
غيرت حرب قطاع غزة وجه المنطقة وقلبت موازين القوى رأسا على عقب، وفتحت المجال أمام احتمالات لم تكن واردة في وقت سابق على صعيد الشرق الأوسط، ومثلت الفترة الممتدة بين هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 وحرب الاثني عشر يوما بين إسرائيل وإيران في يونيو ٢٠٢٥ فترة انتقالية برز فيها نظام جديد في الشرق الأوسط، تتكشف معالمه تدريجياً. كانت أهم أحداث هذين العامين تقريبا هزيمة إيران في صراع مباشر مع إسرائيل، والنهاية المؤقتة لتوسع الجمهورية الإسلامية. يُضاف إلى ذلك سقوط نظام الأسد في سوريا، الذي لم يُضعف إيران فحسب، بل مثّل أيضا نجاحا كبيرا لتركيا.
لكن تداعيات الأحداث العاصفة، أثرت أيضا على العلاقات بين تركيا وإسرائيل، كما أنها قد تمهد الطريق لتراجع التحالف التقليدي بين دول الخليج والولايات المتحدة، وتفتح الباب أمام نشوء تحالفات إقليمية ودولية جديدة، تقلل من الاعتماد على واشنطن خاصة في المواضيع الأمنية، فيما برزت أدوار جديدة لتركيا في صراعات المنطقة.
ظلت تركيا بعيدة عن الأضواء خلال الصراع بين إسرائيل وإيران، لكنها استفادت بشكل كبير من إضعاف الجمهورية الإسلامية. وتجلى ذلك بشكل خاص في سوريا، حيث فقدت إيران حليفها الوحيد في ديسمبر 2024 مع نظام الأسد، بينما كسبت تركيا حليفًا لها مع سوريا الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
أهم النتائج المترتبة على عملية طوفان الأقصى
صحيح أن الحرب بدأت في قطاع غزة يوم السابع من أكتوبر 2023، لكن الأحداث السياسية الكبيرة الناتجة عنها وقعت خارج حدود القطاع، وكانت منطلقاً لتغيير ملامح الشرق الأوسط، واختلفت وجهات النظر بين من قال بأن حماس أعطت بهجومها ذريعة لإسرائيل ودفعتها إلى العنف المبالغ فيه كما تؤكد المصادر الإسرائيلية، وبين من رأى بأن حكومة نتنياهو كانت ستقوم بتنفيذ هذا المشروع سواء أقدمت حماس على شن هجوم طوفان الأقصى أو لم تقدم عليه.
بالنتيجة تمددت الحرب ووصلت إلى لبنان، بسبب ما أطلق عليها حزب الله، حرب الإسناد لدعم حماس، وشنت إسرائيل هجوماً مكثفا على حزب الله، استخدمت فيه عمليات استخباراتية متقدمة غير مسبوقة كتفجير أجهزة البيجر اللاسلكية، التي راح ضحيتها العشرات من قيادات الحزب. ونجحت إسرائيل بعمليات اغتيال مركزة في القضاء على أهم قادة حزب الله بمن فيهم حسن نصر الله، ما كشف في نفس الوقت عن اختراق كبير في صفوف الحزب. اضطر حزب الله في نهاية المطاف إلى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار مع إسرائيل قدم فيه الكثير من التنازلات. بالمحصلة تراجعت قوة ومكانة حزب الله كثيراً داخل لبنان، واتخذت الحكومة اللبنانية مؤخراً قراراً بحصر السلاح في يد الدولة، بدعم أمريكي عربي، الأمر الذي وضع الحزب في مأزق خطير.
أما في سوريا فجاء سقوط نظام الرئيس بشار الأسد بعد عشرة أيام من اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، وعلى الرغم من عدم تبني إسرائيل لعملية إسقاط النظام السوري، إلا أنها تؤكد بأنه جاء نتيجة غير مباشرة لهزيمة حزب الله وإضعاف المحور الإيراني. وعدم قدرته على مساندة الرئيس السوري، اضافة إلى ذلك أدى انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا إلى تقليص دورها الإقليمي. ولم تتمكن من تقديم الدعم الضروري للأسد.
