الصراع بين الحوثيين؛ وتجمع الإصلاح في اليمن

هويته – أخطاره – مآلاته                  

يرتبط التنظيم العالمي للإخوان المسلمين مع دولة الملالي بعلاقة مميزة منذ وصول الخميني إلى السلطة حتى اليوم؛ على الرغم من أن هذه العلاقة غالباً ما تكون بعيدة من الإعلام؛ ولكنها تظهر جلية في الحالات المفصلية للصراع في أغلب المناطق ومنها اليمن؛ منذ يومين 14 حزيران/يونيو الجاري اعترفت مليشيات الحوثي الموالية لإيران بقتال قيادات وعناصر من حزب الإصلاح الإخواني المرجعية إلى جانب مليشيات الانقلاب في جبهة الحديدة، الأمر الذي يفضح التحالف السري بين حلفاء الدوحة وطهران في اليمن. وأعلن قيادي بارز في جماعة الحوثيين، مساء الأربعاء، مشاركة عناصر من حزب الإصلاح، الواجهة السياسية لتنظيم الإخوان باليمن بالقتال إلى جانب الميليشيا الحوثية. وقال حسين العزي، المُعين من جانب الحوثيين، في منصب نائب وزير الخارجية في حكومة الانقلاب: “يمنيون من حزب الإصلاح يغادرون مربع الصمت، ويلتحقون بمعركة الوطن ويقدمون شهداء“. هذا يعني أن هناك انشقاقات في حزب الإصلاح لم يُعلن عنها؛ وأن الحزب يعيش صراعات كثيرة؛ ولكن إيديولوجية الطرفين وأهدافهما مختلفة؛ مما يساهم أكثر في مآسي اليمن.

تتحدث هذه الورقة عن الاختلافات بين الحوثيين وحزب الإصلاح من حيث هويتهما الأيديولوجية ومآلات الاختلاف وأخطاره على وحدة اليمن وخلاصها من الفوضى من خلال:

  • من هم الحوثيون وما أهدافهم.
  • مصادر دعم الحوثيين.
  • من هو حزب التجمع اليمني للإصلاح وما أهدافه.
  • الصراع بين الرؤيتين.
  • ما وراء الصراع بين التجمع والحوثيين.

مدخل

أتت ثورة الشباب في اليمن في شباط عام 2011 على أرضية عوامل عدة كانت تضيّق على الشعب اليمني تطوره السياسي والاقتصادي، وتمنع عنه وحدة شعبه الحقيقية. وثورة الشباب اليمني (هي ثورة شعبية بدأت بشكل متقطع منذ يوم الثالث من شباط/ فبراير عام 2001 ثم تُوّجت بيوم غضب، يوم الجمعة في الحادي عشر من شباط/ فبراير عام 2011)(1).

لكنّ الرئيس علي عبد الله صالح (الذي(2) حكم اليمن مدة ثلاثة وثلاثين سنة تقريباً (1978 – 2012) لم يلتقط عمق إشارة التظاهرات التي كانت تطالب بتغيير الأوضاع في بلاده فلجأ إلى مواجهة الاحتجاجات بحملات اعتقال قامت بها قوات الأمن، إضافة إلى نزول أنصاره من حزب المؤتمر الشعبي إلى الشارع لمواجهة المتظاهرين.

وبعد يومين من جمعة الغضب أي في الثالث عشر من شباط أعلنت أحزاب (تكتل اللقاء المشترك) للمعارضة الترحيب بخطاب الرئيس صالح وما ورد فيه من إعلان الإصلاحات، بيد أن التكتل وضع شروطاً للانخراط في الحوار مع السلطة، وفي مقدمتها إلغاء قانون الانتخابات الحالي، وإشراك الحوثيين وأحزاب الحراك الجنوبي ومعارضة الخارج في الحوار)(3).

