العالم وسيناريو الحرب المفيدة بين الولايات المتحدة والصين

مينا – هيئة التحرير

‏”العالم ثنائي القطبية بات بصدد التشكل”، عبارة أطلقها مدير مركز الدراسات الأوروبي “جاك مولان” في سياق حديثه ‏عن المنافسة بين الولايات المتحدة والصين في المجال الأنظمة الرقمية التي تدير العالم، لكن هناك من يرى أن حتمية ‏القطب الثنائي لابد أن يسبقها حرب قد لا تكون تقليدية، وهي بطبيعة الحال ليست نووية أيضا، وذلك لرسم نظام عالمي ‏جديد سبق وأكد إمكانية حدوثه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق “هنري كيسنجر”.‏

أبرز المؤيدين لنظرية الحرب المقبلة خبير التنمية والاقتصاد العالمي، “طلال أبو غزالة”، الذي أشار إلى أن صعود ‏الصين التجاري والتقني على مستوى تكنولوجيا الاتصالات هو أبرز معالم ومسببات الحرب المتوقعة، وأن الظروف ‏الراهنة والدراسات الأولية على المستوى الاقتصادي الدولي، تؤكد أن العالم سيشهد تطور الموقف إلى حرب تقليدية ‏بالصواريخ بين الولايات المتحدة، الباحثة عن الحفاظ على مكانتها العالمية؛ وبين الصين الحالمة بدور أكبر في توجيه ‏العالم عبر الاقتصاد وتكنولوجيا المعلومات.‏

عندما يتحدث العسكر..‏

دخول العسكر على خط، الأزمات، هو عادة مؤشر واضح إلى مدى عمق الأزمة، حتى لو لم تكن عسكرية، وهي في ‏الحالة الصينية ألأمريكية، أزمة تجارية، تخفي صراعا على الهيمنة العالمية. يقول أحد وزراء الدفاع الأمريكيين السابقين ‏إن “أمام الولايات المتحدة ثلاث أولويات هي الصين والصين والصين”.‏

‏”أبو غزالة” يرى أنه “عندما يتحدث العسكر عن الأولويات فإن الحديث هنا يدور حول حرب تقليدية بالصواريخ، يغذي ‏فكرة حدوثها رفض بكين لأي حوار مع واشنطن حول الوضع المستقبلي للعالم، وبالتالي فإن الخيار الوحيد أمام الإدارة ‏الأمريكية في المستقبل هو اللجوء إلى حرب صاروخية تساعد في إغلاق بحر الصين وتوقف حركة التجارة العالمية ‏للضغط على الحكومة الصينية للقبول بمفاوضات تقود على الأقل إلى عالم ثنائي القطب.‏

كلام “أبو غزالة”، سبقه تصريحات للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ذكر فيه أن الولايات المتحدة خلال عقدين من ‏الزمان خسرت كثر من 3 ملايين فرصة عمل في مجال الصناعة و60 ألف مصنع، بعد دخول الصين إلى منظمة ‏التجارة العالمية، كما وصل العجز التجاري الأمريكي وفقاً “لترامب” إلى 13 مليار دولار طيلة الفترة المذكورة،‏مضيفاً: “هذه المرحلة ولت ولن نسمح أن يكون عمالنا وشركاتنا ضحايا، كما لن نسمح لثرواتنا أن تنهب”، وهو ما ‏اعتبره مؤيدو نظرية الحرب المقبلة مؤشراً عليها وعلى الطرف الآخر فيها بمواجهة واشنطن. ‏

في لغة الأرقام، التي يعتمدها الخبير العالمي، وفي حال استمرت الأمور على ما هي عليه حتى العام 2030، فإن الناتج ‏القومي الصيني سيصل إلى ضعفي الناتج الأمريكي”، لكنه يرى أن المسالة أبعد من ذلك، فكافة العمليات التفاوضية ‏والاتفاقيات حول الأنظمة الضريبية بين الأمريكان والصينيين هي فقط للاستهلاك على مستوى الرأي العام، في حين أن ‏الحرب الحقيقية تدور حول قيادة العالم الجديد.‏

المنطقة العربية أكبر المستفيدين!!‏

على عكس ما يعتقد الكثر، فإن الحرب التي يؤكد “أبو غزالة” حتمية وقوعها، لن تكون مدمرة ويصر على وصفها بـ‏‏”المفيدة” لكل الأطراف بما فيها الصين والولايات المتحدة، على اعتبار أنها ستفتح المجال أمام عالم جديد بفرص جديدة، أما العرب فهم أكبر المستفيدين، يوضح أبو غزالة: “المنطقة العربية، ستكون من أكبر المستفيدين من تلك الحرب التي ‏ستؤدي إلى عودة العالم إلى ثنائية القطب، وبالتالي الدول العربية مالكة للموارد سيكون لديها القدرة على المساومة ‏بين القطبين، بدلاً من تبني وجهة القطب الواحد، طبعاً وكونها أحد أكثر مناطق العالم تضرراً من الحروب فإن الفترة ‏المقبلة إن تم السيناريو المتوقع، فستشهد حركة إعادة إعمار كبيرة فيها”.‏