وتحرك الجيش الإسرائيلي سريعاً ليلة هروب الأسد، واحتل المنطقة العازلة على حدود الجولان السوري المحتل أصلاً. وتقدمت قواته في عمق الأراضي السورية باتجاه قمم جبل الشيخ والبلدات التي تؤدي إليها. وباتت تقف على مشارف دمشق.
امتدت الضربات الإسرائيلية إلى الحوثيين في اليمن، وبدا واضحا أن هذه الحرب هي مواجهة بين إسرائيل واستراتيجية إيران القائمة على وجود وكلاء لها حول إسرائيل، وبالتالي فهذه الحرب ليست مع حماس أو إيران أو حزب الله كل على حدة، بل تتعلق بالهيكل الكامل الذي بنته إيران خلال الأربعين عاماً الماضية.
كانت ذروة الأحداث عندما هاجمت إسرائيل إيران بمساندة الولايات المتحدة ونفذ سلاح الجو الإسرائيلي اغتيالات واسعة لمسؤولين وعلماء إيرانيين وتم استهداف المفاعلات النووية الإيرانية بضربات جوية أمريكية وإسرائيلية غير مسبوقة في يونيو من العام 2025. وانتهت الهجمات بضربة أمريكية عنيفة على موقع فوردو لليورانيوم المخصب، الذي تم تحصينه جيدا بالجبال، وأعلنت الولايات المتحدة أنها قضت بذلك على المشروع النووي الإيراني، فيما اعلنت إيران أن الهجمات لم تؤثر على قدراتها النووية وأن مخزونها من اليورانيوم المخصب بآمان.
وبعد ذلك شهدت العاصمة القطرية الدوحة في شهر سبتمبر، ضربة إسرائيلية استهدفت وفد حماس للتفاوض أثناء مناقشة مقترح الرئيس الأمريكي ترامب بوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وإطلاق سراح الرهائن. وهو ما اعتبر نقطة تحول محورية في علاقة دول الاعتدال العربي مع إسرائيل والولايات المتحدة التي كانت على علم بالضربة.
بالمحصلة لم تشهد المنطقة تراجع الدور الإيراني فقط، وإنما حالة من استخدام القوة المفرطة من جانب إسرائيل، فيما بدا واضحا أن تركيا الداعمة الرئيسية للحكام الجدد في سوريا، تعمل جاهدة على ملء الفراغ الذي خلفته إيران، إن كان من خلال التواجد في سوريا، وتقوية نفوذها في لبنان وخاصة في طرابلس، ورفع الصوت عاليا ضد العمليات العسكرية في قطاع غزة.
كيف ساعدت حرب غزة في صعود تركيا؟
شهدت العلاقات التركية الإسرائيلية قبل الحرب انفراجاً دبلوماسياً كبيراً بين البلدين، تمثل في ما يشبه المصالحة وإعادة العلاقات إلى طبيعتها وإعادة تعيين سفراء، وقد كان التقارب التركي الإسرائيلي بدأ منذ سنوات، وعادت العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين في فترة حكومة بينيت- لبيد، واستمرت تركيا في الحفاظ على علاقتها مع إسرائيل خلال فترة حكومة نتنياهو.
تدهورت العلاقات بين إسرائيل وتركيا بعد الحرب على غزة، وأكد أردوغان موقف بلاده من حماس، بأنها ليست حركة إرهابية متهماً إسرائيل بارتكاب جرائم حرب، فضلاً عن تواجد قيادات من حماس في تركيا. وهاجم أردوغان موقف الغرب، وقال بأن الدعم الغربي غير المحدود أو المشروط لإسرائيل يحوّل الصراع إلى صراع بين الشرق والغرب.
وبرزت تركيا كصوت قيادي في الحركة المعادية لإسرائيل. دعمت أنقرة دعوى قضائية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في أغسطس 2024 بتهمة الإبادة الجماعية، بينما أدلت القيادة التركية مرارا بتصريحات استفزازية تجاه إسرائيل، مثل تشبيه نتنياهو بأدولف هتلر. أدت هذه الإجراءات إلى استدعاء السفراء من الجانبين مجددا.