الثورة اليمنية خلخلت الوضع السياسي والأمني في البلاد نتيجة انقسام اليمنيين إلى مطالبين بالإصلاحات من جهة وآخرين مؤيدين لحكم صالح، لكنّ المعسكر المطالب بالإصلاح لم يكن معسكراً واحداً، فلقد التحقت به قوى المعارضة من مقدمات مختلفة، وتحديداً جماعة الحوثي من جهة وجماعة حزب التجمع اليمني للإصلاح من جهة ثانية، فالحوثيون وهم (جماعة دينية شيعية تقوم على ولاية الإمام وتتبع الطريقة الإثني عشرية على غرار النموذج الإيراني، وتولي بدر الدين الحوثي قيادة الحركة بعد مقتل نجله حسين عام 2004)(4).

أما حزب التجمع اليمني للإصلاح فهم حزب سياسي ذو مرجعية دينية إسلامية أصولية، ويمكن عدّه (مزيجاً من السلفية المتشددة والوسطية والفكر الإسلامي المعاصر وبقية من أفراد الشعب بعلمهم وجهلهم)(5).

ولفهم هذا الصراع بصورة أفضل ينبغي فهم التركيبة السكانية لليمن، إذ (بلغ العدد الإجمالي التقريبي للسكان فيه عام 2015 قرابة 27 مليون نسمة، وتشكل الطائفة الزيدية التي ينتمي إليها الحوثيون نسبة تتراوح ما بين 30 – 40 في المئة من إجمالي عدد السكان، وينتشر الحوثيون في معاقل الطائفة الزيدية في ست محافظات، تأتي محافظتا صعدة وحجة على رأسها)(6).

أما حزب التجمع اليمني للإصلاح فيعدّ من أكبر الأحزاب المعارضة في اليمن، وأُسس بعد الوحدة بين شطري اليمن يوم 13/9/1990 على يد الراحل عبد الله الأحمر شيخ مشايخ اليمن ورئيس مجلس النواب في ذلك الحين بصفته تجمعاً سياسياً ذا خلفية إسلامية وامتداداً لفكر الإخوان المسلمين)(7).

إنّ اختلاف المرجعية الدينية لكل من الحركة الحوثية وحزب التجمع الوطني للإصلاح سيجعل من برنامجيهما السياسيين قاعدة للتصادم والصراع السياسي والأيديولوجي، ما يهدد لاحقاً وحدة التراب اليمني ويزيد الانقسام الطائفي في البلاد.

من هم الحوثيون وما أهدافهم

بعد استيلاء الخميني على السلطة في إيران عام 1979 وتبنيه لمفهوم (تصدير الثورة الإسلامية) كانت طهران تريد من هذا التصدير إعادة ترتيب الأوراق السياسية في جوارها على قاعدة فكرية دينية مرجعيتها الإثني عشرية الجعفرية، (وهي أبرز المذاهب الشيعية ويطلق عليها اسم الإمامية لقولهم بالإمامة بعد النبوة ويسمون بالإثني عشرية لجعلهم الإمامة في اثني عشر إماماً، ويسمون بالجعفرية نسبة إلى أبرز أئمتهم الفقهاء الإمام جعفر بن محمد)(8).

وهكذا وجد تصدير الطائفية الشيعية مرتكزاً له في بلدان عربية عدة مثل العراق والبحرين واليمن وسوريا ولبنان، وفي اليمن (المعروف أن الحوثي وجماعته ينتمون إلى المذهب الزيدي المصنف حركة سياسية في الدرجة الأولى، وتشتهر الزيدية أنها تتوزع في تيارين اثنين؛ التيار الأول هو الصالحية نسبة إلى الحسين بن صالح المتوفى عام 169 للهجرة وهو اتجاه تميّز بالتسامح والمرونة والبعد عن الغلو في الأشخاص، وينظر إلى الإمامة على أنها وسيلة من أجل خدمة المجتمع ومن ثمّ يجب أن تلبي حاجاته ومتطلباته الأساسية، ومن ثم يكون للناس الحق في صوغ نظام الحكم من خلال الشورى بما يتلاءم مع الزمان والمكان والأحوال.