ملامح الحرب القادمة بوجهة نظر الباحثين ومراكز الأبحاث لم تقتصر على الجوانب التجارية فقط، وإنما امتدت أيضاً إلى الكثير من ‏العوامل الأخرى، على رأسها تقنية الجيل الخامس من الاتصالات، الذي قال الباحث “أبو غزالة” إن الولايات المتحدة ‏تنظر لها كواحدة من أهم وسائل الصين للسيطرة على العالم، كونها تتيح لها التحكم بشكل كبير في العالم الرقمي والبيانات.‏

وهنا يظهر مفهوم الجيل الخامس من الاتصالات كنوع جديد من شبكات الإنترنت، الذي يقدم سرعات إنترنت أعلى ودعم عدد أكبر من أجهزة الخليوية الذكية، حيث يقوم على تطوير شبكتي الانترنت الموجدتين سابقاً، 3G و 4G، التي يستخدمها العالم حالياً، بالإضافة إلى تقديم تقنيات جديدة خاصة به من حيث نظاق الاتصال وطبيعته والتقنيات المستخدمة في تشغيله، وهو ما تراه الولايات المتحدة تهديد صيني مباشر لأمن البيانات الشخصية، لا سيما وأن الشركات الصينية هي من حلمت لواء طرح هذا النوع من الاتصالات وسيطرت عليه.

إلى جانب ذلك، أظهرت دراسة أجرتها جامعة “أيوا” الأمريكية، أن العالم بات أكثر انكشافاً أمام تقنية الجيل الخامس، لافتاً إلى أن التقنية الصينية الجديدة تمكن القراصنة من اقتحام الاتصالات بسهولة لضحاياهم والتلاعب ‏بالبيانات، كما بإمكانهم حسب الدراسة، إرسال الرسائل وإلغاء الاتصالات الموجودة على الهاتف النقال، من خلال سيطرتهم على الشبكات.‏

وكانت الصين قد أعلنت البدء بتطوير الجيل الخامس “5‏G‏” مطلع العام 2009، وينتشر حالياً في معظم أنحاء العالم عبر ‏عدة شركات بينها شركات صينية على رأسها شركة هواوي، التي تعرضت لعقوبات أمريكية قاسية في العام 2019.‏

هيمنة رقمية وقوة معلوماتية خارقة للحدود والجدران

مشكلة الولايات المتحدة الأمريكية مع شبكة الجيل الخامس، ووفقاً لما كشفه الدبلوماسي الأمريكي السابق، “كارلوس ‏باسكوال”، تتجلى في أن الصين تسعى لتدعيم موقفها العالمي من خلال الشبكة عبر الهيمنة على قطاع المعلوماتية في ‏العالم، متهماً شركة هواوي بأنها أحد أقطاب الخطة الصينية، خاصةً وأن الشبكة وقوتها الكبيرة ستقود إلى التحكم بكامل ‏البنى التحتية في العالم.‏

وبحسب المعلومات المتوفرة عن شبكة 5‏G‏ فإن سرعتها تفوق سرعة 4‏G‏ بما يتراوح بين 200 وحتى 1000 مرة، ما ‏يسمح باستخدامها في ترسيخ قواعد التحكم بالسيارات ذاتية القيادة وإجراء العديد من العمليات الجراحية عن بعد والتحكم ‏بشبكات توليد وانتاج الطاقة، الأمر الذي يمكن الصين بشكل مباشر من التحكم إلى حد كبير بالبنية التحتية والاقتصادية ‏والاجتماعية للدول التي ستتجه لاستخدامها، مقابل تراجع القبضة الأمريكية، وفقاً للخبراء. ‏

من جهته، أشار الخبير في المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية “جون شيبمان”، في حديث حول قوة الجيل الخامس ‏من الشبكات، إلى أن تطورها وقوتها قد يدقع بالعديد من الدول النامية للاتجاه نحو إلى الصين لبناء شبكات الاتصال ‏ومحطات التقوية ومراكز المعطيات وأنظمة المعلوماتية الحكومية، مضيفاً: “تمدد الشركات الصينية في آسيا وأفريقيا ‏وأمريكا اللاتينية يدفع إلى توسع عمليات جمع بيانات عريضة صالحة لتطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الخاصة ‏بها”.‏

في غضون ذلك، نوه مدير مركز الدراسات الأوروبي “جاك مولان” إلى خطورة وجود نظامين رقميين غير متوافقين ‏من التكنولوجيا، لافتاً إلى أن الأمور تدور حالياً حول رهان الهيمنة، وأن العالم ثنائي القطبية بات عملياً بصدد التشكل.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©