بالإضافة إلى الدعم السياسي، تلعب تركيا أيضا دورا رئيسيا في تمويل حماس. ووفقًا لتقرير نُشر في سبتمبر 2023 في صحيفة السياسة الكويتية، يُحول المسؤول بكري حنيفة أموالًا من قطر عبر إسطنبول. وذكرت الصحيفة: “يتعلق الأمر بعشرات الملايين من الدولارات تُوزّع من هناك إلى حماس في قطاع غزة”. ويُقال أيضا إن المسؤول في حماس ماهر عبيد قد أجرى معاملات مدفوعات عبر صرافين أتراك.
ولعبت الظروف لصالح تركيا، فعلى سبيل المثال تحسنت العلاقات المتضررة بشكل سريع بين أنقرة والقاهرة، مدفوعة بحاجة الجيش المصري إلى تنويع مصادر تسليحه والاستفادة من التكنولوجيا التركية في صناعة الأسلحة وكسر الاحتكار الغربي للتكنولوجيا العسكرية، خاصة بعد الضربة الإسرائيلية في الدوحة والحملات الإعلامية الإسرائيلية التي استهدفت موقف مصر الرافض لتهجير سكان غزة إلى سيناء، من جهة أخرى ولضرورة المحافظة على استقرار الأوضاع في سوريا، حسن الأردن علاقته مع تركيا، ويقول المحلل السياسي وعضو حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، يوسف كاتب أوغلو، إنَّ اللقاء الأردني التركي أسفر عن اتفاق على تعزيز الدفاع المشترك بين عمّان وأنقرة، خاصة أمام التهديدات الإسرائيلية المستجدة في سوريا، وأحلامها التوسعية التي تصل الأناضول، وفق تعبيره.
ويرى محللون أتراك أن المنطقة تشهد تحولاً استراتيجياً طويل المدى، فهناك أحلافاً تتشكل اليوم، وتضم تركيا ودول عربية إقليمية من جهة، وإسرائيل وقوى إقليمية من جهة ثانية، وإيران وما تبقى من حلفائها من جهة ثالثة. فيما يجد آخرون أن الظروف فرضت تقاربات و اصطفافات جديدة، لمواجهة التحديات لكنها لا تصل إلى مرحلة التحالفات الاستراتيجية بسبب وجود خلافات عميقة ومتشعبة بين مكوناتها.
وتقول مصادر بأن أردوغان يرى في وقف إطلاق النار في غزة، فرصة سانحة للعب دور أكبر في المنطقة، عبر قدرته على المساعدة في إنجاح الاتفاق، مثل دور بلاده في مراقبة وقف إطلاق النار في غزة. فإلى جانب الولايات المتحدة ومصر والإمارات وقطر، تعتزم تركيا أيضا إرسال قوات – وهي مساهمة رمزية مهمة تُبرز طموح أنقرة القيادي.
بالنسبة لأردوغان، فإن الوجود العسكري في غزة يعد حدثا مهماً يعيد إلى الأذهان بعضاً من قوة السلطنة العثمانية. إلا أن هذا التواجد العسكري، يزيد من احتمالية الاحتكاك المباشر بين القوات الإسرائيلية والتركية، وهو ما يشكل نقطة حساسة بالنسبة لإسرائيل، حيث ترفض إسرائيل تواجد قوات تركية في جارتها سوريا، وكانت قد صعّدت عملياتها العسكرية على قواعد جوية في سوريا مطلع أبريل 2025، كحركة استباقية على نية تركيا نشر قوات في هذه القواعد.
لا استقرار في سوريا
تمثل سوريا أكثر الملفات ضبابية بما يخص العلاقات بين إسرائيل وتركيا، تشير الكثير من المعطيات بأن البلاد متجهة للتقسيم، على الأقل كمناطق نفوذ للدول الإقليمية، الجنوب السوري بموجب الاتفاقيات المعلنة منها وغير المعلنة، أصبح بشكل أو بآخر تحت ضمانات أمنية إسرائيلية، فيما ترى إسرائيل أيضاً في الأكراد في الشمال الشرقي حلفاء محتملين لها، فيما تسعى تركيا إلى ترسيخ حكم دمشق، وهناك عززت تركيا مكانتها بشكل ملحوظ. وتمّ دحر النفوذ الإيراني.