والتيار الثاني هو الجارودية الذي يدعي أن رسول الله نصّ على الإمام علي بن أبي طالب بوصفه خليفة من بعده بصفات لا توجد إلا فيه، وأن الإمامة حق إلهي خاص بأبناء علي بن أبي طالب من فاطمة خصوصاً، وليس للمجتمع أي خيار إلا القبول والتسليم بما هو مختار له)(9).

ولكن هذا الانتماء قد يضيء شيئاً من أهداف الحركة الحوثية ولكنه لا يضيئها كلها، لذلك تعدّ العودة إلى النصوص الحوثية وسيلة لفهم أهداف الحوثيين وقاعدتهم الفكرية والسياسية.

يقول حسين الحوثي (إن حركته تهدف إلى استعادة ما يرى أنه حق أهل البيت في ولاية أمر المسلمين باعتبار ذلك اختياراً إلهياً ليس للناس فيه يد ولا خيار، ولا سبيل إلى خلاص الأمة مما هي فيه إلا إذا اجتمعت تحت راية أهل البيت)(10).

هذا التصريح يكشف حقيقة الحركة الحوثية بأنها حركة سياسية تتستر بغطاء الدين وفق المفهوم الشيعي لتحقيق أهداف سياسية ضمن إطار ديني لا يتغير، فبافتراض أنهم يريدون عودة الإمامة فهم يرفضون النظام الجمهوري ولا يقبلون بنظام حكم ديمقراطي ولا بدستور ينص على حقوق سياسية واجتماعية خارج النص الحوثي المشتق من مفهومهم للإمامة.

هذه الرؤية المتشددة وضعت الحركة الحوثية في علاقة متقدمة مع إيران بافتراض أن إيران هي مرجع الإثني عشرية الجعفرية، ووضعتهم في علاقة ضدّية مع المملكة العربية السعودية بافتراض أنهم يرون في السعودية نظاماً وهابياً، وهنا تصبح العلاقة (زيدية ضد وهابية).

قبل عام 2004 وهو عام تفجّر الصراع المسلح بين قوات الحكومة اليمنية وحركة مسلحة هي (حركة أنصار الله) في محافظة صعدة شمال البلاد، لم يكن هناك من يعرفون اليوم بـ(الحوثيين)، ففي العام المذكور 2004 (ظهرت حركة الحوثيين فعلياً في أول مواجهة لها مع الحكومة، وهو ما جعل بعضهم يعتبر أن البداية الحقيقية لجماعة أنصار الله الحوثيين كانت في هذا العام)(11).

وقد وضعت حركة الحوثيين مطالبها التي تقول بضرورة منح السلطة الاعتبار للمذهب الزيدي بوصفه مذهباً رئيساً في اليمن، وضمان حق الزيديين في الالتحاق بمدارس ومعاهد تدرس مناهجهم، ولكن الهدف الحقيقي كان يتمثل بإعادة الحكم الإمامي والسيطرة على اليمن.

مصادر دعم الحوثيين

الحديث عن ذراع عسكرية أو ميليشيا محدودة العدد والعدّة بمواجهة جيش دولة يثير أسئلة كثيرة، ونقصد هنا بالميليشيا حركة الحوثيين المسلحة، فهذه الحركة التي تسيطر على مناطق واسعة من مساحة اليمن لم تكن تستطيع القيام بهذا التوسع من دون وجود دعم عسكري ومادي حقيقي لها، وبالعودة إلى عام 2002 حيث اتخذت الحركة الحوثية شعاراً لها في المساجد (الله أكبر – الموت لأمريكا – الموت لإسرائيل – اللعنة على اليهود – النصر للإسلام) كان يمكن القول إن هذه الشعارات طرحها حكام طهران بعد استيلاء الخميني على السلطة، تطابق الشعارين يعني وحدة رؤيتهما ومرجعيتهما السياسية والفكرية، وهذا يدلّ على أن الحركة الحوثية كانت على علاقة بالشيعة الإيرانية الحاكمة، والأمر في ما يبدو كان أقدم من ذلك التاريخ ولكنه لم يظهر.

