الصين: هيمنة تدعمها القوة وتجارب نووية

يستمر التوتر بين الصين وأمريكا.. أي ظل تنافس محموم تشهده الدولتين مع محاولة بيجين صعود الهرم العالمي والتموضع في موقع يوازي الموقع الأمريكي المتصدر المشهد الدولي كقطب أوحد اقتصادي وعسكري وسياسي.

لذلك تسعى الصين لتحريك أداتي الاقتصاد والقوة العسكرية لضمان وصولها لتلك المكانة.. الأمر الذي أدركته واشنطن منذ فترة وسعت لإحتوائه بطرق مختلفة فكان أن هددت – وفرضت – عقوبات اقتصادية على الصين بعد اتهامها بالتجسس وسرقة تقنيات الغرب، وتهديدها للأمن الغربي والعالمي يضاف لها التحركات العسكرية المتكررة في بحر الصين الذي يشهد تنافسًا إقليميًا حادًا تقوم كلا البلدين بتحريك أدواتها هناك والعمل على محاصرة النفوذ المضاد.

واليوم دخلت الحرب اللا تماثلية الهجينة (الحرب البيولوجية) على مشهد الصراع، بعد إصرار واشنطن على اتهام الصين بدور مشبوه وراء تفشي وباء فيروس كورونا الذي انطلق من البر الصيني آواخر عام 2019، ليفوع في العالم كله مسببًا آلاف الضحايا ومئات آلاف المصابين دون أي علاج ناجع أو لقاح فعال حتى الآن، ما عرقل الاقتصاد العالمي وفاقم من المشاكل التي تواجه مختلف دول العالم.

توتر جديد

تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية (وفقًا لـ وول ستريت جورنال) لمّح أن الصين ربما أجرت تفجيرات نووية سرية، محدودة، على الرغم من تأكيدها على الالتزام بمعاهدة دولية تمنع إجراء مثل هذه التفجيرات.

وهذا النبأ، الذي كانت الصحيفة أول من نشره، قد يؤدي لتدهور العلاقات التي تعاني تصعيدًا بالفعل بسبب الاتهامات الأمريكية بأن جائحة فيروس كورونا العالمية نتجت عن سوء تعامل بكين مع تفشي المرض في مدينة ووهان في نهاية العام الماضي.

بدورها، ذكرت وزارة الخارجية الأميركية في تقريرها إن المخاوف الأميركية من احتمال انتهاك بكين لمعيار “القوة الصفرية” في التفجيرات النووية نشأت بفعل أنشطة في موقع لوب نور للاختبارات النووية خلال 2019.

وفي التفاصيل، لفتت “وول ستريت جورنال” إلى أن بواعث القلق الأميركي تعود إلى النشاط المكثف في موقع لوب نور الصيني لإجراء التجارب، وكذا عمليات حفر مهمة بداخله، فضلاً عن الاستخدام المزعوم للصين لدوائر مغلقة تحت الأرض، لاحتواء آثار التفجيرات.

وأضافت الصحيفة أن عاملاً آخر يعزز الشكوك الأميركية، يتمثل بتعطيل نقل البيانات في الأعوام الأخيرة من محطات المراقبة في الأراضي الصينية، التي أُنشئت بغرض تسجيل وتحديد أي انبعاثات إشعاعية، أو هزات ارتدادية تسببها التفجيرات النووية.

وجاء التقرير الأميركي في حساس في ظل التدهور المتصاعد في العلاقات المتوترة بين بكين وواشنطن مؤخرًا، بدورها قالت وزارة الخارجية الأميركية، في تقريرها، إن المخاوف الأميركية من احتمال انتهاك بكين لمعيار “القوة الصفرية” في التفجيرات النووية نشأت بفعل أنشطة في موقع “لوب نور” للاختبارات النووية خلال عام 2019.

معايير وخطوط حمراء

يقصد بمصطلح القوة الصفرية، إجراء اختبار نووي لا يشمل أي تفاعل متسلسل مصحوب بانفجار مثل النوع المستخدم في تفجير رأس حربي نووي.

حيث تنص معاهدة حظر إجراء التجارب النووية المبرمة في 1996 على السماح بالأنشطة التي تكفل أمان الأسلحة النووية.

الرد الصيني

أكدت الصين اليوم الخميس رفضها لاتهامات أميركية لها بمواصلة الأنشطة في موقع لتجارب الأسلحة النووية، وشدد المتحدث باسم الخارجية الصينية على أن بلاده ملتزمة بالحظر الدولي للتجارب.