بفضل الدعم التركي الكبير، من المتوقع أن تتحالف سوريا الجديدة بشكل وثيق مع تركيا. ومع ذلك، تعتبر إسرائيل الحكومة الإسلامية الموالية لتركيا في دمشق تهديداً لها وخاصة على المدى الطويل بسبب خلفيتها الإسلامية الجهادية، لذا فهي تحاول بالفعل إبعاد قوات الحكام الجدد عن الحدود الإسرائيلية.
ووفقًا لتقارير سورية وإقليمية، قامت القوات الإسرائيلية بتفكيك معدات مراقبة تركية نُصبت بالقرب من دمشق، واستولت على أنظمة “سرية وحساسة”. واعتُبرت العملية تحديا مباشرا لأنقرة. وذكرت مصادر سورية وسعودية أنه تم توجيه تحذيرات إلى الحكومة السورية “بعدم اللعب بالنار والانصياع للأوامر التركية، لأن تركيا تحاول الإقتراب من إسرائيل أكثر مما ينبغي”.
إسرائيل ملتزمة باحتواء النفوذ الإيراني والحفاظ على حريتها العملياتية في مواجهة حزب الله في سوريا، بينما استثمرت تركيا بكثافة في إضعاف المصالح الكردية ودعم حكومة أحمد الشرع. بالمحصلة تم استخدام غزة كذريعة لمعظم الصراع، ولكن الخلاف الحقيقي الكبير بين البلدين هو بشأن مستقبل سوريا، حتى وإن كان هذا النقاش أقل صراحةً.
في وقت سابق من هذا العام، ظهرت تقارير تفيد بأن البلدين بحثا إنشاء “آلية لتجنب الصراع” لتجنب المواجهات المباشرة، حيث يعمل كلاهما في المجال الجوي السوري، لكن الاتفاق لم ينجح، و أدى غيابه إلى جعل سوريا خط صدع مستمر في العلاقات بين البلدين.
هل نشهد مواجهة محتملة في الأفق؟
تمتلك تركيا اليوم مزيجا من القوة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، مما يجعلها واحدة من أكثر اللاعبين نفوذا في المنطقة. فهي اقتصاد من دول مجموعة العشرين مندمج بعمق في الأسواق العالمية، ولديها صناعة دفاعية تُصدر الطائرات بدون طيار والأنظمة البحرية، وجيش تابع لحلف الناتو مدعوم بإنتاج محلي واسع النطاق. يمنحها موقعها الجغرافي نفوذا إضافيا، فهي تسيطر على الدردنيل، وتتواجد قواتها في شمال قبرص.
سعت أنقرة أيضا إلى توسيع نفوذها عبر المنتديات متعددة الأطراف، وكان آخرها مشاركتها في قمة منظمة شنغهاي للتعاون إلى جانب روسيا والصين. ويعكس تطوير تركيا لأنظمة دفاع جوي متطورة، مثل القبة الفولاذية التي أُطلقت حديثًا، طموحها في زيادة اعتمادها على نفسها أمنيًا وتوسيع نفوذها في المنطقة.
مع ذلك، أوضح هاي إيتان كوهين ياناروجاك: “لا تُشكل تركيا تهديدا وجوديا لإسرائيل”، قائلًا: “على الرغم من اختلافاتها، لا تزال تُعتبر، نظريا على الأقل، دولة صديقة. في الواقع، لم يسبق أن شهدت العلاقات الثنائية إعلان حرب”.