(عام 1986 أُنشِئ اتحاد الشباب لتدريس الطائفة الزيدية على يد صلاح أحمد فليتة ومجد الدين المؤيدي وبدر الدين الحوثي، ثم تحوّل هذا الاتحاد إلى حزب الحق الذي يمثل الطائفة الزيدية)(12).

وتُظهر الحوادث (أن الحركة الحوثية استفادت من الخلخلة الأمنية والعسكرية التي حدثت بفعل تصدع وحدة النسيج الوطني اليمني الهش ما سمح للحوثيين بإثارة التجييش الطائفي مع تنمية الذراع العسكرية، وهذا ما دفعهم إلى تشكيل كيان عسكري أيديولوجي عقائدي مستلب الإرادة لمصلحة طهران التي تستخدمه ولا تعدّه امتداداً حقيقياً لها)(13).

يمكن القول إن ميليشيا (أنصار الله) الحوثية التي تحالفت مع جماعة الرئيس السابق علي عبد الله صالح جعلت مهمة التعامل معها ومع وجودها مهمة تحتاج إلى استراتيجية أوسع وإلى تحالفات سياسية وعسكرية أكبر من حكومة الرئيس الجديد عبد ربه منصور هادي، وهذا سيقود بالضرورة إلى فتح الأبواب نحو تدويل القضية القائمة، وهذا ما حدث، فلكل طرف من الأطراف الإقليمية والدولية أجندة خاصة به يريد تحقيقها، وهو ما يعقّد الهدف الرئيس للحوثيين في البلاد ويجعل تحقيقه أمراً صعباً.

إن مصادر الدعم التي توفرها ميليشيا الحوثي تحصل عليها من (تمويل خاص بها وهي مصادر تعتمدها الجماعة ضمن معتقداتها الدينية والمذهبية كالخُمس مثلاً، ومصادر أخرى متعلقة بالوظيفة الطبيعية التي تفرضها متغيرات الحرب وتداعياتها تلك التي تسمى باقتصاد الحرب بتفاصيلها كلها من تجارة السلاح والمخدرات والتهريب)(14).

من هو حزب التجمع اليمني للإصلاح وما أهدافه

يمكن القول إن توحيد شطري اليمن (الشمالي والجنوبي) الذي جرى في الثاني والعشرين من أيار/ مايو عام 1990 عبر خطوة اندماجية بينهما أعاد ترتيب أوراق الصراع السياسي بين المكونات السياسية اليمنية لمدّة موقتة، إذ تفجّر الصراع بين الشمال والجنوب في صيف 1994 عبر حرب عسكرية انتهت بانتصار الشمال وإخضاع الجنوب وفرض الوحدة السياسية بالقوة، ولذلك بقي الجنوب اليمني يُحسّ بالغبن، وبقيت قوته السياسية متمثلة بالحزب الاشتراكي، أما في الشمال المنتصر فقد نشأ تحالف بين الحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي) وحزب التجمع للإصلاح، هذا التحالف هو الذي انتصر على الجنوب.

هذا الحزب لا يخفي مرجعيته الإسلامية، بل تظهر بصورة علنية ضمن قائمة أهدافه التي يسعى إلى تحقيقها. وهناك من يصنفه من جماعة الإخوان المسلمين، لكن الحزب يقول إنه لا علاقة له بتنظيم الإخوان المسلمين، وهو حزب يتمسك بالإسلام عقيدة وشريعة، إضافة إلى قناعته بضرورة المحافظة على أهداف الثورة اليمنية والنظام الجمهوري، ويعدّ الحزب ممارسة الديمقراطية الحقيقية في المجتمع ضمانة للتداول السلمي للسلطة ورفض الاستبداد، ويصرُّ الحزب على ضرورة إصلاح القضاء اليمني وتطوير أساليبه وبناء اقتصاد وطني يعتمد على الشريعة الإسلامية من منطلق عصري.

