العراق مسارات متعثرة تجدد اشتعال الناصرية

تتجدد المظاهرات العراقية بين الحين والآخر منذ انطلاق “ثورة تشرين”، التي بدأت في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2019، في بغداد وانتقلت إلى بقية محافظات جنوب العراق احتجاجاً على تردّي الأوضاع الاقتصادية، وانتشار الفساد الإداري والبطالة، والتنديد بالتدخل الإيراني في الشأن العراقي.

الاحتجاجات توسعت في مدينة الناصرية، مركز محافظة ذي قار العراقية أمس الاحد، إذ تجمع المئات في ساحة الحبوبي، التي تمثل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2019، مركز التظاهر الرئيسي في المحافظة، وذلك تنديدا بالهجوم الدامي الذي تعرضوا له على يد أنصار زعيم التيار الصدري “مقتدى الصدر” الجمعة الفائتة، وراح ضحيته سبعة قتلى وعشرات الجرحى.

وتعد مدينة الناصرية التي تقع في جنوب شرق العراق على نهر الفرات من أكبر المدن المأهولة بالسكان بعد بغداد والبصرة والموصل وبلغ عدد سكانها في العام 2014 أكثر من 745,000 نسمة. عطلة أسبوع دامية..

مصادر خاصة أكدت لـ”مينا” أن التظاهرات امتدت إلى الشوارع المجاورة لساحة الحبوبي، ونصب المتظاهرين خياما جديدة بدل التي أحرقت على يد أنصار الصدر، مطالبين الحكومة العراقية بمحاسبة قتلة الضحايا.

إلى جانب ذلك، وصل وفد وزاري وصف بأنه رفيع المستوى إلى ذي قار أمس الأحد، لعقد اجتماعات مع المسؤولين المحليين والوجهاء وأعيان المدينة وشيوخها، وسط أنباء عن مساعٍ لعقد لقاءات مع ممثلي تنسيقيات التظاهرات وذوي ضحايا قتلى هجوم الجمعة.

وأكد محافظ ذي قار “ناظم الوائلي”، أن خلية الأزمة التي تشكلت بأمر من القائد العام للقوات المسلحة، رئيس الوزراء “مصطفى الكاظمي”، ستباشر مهامها بشكل سلمي وقانوني، موضحا في بيان أن الوفد الذي أرسلته الحكومة يدعم جهود ذي قار في بسط الأمن والنظام.

تشييع رمزي..

وامتد التوتر إلى عدة مدن عراقية أخرى، إذ شهدت أمس الاحد أيضا مدينة الكوت، مركز محافظة واسط، تشييعا رمزيا لضحايا الاحتجاجات على يد قوات الأمن، ونددت بتقاعس الحكومة عن حماية المتظاهرين، الذين سقط عدد منهم بين قتيل وجريح بعد صدام مع قوات الأمن أول أمس السبت الفائت.

بدورها، أشارت قيادة شرطة واسط في بيان لها إلى أن التداعيات التي رافقت تظاهرات أمس الأحد في المحافظة تسببت بانتحار مواطن، وإصابة ضباط وعنصر في الأمن العراقي، مهددة بالتصدي بكافة الوسائل للمخالفين.

ولم يتطرق بيان الشرطة إلى مقتل وجرح متظاهرين، إثر دهس عربات قوات الأمن لهم، وفق فيديوهات تناولها ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي.

يذكر أن الاحتجاجات التي شهدها العراق منذ انتهاء الحرب ضد تنظيم داعش 2017، واجهتها القوات الأمنية بعنف مسلح شديد واستعملت الرصاص الحي، وبلغ عدد القتلى من المتظاهرين حوالي 750 شخصا منذ بدء التظاهرات، وأُصيب أكثر من 20 ألف بجروح، من بينهم 3 آلاف “إعاقة” جسدية، حسب منظمات حقوقية.

قوانين مثيرة للجدل..

ولم تستطيع القوانين والقرارات الحكومية التي لاقت انتقادات واسعة من الشارع العراقي والمنظمات الحقوقية، من تكميم الأفواه وإرعاب المتظاهرين لمنعهم من التعبير عن رأيهم.