وبالحقيقة تشكل العلاقات الدبلوماسية القوية بين تركيا وإسرائيل والدول الحليفة حافزا قويا لتجنب الصراع، وبفضل دعم حلفاء موثوقين مثل الولايات المتحدة وأذربيجان، قد يتم التوصل إلى اتفاقات لتخفيف التوتر. وحتى وإن نفت أنقرة ذلك، فإن تهدئة الوضع تصب في مصلحتها بقدر ما تصب في مصلحة إسرائيل، لذلك أن تصعيد الصراع يمثل تحدياً كبيراً لهما. صحيح أن تركيا تتمتع بجيش قوي. لكن تحالفاتها، بما في ذلك عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تُشكل أيضا دافعاً لحل المشكلات مع إسرائيل.
تتجنب تركيا الدخول بحرب مباشرة مع إسرائيل، لأن ذلك سيؤثر على علاقتها مع الدول الغربية، لكنها تراهن على أن مكانتها الاستراتيجية تمنحها هامشاً من المناورة، فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، ولديها علاقات أمنية وسياسية متينة مع الولايات المتحدة، ويعتمد أردوغان على اعتبار تركيا شريكا لا غنى عنه، ويبدو أن خطته تؤتي ثمارها: فقد وافقت ألمانيا مؤخرا على تصدير طائرات يوروفايتر. كما هدأت إلى حد كبير الانتقادات الموجهة من برلين بشأن تآكل الديمقراطية والاعتقالات الجماعية للسياسيين المعارضين في تركيا.
لذلك، يتصرف أردوغان بثقة تجاه الاتحاد الأوروبي، ففي ظل الحرب مع روسيا، يرى البعض في بروكسل أن تركيا، التي تمتلك أكبر قوة برية في حلف الناتو، شريكا مهما على أعتاب الشرق الأوسط. على الرغم من التوترات مع اليونان التي ما زالت تشكل عقبة في وجه تركيا.
يعتقد العديد من المحللين أن حرب غزة منحت أردوغان حافزا محليا وإقليميا لتصعيد التوترات مع إسرائيل. “لتركيا مصلحة في تعزيز سياساتها المعادية لإسرائيل”، بحسب غاليا ليندنشتراوس، الباحثة البارزة في معهد دراسات الأمن القومي (INSS) وأضافت أن : “هذا يسمح للحكومة ببناء دعم محلي، فالقضية الفلسطينية تحظى بشعبية كبيرة في تركيا”.
علاوة على ذلك، استغل أردوغان الأزمة لتعزيز مكانته في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وقالت ليندنشتراوس: “يساهم دعم قطاع غزة بشكل كبير في شعبية أردوغان بين المسلمين. تُظهر استطلاعات الرأي أن شعبيته آخذة في الازدياد في العالم العربي”.
لكن على أرض الواقع، لا يبدو أن تركيا لديها نية في إثارة نزاع حقيقي مع إسرائيل، لأن أنقرة هي من بادرت قبل عامين لإعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع إسرائيل في إطار سياسة “تصفير الأزمات” مع الدول الإقليمية والخروج من الأزمة الإقليمية والعزلة السياسية النسبية التي كانت بها في الشرق الأوسط.
في المقابل فإن تركيا لم تعلن عن قطع العلاقات مع إسرائيل، وحاولت تركيز اتهامها على نتنياهو أساساً بأنه يقود حرباً تدميرية في قطاع غزة، وهي تسعى الآن إلى المحافظة على الحد الأدنى من علاقتها مع إسرائيل للعب دور إقليمي بعد الحرب، لأنها تعلم أن معارضة إسرائيل المتطرف للدور التركي قد يؤدي في النهاية إلى نتائج غير مرغوبة، وقد يؤدي إلى تغيير الموقف الأمريكي من تركيا، ما يعرضها للضغوط والعقوبات الاقتصادية التي ما زالت تعاني أنقرة من تبعاتها، بعد قيامها بشراء أنظمة صواريخ S-400 الروسية.