أما ما يتعلق بروافد دعم حزب التجمع للإصلاح؛ فهي تعتمد على الرافد الديني أي القاعدة الشعبية التي تنتمي إلى الإسلام السني خزاناً بشرياً له في غياب دولة المواطنة، والرافد القبلي بوصف قيادة هذا الحزب تنتمي إلى قبيلة حاشد التي تدعم حزب الإصلاح، وهذا الرافد هو مكون ما قبل وطني، أما الرافد الأخير فهو يعتمد على وجود رجال أعمال في الحزب يقومون بتمويله وتقديم الدعم المالي له(15).

إن موقف حزب التجمع اليمني للإصلاح المؤيد لعاصفة الحزم وللتحالف العربي يُظهر أن الحزب يرفض ما قام به الحوثيون، ويرى (أن تعنّت الحوثيين وانقلابهم على الحوار، وفرض الإقامة الجبرية على الرئيس الشرعي المنتخب وأعضاء حكومة الوفاق وتعطيل مؤسسات الدولة الرسمية واجتياح المناطق دفع الرئيس هادي إلى البحث عن دعم ومساندة تعيد الحياة إلى مسارها الصحيح)(16).

الصراع بين رؤيتين

صار من الواضح الآن في ظل استمرار الحرب الداخلية في اليمن والحضور الإقليمي والدولي فيها أن هذه الحرب تعتمد على أدوات داخلية ذات مرجعية دينية طائفية، فإيران التي تدعم الحوثيين بالأسلحة والتدريب والأموال إنما تريد أن تستكمل مهمات رؤيتها في السيطرة على المنطقة العربية من بوابة استخدام الأذرع الطائفية، وهذا الاستخدام له مخاطر كبيرة وواسعة ليس على اليمنيين فحسب بل على دول الخليج برمتها والعالم الإسلامي كله، الأمر ذاته ينطبق على حزب التجمع اليمني للإصلاح فهو يعمل وفق المنظور الفكري نفسه، أي يعتمد على محيطه الديني الطائفي. وقد يبدو أن حزب التجمع كما قال رئيس دائرته الإعلامية علي الجرادي (إن حزب التجمع للإصلاح اليوم هو الرافعة السياسية والعمود الوطني في الحياة الاجتماعية والسياسية في اليمن، وحائط الصدّ ضد الانقلاب والتمرد في اليمن)(17).

لكن مع ازدياد حدّة الاستقطاب في المنطقة وذهاب إيران إلى أبعد ما يمكن من توظيف قدراتها السياسية والعسكرية والمالية من أجل خدمة هيمنتها القومية بستار طائفي يعتمد على فكرة الإمامة وانتظار الإمام المخفي فإن الصراع العسكري والسياسي في اليمن يذهب بهذه البلاد إلى غير وجهة هدف ثورتها الشبابية التي كانت تطالب بالإصلاحات السياسية وبدستور يضمن العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان ويفتح الباب باتجاه استثمار طاقات الشعب بما يخدم تنميتها البشرية والاقتصادية.

ولكن يبدو أن حزب التجمع للإصلاح أعاد إنتاج رؤيته ومواقفه من المكونات السياسية الفاعلة في البلاد وتحديداً بعد الجهد الذي بذلته القيادة السعودية من أجل خلق علاقة جديدة بين حزب التجمع للإصلاح ودولة الإمارات العربية، ومن ثم بين الحزب والتحالف العربي، وعملياً فموقف حزب التجمع للإصلاح الذي عبر عنه محمد اليدومي الذي قال فيه: (إن تضحيات الإصلاح ومواقفه المناهضة للانقلاب بوصفه مكوناً من مكونات الشرعية عصية على النكران، فقد وضع الإصلاح إمكاناته وطاقاته ومقدراته كلها تحت تصرف الشرعية، ومعتقلات المتمردين الممتلئة بآلاف الإصلاحيين حتى اللحظة ما تزال شاهداً على بطولاتهم وتضحياتهم)(18).