واعتبر تشاو لي جيان، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية في إفادة دورية في بيجين أن الصين ملتزمة بالامتناع عن إجراء التجارب النووية مضيفا أن الولايات المتحدة توجه لها اتهامات كاذبة، ليعتبر المسؤول الصيني “الانتقاد الأمريكي للصين بلا أساس على الإطلاق ولا يستحق التفنيد”.

ونقلت وكالة “بلومبرغ” للأنباء عن المتحدث باسم الخارجية الصينية تشاو لي جيان، في مؤتمره صحافي اليوم في بيجين أن “الولايات المتحدة تتجاهل كل الحقائق وتوجه اتهامات لا مبرر لها ضد الصين”، واصفًا الأمر بأنه “غير مسؤول وله نوايا سيئة”.

وعقب مهاجمًا واشنطن: “بدلًا من تدمير مخزونها من الأسلحة الكيماوية، تسعى الولايات المتحدة إلى حشد عسكري شامل، والإخلال الخطير بالتوازن والاستقرار الاستراتيجي العالمي، وعرقلة عملية الحد من الأسلحة على المستوى الدولي”.

خصوصية التوقيت

يبدو أن خصوم واشنطن الكبار يسعون بشكل جدي لاستغلال أزمة وباء كورونا في محاولة إرباك تفوق أمريكا العسكري والاقتراب من القدرات العسكرية الأمريكية.. هذا ما تعكسه – على الأقل – تغيرات المشهد العسكري الدولي في الفترات الماضية.. لذلك يعلو صوت التهديد الأمريكي ضد الصين وروسيا وكوريا الشمالية وأحيانا إيران.

ومؤخرًا، مناورات طائرة الروسية ( وصفت بالخطيرة) بجانب طائرة الأميركية، يوم أمس الأربعاء، ومن ثم ذكرت قيادة الفضاء الأميركية أن الجيش الروسي اختبر صاروخًا قادرًا على تدمير الأقمار الاصطناعية الأميركية، في مدار أرضي منخفض.

وبعدها بوقت قصير، بيان للجيش الأميركي أعلن أن 11 زورقًا تابعًا للحرس الثوري الإيراني نفذت عمليات “اقتراب ومضايقة خطيرة” لسفن للبحرية الأميركية في الخليج العربي.. دون إهمال التحركات الكورية الشمالية.

وقال “تشاك هاغل” وزير الدفاع الأمريكي السابق والسيناتور الجمهوري من نبراسكا: “عندما يكون العالم وأميركا غير متوازنين، فإن ذلك يمثل فرصة لخصومنا”، “سيواصلون بذل قصارى جهدهم لتأكيد أنفسهم في هذا الوقت. لا أعتقد أننا مستعدون بشكل ملائم لأحداث مثل ما نعيشه الآن، خاصة جائحة صحية عالمية”.

هيمنة تدعمها القوة

تسعى إستراتيجية الجيش الأميركي الموحدة لردع الأعداء منذ الحرب العالمية الثانية؛ عبر إظهار القوة من خلال نشر الآلاف من القوات على الفور، أو التحليق في قاذفات قادرة على حمل الأسلحة النووية، أو إرسال مجموعات قتالية لحاملات الطائرات إلى مناطق صعبة.

واكتسبت الأهداف تلك أهمية متزايدة في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب، الذي يحتمي بأجهزة عسكرية دفعت لها ميزانية إدارة وزارة الدفاع (البنتاغون) التي تبلغ قيمتها 700 مليار دولار، ويبدو أن خجة فرض الهيمنة العالمية تواجه توقفا غريبا الآن، في وقت تستمر القوات المعادية بفرض التحديات المستفزة للأميركيين، في تحد واضح لسيطرة واشنطن العسكرية العالمية.

من جهته، قال رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال مارك ميلي، للصحفيين يوم الثلاثاء في مقر البنتاغون محاولًا تبرير السكوت الأمريكي وما يقابله من تحركات: “سنواصل تنفيذ مهامنا حول العالم في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، وما إلى ذلك. استعدادنا لا يزال مرتفعا. استعدادنا لا يزال قويا. نحن قادرون على ردع وهزيمة أي تحديات قد تسعى إلى الاستفادة من هذه الفرص في هذه المرحلة من الأزمة”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©