وطالب مركز الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، في الثامن عشر من الشهر الحالي، السلطات العراقية بوضع حد لعمليات الإعدام، التي طالت 21 عراقيا حينها، بمن فيهم “عناصر مزعومة من داعش” على حد تعبير موقع “أمنيستي”، والتي وصفتها بالانتقامية، متهمة محاكم العراق بانتزاع اعترافات تحت التعذيب.

كذلك أجلت الانتقادات الواسعة قبل خمسة أيام، إقرار البرلمان العراقي لقانون “جرائم المعلوماتية” الذي طرحت مسودته عام 2011، على خلفية احتجاجات عراقية تزامنت مع بداية الربيع العربي، وطالبت بإسقاط حكومة نوري المالكي حينها، والذي يهدف إلى محاسبة العراقيين على آرائهم، التي يعبرون عنها في مواقع التواصل الاجتماعي، وتصل عقوباته إلى السجن لمدة 10 سنوات.

وآخرها قبل يومين، إذ أصدر مجلس القضاء الأعلى العراقي، قراراً ينص على عقوبات مشددة ضد كل شخص يثبت تنفيذه اعتداء على عناصر الأمن أو الجيش، أثناء تأدية عملهم، كما أنه منح الحق للعناصر باستخدام سلاحهم وقتل الطرف الآخر في حل تعرضهم لاعتداءات، وبحسب القرار الجديد، فإن عقوبة الاعتداء على عناصر الأمن والجيش تتراوح بين الحبس أو الإعدام.

تسلط الميليشيات التابعة للأحزاب السياسية واستمرار الفساد المالي في الكثير من الأحزاب السياسية، زاد من اشتعال الشارع العراقي، وسط تلويح قوى عراقية فاعلة بالساحة السياسية بمقاطعة الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في السادس من يونيو/ حزيران المقبل،اذ شككوا في قدرة الحكومة على توفير بيئة آمنة لإجراء انتخابات نزيهة، مع ازدياد نفوذ المليشيات المسلحة المرتبطة بإيران وتدخلها بمختلف جوانب الحياة اليومية بالمدن ومنافستها الأجهزة الأمنية النظامية، فيما تستغل أطراف أخرى ذلك لأجل تحقيق أجندات خاصة، تريد من خلالها تعطيل الانتخابات.

تدهور اقتصادي..

ويبقى الوضع الاقتصادي الشغل الشاغل للحكومة التي تعاني من عدم قدرتها على دفع رواتب الموظفين الحكوميين قبل شهرين، اذ دعا البنك الدولي الحكومة العراقية على ضرورة اتخاذ حزمة محفزات مالية عاجلة وإصلاحات اقتصادية لمساعدة الفقراء والفئات الأشد هشاشة في العراق، محذرا من بروز تحديات اقتصادية جسيمة، في ظل أزمتي كورونا وانهيار أسعار النفط، موضحا أن “ما يصل لنحو 5.5 مليون عراقي قد يواجهون الفقر نتيجة ما وصفه بالصدمة المزدوجة”.

كما حذر مكتب اليونيسف في العراق من تعرض أطفال ومراهقي البلاد لخطر الفقر، مؤكدا أن أعداد المعرضين للفقر تضاعف إلى 40% من مجمل أطفال العراق

بدوره، كشف متحدث باسم وزارة التخطيط العراقية، “عبد الزهرة الهنداوي”، عن وجود 6250 مشروع في مختلف القطاعات الحيوية، مهددة بالتوقف خلال الفترة القادمة، بسبب الأزمة المالية الكبيرة، التي يمر بها العراق، لافتاً إلى أن العراق بحاجة ما لا يقل عن 100 مليار دولار ليضمن استمرارية عمل تلك المشاريع.

وفي محاولة لتحسين الوضع وافق مجلس النواب العراقي، قبل أسبوعين، على مشروع قانون “تمويل العجز المالي” او ما يعرف بقانون الاقتراض، الذي لاقى رفضا كرديا، إلا أن رئيس البرلمان العراقي “محمد الحلبوسي” أكد أن “القانون سيمضي أما بالتوافق أو بالأغلبية”.

حقوق النشر والطباعة ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©