لكن توكل كرمان وصفت في منشور لها على صفحتها على فيسبوك الأمانة العامة لحزب التجمع اليمني للإصلاح بأنهم (عبيد لحكام الرياض وشيوخ أبو ظبي)، وكانت تعبر من خارج الحزب عن تيار يرتبط بقطر ويختلف مع السعودية، فهناك تياران في حزب التجمع أحدهما موال للإخوان المسلمين ويؤيد قطر ويهاجم الإمارات والسعودية وتيار آخر يتمثل بالأمانة العامة اجتمع مع السعوديين والإماراتيين وقد ردّ حزب التجمع للإصلاح على توكل كرمان (إن ما صدر عن توكل كرمان لا يمثل الإصلاح ومواقفه وتوجهاته ويعدّ خروجاً على مواقف الحزب)(19).

إذاً يمكن القول إن القوتين السياسيتين الرئيستين في اليمن (حزب التجمع للإصلاح والحركة الحوثية) يقفان ضدّ بعضهما في صراع سياسي يأخذ أشكالاً ما قبل وطنية بأدوات طائفية وقبلية، ما يخدم الخارج على حساب اليمن.

ما وراء الصراع بين التجمع والحوثيين

فتحت الثورة الشبابية اليمنية الأبواب لكل القوى والفاعليات المتضررة من حكم علي عبد الله صالح بالتعبير عن مواقفها وأهدافها من شكل الحكم التالي وطبيعته، ولعلّ القوتين الأهم في هذا المضمار اليمني هما حزب التجمع للإصلاح وحركة (أنصار الله) الحوثية، وعلى الرغم من أن الأشهر الأولى للتظاهرات ضد الرئيس علي عبد الله صالح قسمت اليمن إلى ضفتين تظاهريتين، واحدة مؤيدة له والثانية ضده واجتمعت فيها أطياف المعارضة كلها بما فيها شباب الثورة، لكن التجمع والحوثيين عادا إلى الصراع بعد خلافاتهما بسبب موقف الحوثيين من السلفيين في صعدة. (بيد أن التناقضات بينهما ما لبثت أن طفت على السطح بعد نشوب المواجهات بين الحوثيين والسلفيين في صعدة وبعد تبني الحوثيين موقفاً مناهضاً لتوقيع المبادرة الخليجية ولحكومة محمد سالم باسندوة التي شارك فيها حزب الإصلاح ضمن تكتل أحزاب اللقاء المشترك المعارض لنظام صالح)(20).

إن الصراع بين الحوثيين وحزب التجمع يحكمه عاملان رئيسان، أولهما اختلافهما المرجعي والسياسي من حيث أيديولوجيا كل حزب وقاعدته الشعبية وتحالفاته الخارجية، وثانيهما الأهداف السياسية لكل منهما التي تبدو في تناقض صريح. فالحوثيون حركة تنطلق من خلفية مذهبية تعمل على تقييدها، وهي تظن أن الأمور في اليمن ستعود إلى طبيعتها بعودة حكم الإمامة إليها معتمدة على القوة العسكرية من أجل التوسع، وعلى فكرة أنهم أصحاب الحق وحدهم، وهذا ما يجعلهم في صراع لن يكون في مصلحتهم، إذ إن دول الإقليم وقوى الشعب اليمني لن تقبل بهيمنتهم السياسية ووضع اليمن تحت الوصاية الإيرانية التي يصبّ جهد الحوثيين في مصلحتها.

