الاولويات هو الطريق.
والمثال الكبير لدينا هي سوريا التي تقدم نموذجاً للأسف صارخا لهذه المعضلة. فقد عاش السوريون لعقود طويلة تحت هيمنة عائلة الأسد وأجهزتها القمعية، حيث تم تفريغ السياسة من مضمونها، وتدمير الحياة الحزبية والنقابية، وإدخال المجتمع في شبكة واسعة من الخوف والفساد والولاء القسري. كان التركيز الطبيعي للنخب المعارضة هو مواجهة هذا الطغيان، ومحاولة تحطيم رأس النظام الذي احتكر الدولة والأرض والموارد.
عندما اندلعت الثورة السورية، كانت الفرصة تاريخية لإعادة بناء العقد الاجتماعي. وكان يمكن أنْ تتحول الى مشروع طويل النفس لتأسيس مجتمع جديد: تعليم مختلف، إعلام مسؤول، بنى محلية منتخبة، ثقافة مواطنة تحل محل ثقافة القطيع.
لكن الضغط العسكري، والتدخلات الإقليمية والدولية، وغياب تقاليد العمل المدني المستقل، كلها عوامل دفعت الثورة نحو العسكرة والتطييف وتكاثر مراكز القوة المحلية.
هكذا وجد السوريون أنفسهم، في كثير من المناطق، ينتقلون من قبضة عائلة حاكمة الى سلطة أمر واقع جديدة، تتغطى بشعارات دينية ممزوجة بالثورية! لكنها في الجوهر تعيد انتاج منطق العائلة والزعيم والولاء الشخصي. يتصدر المشهد قادة ميليشيات وأمراء حرب، من بينهم من بنى لنفسه شبكة سلطوية أشبه بعائلة حاكمة جديدة، وجعل من الثورة سلماً للوصول الى السلطة، التي يفترض أن تكون مشروعاً لبناء مجتمع حر.
ولكن السؤال الأهم والأخطر:
هل المجتمع المهمل فراغ يكون قاتلاً لكل محاولة تغيير؟ ما غاب في معظم هذه المسارات هو العمل الجاد على المجتمع نفسه: على الحي والقرية والمدينة، على المدرسة والمنهاج، على الجامعة والنقابة، على قيم العمل العام والتطوع والمساءلة، على الإعلام المحلي الحر، على الاقتصاد الصغير والمتوسط الذي يمنح الناس استقلالية عن شبكات الزبائن والولاءات.
حين يظل المجتمع غارقاً في الجهل السياسي، وفي ثقافة الخوف والاتكالية، يمكن لأي سلطة أنْ تعيد انتاج نفسها ولو غيرت اسمها ولغتها وشعاراتها. وعندما تبقى الجماهير محصورة بين هم البقاء اليومي واحتياجات المعيشة، وغياب الادوات المنظمة للتأثير، فإنها تبقى قابلة للتجييش في كل اتجاه: اليوم ضد طاغية، وغدا خلف راية جديدة، دون تغير حقيقي في مكانتها كبشر أحرار.
ما الحل؟
الحل يكمن في مشروع اصلاح يضع المجتمع في المركز النقطة الحاسمة اليوم؛ لا يتخلى عن مطلب تغيير السلطة، ولكنْ يُعيد ترتيب سلّم الأولويات وبناء مشروع إصلاح مزدوج بوقت واحد: مجتمع وسلطة. مع تقدم المجتمع خطوة واحدة الى الامام.
هذا يعني توجيه جزء كبير من الجهد والتمويل والوقت نحو مشاريع التربية والوعي، وبناء مؤسسات مدنية مستقلة، وتطوير إعلام نقدي ومسؤول، وإعادة الاعتبار لفكرة المواطنة كهوية مشتركة تتجاوز الطائفة والعشيرة والحزب.
في السياق السوري، لا يكفي المطالبة بإسقاط نظام او رفض صعود عائلة جديدة الى الحكم؛ بل المطلوب بالتوازي مشروع طويل الامد لزرع ثقافة السؤال والنقد والمشاركة، وتدريب الأجيال الجديدة على إدارة الشأن العام، وبناء هياكل محلية تشاركية؛ تسبق قيام الدولة الجديدة أو ترافقها. فسلطة المستقبل التي لا تجد أمامها مجتمعا واعياً منظماً، ستتحول بسهولة الى تكرار مشوه لما سبقها من سلطات مستبدة.
وأخيراً
من سؤال منَْ يحكم؟ الى سؤال كيف نحكم الشرق الأوسط؟ وسوريا في قلبه، لا يفتقر الى الخطابات الثورية ولا الى الشعارات الاصلاحية، لكنه يفتقر الى مشروع مجتمعي عميق يوازي هذه الشعارات. التركيز الدائم على رأس السلطة، مع إهمال الجسد الاجتماعي، جعل التغيير أشبه بعملية استبدال أقنعة لوجه واحد، لا عملية تحول حقيقية في بنية العلاقة بين المجتمع والدولة.
ربما حان الوقت لإعادة صياغة السؤال المركزي: ليس فقط من يحكم، بل كيف نحكم أنفسنا؟ وبأي قيم، وعبر أية مؤسسات، ومن خلال عقد اجتماعي؛ يضمن ألا يتحول الراعي الجديد الى ذئب، ولا يتحول الناس مرة أخرى الى قطيع بلا صوت، دون ذلك سنظل نتنقل من ظلام عائلة الى ظلال عائلة أخرى، بينما يظل المجتمع الحقيقي، الانسان العادي، خارج الحساب.