شرق أوسط متعدد الأقطاب
صحيح أن صراعات الفترة من 2023 إلى 2025 دارت في المقام الأول بين القوى الإقليمية، إسرائيل وإيران (وحلفاء إيران مثل حماس وحزب الله والحوثيين)، إلا أن الولايات المتحدة لم تتدخل بشكل حاسم إلا عندما عجزت القوة النارية الإسرائيلية عن تدمير المنشآت النووية الإيرانية. مع ذلك، لا ينبغي أن يُخفي هذا حقيقة أن عصر الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط يقترب من نهايته، ليحل محله نظام متعدد الأقطاب لا تزال الولايات المتحدة تمارس فيه نفوذا كبيرا على الأحداث، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى الحفاظ على مسافة متزايدة، وبذلك تنتقل المبادرة إلى القوى الإقليمية الكبرى التي تستعد لتشكيل المرحلة التالية من تاريخ الشرق الأوسط لصالحها، لكن لا يمكن لدولة بمفردها فرض رؤيتها للنظام على الآخرين. وهذا هو لب الصراع الدائر حاليا بين تركيا وإسرائيل ومصر والسعودية وغيرها من الدول ذات الثقل والتأثير.
بالمقابل فإن مكانة إسرائيل تضررت خلال السنتين الماضيتين بسبب الحرب في غزة، على الرغم من انتصاراتها وتفوقها العسكري، فبينما كانت قد نجحت قبل الحرب، في قطع شوط كبير في فك عزلتها عن محيطها العربي، ووقعت اتفاقيات تطبيع “إبراهيم” مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب العربي، وشرعت في مفاوضات مع السعودية، أخذت هذه الموجة في التراجع بسبب الاستخدام المفرط للعنف، وبدأت دول المنطقة تتقارب من بعضها لتشكيل ردع ضد إسرائيل.
يُثير النفوذ التركي المتزايد في سوريا قلق المملكة العربية السعودية أيضا. وبالنسبة للرياض، فإن احتمال استبدال التطرف الشيعي المدعوم من إيران بالتطرف السني المدعوم من تركيا ليس تحسنا يُذكر. في حين تفتقر المملكة العربية السعودية إلى النفوذ العسكري الإسرائيلي، إلا أنها تتمتع بنفوذ مالي كبير، لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا. وقد لاحظت أنقرة أيضا كيف عززت واشنطن المكانة الدبلوماسية للرياض، لا سيما من خلال المحادثات الأمريكية الروسية في المملكة.
وتذهب تحليلات إلى أنه، إذا أرادت واشنطن تقليص تدخلها المباشر في الأمن الإقليمي، فعليها في الوقت نفسه تحقيق توازن بين المملكة العربية السعودية وتركيا، وكذلك بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل.
الاستنتاجات:
ـ أتاح سقوط الأسد لتركيا نفوذ مباشرا في “سوريا الجديدة”، فيما ترى إسرائيل ذلك تهديدا طويل المدى وتسعى لفرض ترتيبات أمنية تبعد القوات الموالية لتركيا عن حدودها.
ـ حافظت تركيا على خطاب داعم لحماس، ونجحت في نفس الوقت في بناء شبكة شراكات عربية متنامية، وتحاول اليوم لعب دور مراقب لوقف النار في القطاع، مع إبقاء قنوات الحد الأدنى مع إسرائيل لتفادي صدام مباشر وكلفة أمريكية/اقتصادية.
ـ التنافس التركي-الإسرائيلي يتموضع حول من يملأ الفراغ في المشرق (سوريا/لبنان) أكثر من كونه صراعا ثنائيا مباشرا؛ محاولات”آلية منع الاحتكاك” تعثّرت، ما يُبقي احتمالات الاحتكاك قائمة دون رغبة متبادلة في الحرب.
ـ لا يوجد طرف قادر وحده على فرض “نظام الشرق الأوسط الجديد”؛ المرحلة محكومة بتكتلات مرنة وتوازنات قوى موضعية، حيث تحاول تركيا وإسرائيل ومصر والسعودية ترجمة نفوذها إلى ترتيبات دائمة، مع بقاء الكلفة السياسية والاقتصادية رادعا ضد التصعيد المفتوح.
المصادر:
- موقع (Frankfurter Rundschau) في 15 سبتمبر 2025
- موقع (mena-watch) في 10 سبتمبر 2025
- موقع (internationale politik) في 18 أغسطس 2025
- موقع (cicero) في 15 أبريل 2025