إن حزب التجمع اليمني للإصلاح الذي كان من أشدّ القوى معارضة لحكومة اليمن وللتحالف العربي وجد نفسه في وضع جديد بعد اغتيال الحوثيين للرئيس علي عبد الله صالح، ويحاول الحزب النأي بنفسه عن أي علاقة مع تنظيم الإخوان المسلمين، مدعياً أنه وريث حركة الإصلاح اليمنية. إن الحاجة إلى مواجهة المشروع الإيراني في اليمن دفعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة إلى لقاء مع حزب التجمع اليمني للإصلاح للاستفادة من حاضنته الشعبية الواسعة وذلك لجعل الحوثيين يظهرون بمظهر الجهة المعادية للشعب اليمني، ما يعرقل عودة السلام والشرعية إليه. ولكن إلى أي مدى يستطيع حزب التجمع اليمني للإصلاح البقاء في مربعات تقاطعاته مع التحالف العربي الذي يعدّ الإخوان المسلمين رافعة للإرهاب.

العلاقة الخفية بين بين قيادة التنظيم العالمي للإخوان وولاية الفقيه في إيران؛ لا تسمح لأي فرع من فروع الإخوان في العالم بالتصادم مع الأذرع الإيرانية الخارجية، وأمامنا العراق ولبنان وغيرهما أمثلة على ذلك؛ لذلك في المعارك الأخيرة في اليمن امتنع حزب الإصلاح عن المشاركة، وأدى ذلك إلى امتعاض خليجي رسمي ويمني شعبي كبير، وتبقى الحالة السورية استثناء على الرغم من الزيارات المتكررة لقيادات إخوانية سورية إلى إيران؛ جرى الكشف عنها مؤخراً.

إن الانتهاء من المعركة مع الحوثيين ستجعل تناقضات حزب التجمع اليمني للإصلاح تطفو على السطح في مواجهة المشروع السياسي الذي تريد دول التحالف العربي أن تصل إلى ضفافه، وهذا ما يجعل الصراع مستمراً في اليمن من دون الانتقال إلى قاعدة عمل وطني تحترم وحدة اليمن ووحدة مكوناته ويكون الفيصل فيها دستور وطني ديمقراطي.


المراجع

  1. الجزيرة، تقارير وحوارات، أحداث الثورة في اليمن 13/4/2011.
  2. mc.doualya.com، مونت كارلو، 4/12/2017 من هو علي عبد الله صالح.
  3. الجزيرة، تقارير وحوارات، أحداث الثورة في اليمن 13/4/2011.
  4. com 2/9/2014 من هم الحوثيون ومطالبهم، نصر بوعلام غبشي.
  5. noonpost.org، 23 أيار/ مايو 2016 نصر النمر، لماذا يخاف الناس من حزب الإصلاح.
  6. yemen-press.com، مأزق السلطة (الحوثيون في اليمن)، د. حمود ناصر القدمي 8/2/2015.
  7. الجزيرة، حزب التجمع اليمني للإصلاح، 29/3/2011.
  8. الجزيرة ، الشيعة الإثني عشرية مذهب أهل الإمامة والعصمة 20/2/2008.
  9. مركز الجزيرة للدراسات، محمد عزان أبو راس، قراءة النشأة الحوثية 16/11/2009.
  10. المصدر السابق.
  11. Sasapost، ساسة بوست، من هم الحوثيون.
  12. maghress.com
  13. الشرق الأوسط، ميليشيا الحوثي وأخطاء المجتمع الدولي.
  14. مركز الفكر الاستراتيجي، الحوثيون، الحقيقة العسكرية ومصادر الدعم، وحدة الدراسات والابحاث 18 أيار/ مايو 2015.
  15. الجزيرة، حزب التجمع اليمني للإصلاح 29/3/2011.
  16. السياسة الدولية، دورية متخصصة بالشؤون الدولية تصدر عن الأهرام 17/5/2015.
  17. العاصمة أون لاين، صنعاء الخميس 3 أيار/ مايو 2018.
  18. الشرق الأوسط عبد الهادي حبتور العدد 14285، 7/1/ 2018.
  19. رأي اليوم raialyoum.com، حزب الإصلاح يتبرأ من توكل كرمان بسبب تصريحاتها ضد السعودية 3/2/2018
  20. dw.com 8/1/2012 .

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.