أوراق ليبية.. الطريق إلى سرت

لا أعتقد أن هناك عربياً أو مسلماً لا يتمنى الخير لليبيا وشعبها، ولا أعتقد أن هناك عربياً أو مسلماً لا يودُّ أن تنتهي الحرب الليبية بأسرع وقت.

فالشعب الليبي شعب لم تتلوث فطرته النقية بعدُ؛ وبقيت أخلاق البدو الصحراوية تكسو الشخصية الليبية؛ ولم تستطع المادية المعاصرة أن تؤثر فيها سلباً؛ كما يشهد التاريخ لهذه الشخصية بعنادها وثباتها حتى تحقق مرادها.

التاريخ يشهد للشخصية الليبية بهذا العناد والثبات ومقاومتها لأقوى المستكبرين حتى هزمتهم؛ وأعتى المستبدين حتى قهرتهم، فمن زاوية (جغبوب) البسيطة حيث كان الشيخ عمر المختار قد اتخذها منطلقاً ليعلم الليبيين فيها مبادئ وأبجديات العلم الحديث؛ وروحانيات التصوف، حتى تصقل نقاء الشخصية الليبية لتزيدها إشراقاً؛ انطلقت المقاومة اللبيبة ضد أقوى جيوش العالم آنذاك؛ لتسطر في التاريخ الليبي ملحمة نالت اعجاب القاصي والداني.

لقد هزمت بساطة وعفوية ونقاء (جغبوب) الصلف الديكتاتوري الاستعماري الإيطالي؛ وانتصر الشيخ الريفي البسيط عمر المختار على خبرة وحنكة القائد الموسوليني الايطالي آنذاك (غرازياني)، وانتصرت البساطة بعفويتها؛ على التطور الهائل الذي امتلكه الجيش الإيطالي آنذاك، وكان لنقاء وصفاء السريرة الليبية وثباتها وعنادها الدور الأكبر بالانتصار؛ ونالت المقاومة الليبية إعجاب العالم كله.

عادت الشخصية الليبية مرة أخرى لتسجل حضورها أمام أطول الدكتاتوريات العربية عمراً؛ لتنتفض ضد الجنرال القذافي؛ واستطاعت مبكراً أن تُنهي مرحلة خطيرة من تاريخ ليبيا؛ لتثبت أن عقود الاستبداد القذافية الطويلة؛ لم تستطع أن تشوه روح الشخصية الليبية؛ ولم تكسر عنادها؛ وأنهت حقبة كانت مقلقة للعالم كله.

ها هي الشخصية الليبية اليوم أمام تحدٍ ربما يكون الأخطر في تاريخها؛ لما يُنذر بويلات ذاتية وموضوعية على ليبيا وجوارها العربي؛ ويهدد استقرار القارة الأوروبية العجوز في أمنها القومي.

ها هي الحرب الأهلية الليبية تضع أوزارها، بعد أن فشل الجنرال حفتر في تحقيق مشروعه؛ وككل العسكر أطاحت عقليته العسكرية بمشروع كان من الممكن أن يقدم للشعب الليبي الكثير؛ أمام مشروع يقابله يجعلنا نفكر ألف مرة قبل أن نكون سعداء بنهاية الحرب الليبية.

إن مشروع حكومة الوفاق يستبطن داخله شراً كبيراً بليبيا وجوارها؛ شراً عايشناه في منطقتنا العربية حيث لم يدخل بلداً إلا وأحلَّ فيه الخراب والدمار والتخلف والهزيمة، إن شر الإسلام السياسي الذي يطلُّ برأسه اليوم في ليبيا مزهواً بنصر ينعش آمال أنصار الإسلام السياسي المهزومين نفسياً وشعبياً وكان سبباً رئيساً لانتكاسة الربيع العربي؛ ولاقى هزيمة رسمية وشعبية في كل مكان تواجد فيه بسنوات الربيع العربي.

إن خطورة مشروع الإسلام السياسي الذي تمثله حكومة السراج؛ لا تقف عند المجتمع الليبي؛ بل تتعداها إلى دول الجوار؛ فمصر التي تتلمس استقرارها بعد تخبط؛ يشكل انتصار الإسلام السياسي في ليبيا خطراً كبيراً على استقرارها رغم التخبط المصري باتجاه الاستقرار؛ وتونس الحضارية المتقدمة على المجتمع العربي كله بالوعي؛ عادت القهقرى بتولي حزب النهضة الوجه المخملي للإسلام السياسي في المغرب العربي، وأذرع السلطان التركي الجديد الطامح باسم الدين في خيرات ليبيا والضغط على مصر ودعم مشروع حزب النهضة بتونس ومناكفة الأوروبيين من جهة الجنوب؛ وصلت الأرض الليبية؟! وبدأت تقول كلمتها! ليزداد الصلف الأردوغاني مزهواً بنصر ربما يغطي على خيبات وعثرات أردوغان في سوريا ومصر والخليج العربي؟! ليصبح الهلال التركي الجديد يحيط بطرفيه أوروبا من شرقها وجنوبها.

في الأوراق القادمة سنتحدث عن خطورة مشروع الإسلام السياسي بتواجده في ليبيا؛ وخطورة أنْ يكون للعثمانيين الجدد قاعدة على الأرض الليبية؟! لنفهم عندها ليبيا إلى أين ذاهبة؛ ولا يعني هذا أننا من المناصرين لخط الجنرال حفتر؟ إنما كيف نقرأ استراتيجياً مآلات الطريق إلى سرت.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©