العقوبات الأمريكية على الوزير باسيل.. رسائل مبطنة ودلالات خاصة

أثارت عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية على وزير الخارجية اللبنانية السابق ورئيس التيار الوطني الحر (أكبر كتلة مسيحية في لبنان) جبران باسيل، أثارت ضجة كبيرة مع الأثر المهم الذي تحمله تلك العقوبات على شخصية بوزن باسيل في ظل توقيت مهم يبعث برسائل خاصة محتملة تلقاها الشارع اللبناني بين مرحب ومستغرب.. حيث لم تستثن العقوبات هذه المرة؛ شخصية مسيحية مقربة من الغرب (فرنسا) على عكس المرات السابقة التي تستهدف وزراء محسوبين على حزب الله ومحور إيران في تطبيق لسلاح العقوبات الأمريكية عبر الضغط الاقتصادي.. حيث سبق للولايات المتحدة أن فرضت قبل شهرين، عقوبات على الوزيرين السابقين، علي حسن خليل ويوسف فنيانوس، بزعم تقديم الدعم المادي لحزب الله والانخراط في الفساد.

تجميد الأموال

يوم الجمعة الماضي، اتخذت وزارة الخزانة الأمريكية، قرارًا بفرض عقوبات اقتصادية على وزير الخارجية اللبناني السابق جبران باسيل.. (كان يتولى منصب وزير الخارجية في حكومة سعد الحريري التي استقالت في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2019، على وقع انتفاضة الشارع اللبناني).

حيث أكدت الوزارة في بيان رسمي، أنها “جمدت كل الأصول العائدة لباسيل في الولايات المتحدة، وطلبت من المصارف اللبنانية التي تجري تعاملات بالدولار تجميد كل أصوله في لبنان”.

وقال وزير الخزانة الأمريكية ستيفن منوتشين، في معرض تبرير تلك العقوبات، إنها تأتي على خلفية “تورط باسيل في الفساد والعلاقات مع حزب الله”.

حيث أضاف أن “الفساد المنهجي في النظام السياسي اللبناني المتمثل في باسيل، ساعد على تقويض أسس حكومة فعالة”، وفق ذات المصدر.

ليؤكد الوزير منوتشين أن: “هذا التصنيف يوضح أيضًا أنّ الولايات المتحدة تدعم الشعب اللبناني في مطالبته بالإصلاح والمساءلة”.

بدوره، وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، أكد في تغريدة له على تويتر يوم الجمعة، فرض عقوبات على باسيل واصفا إياه بـ “الفاسد الذي أساء استغلال مناصبه الحكومية”.

أسباب مباشرة

أوضح بيان الخزانة الأمريكية أنّ “لبنان قد عانى طويلاً من الفساد وسوء الإدارة على يد سماسرة السلطة، الذين يعملون من أجل مصالحهم الخاصة على حساب اللبنانيين الذين يفترض أنهم يمثلونهم.

كما نوّه بالاحتجاجات المستمرة منذ عام 2019، التي خرجت تطالب بالإصلاح السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي.

حيث أضاف البيان الأمريكي: أنّ الحكومات اللبنانية المتعاقبة قد فشلت في كبح التضخم، وتقليص الديون المتصاعدة، وتحسين البنية التحتية، وتوفير الكهرباء والخدمات الأخرى للمنازل اللبنانية.

واتهم البيان الوزير السابق بكونه في مقدمة الفساد داخل لبنان، وقال البيان: إنّ باسيل الذي تولى عدة مناصب رفيعة داخل الحكومة اللبنانية، وُجهت له تهم فساد كبيرة، ففي عام 2017، وثّق باسيل قاعدته السياسية بتعيين أصدقاء له في مناصب، بجانب شرائه نفوذ داخل الأوساط السياسية اللبنانية بأشكال مختلفة.

وفي عام 2014، تورط باسيل عندما كان وزيرًا للمياه في عدة مشاريع، كان هدفها توجيه أموال الحكومة اللبنانية إلى أفراد مقربين منه، من خلال واجهة من الشركات. بحسب بيان الخزانة الأمريكية

أمّا وزارة الخارجية الأمريكية، فنشرت من جهتها بياناً آخر قالت فيه: إنّ العقوبات المفروضة على باسيل كان سببها أيضاً نظام الفساد السائد والمحسوبية السياسية، الذي ساعد ودعم أنشطة حزب الله المزعزعة للاستقرار. حيث طلب بيان الخارجية من الساسة اللبنانيين “التخلي عن مصالحهم الذاتية الضيقة، والعمل من أجل الشعب اللبناني”.

لينتهي بيان الخارجية أنه نتيجة لتورط باسيل في الفساد، فإنه لن يكون مؤهلاً لدخول الولايات المتحدة، بموجب القسم 7031 (C)، من قانون وزارة الخارجية الأمريكية، والعمليات الخارجية الصادر في عام 2020

ونتيجة التهم السابقة، فإنّ جميع الممتلكات والمصالح الخاصة بباسيل، وأي كيانات يملكها بشكل مباشر أو غير مباشر بنسبة 50% أو أكثر، بشكل فردي أو مع أشخاص محظورين آخرين في الولايات المتحدة، سيتمّ حظرها وسيتمّ الإبلاغ عنها في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية

لا تراجع

تلوّح الولايات المتحدة الأمريكية منذ فترة، بفرض عقوبات على الوزير باسيل، أو على مقربين منه ومن رئيس الجمهورية، وبينهم وزراء سابقون ونواب على علاقة بحزب الله، فيما أكد مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر على استمرار بلاده في النظر في العقوبات بموجب قانون ماغنيتسكي الذي يحاسب المتورطين بتهم الفساد والاختلاس.

“شينكر” وفي مقابلة تلفزيونية له ركّز على أنّ “العقوبات ستستهدف الموارد المالية الخاصة بباسيل وحساباته المصرفية، ‏وستُظهر كيف تشعر الولايات المتحدة حيال الفساد الذي قام به باسيل خلال السنوات الماضية، ‏بالإضافة إلى علاقته بحزب الله التي سمحت للفساد بالازدهار”.

ليؤكد المسؤول الأمريكي على “استمرارية السياسات الأمريكية بغض النظر عن تغيير الإدارة فيها.. كما أجاب نائب الوزير على سؤال حول أثر العقوبات المفروضة بحق باسيل على عملية تشكيل حكومة الحرير في لبنان، استغرب “شينكر” رافضًا الربط قائلاً “لا أرى سبباً لذلك، فهذه العقوبات مستقلة”.

تبرير باسيل

اعتبر باسيل في أول تعليق له بعد فرض العقوبات أنه غير معني بتلك العقوبات فغرد قائلًا:

“لا العقوبات أخافتني ولا الوعود أغرتني.. لا أنقلب على أي لبناني… ولا أُنقذ نفسي ليَهلك لبنان. اعتدت الظلم وتعلّمت من تاريخنا: كُتب علينا في هذا الشرق أن نحمل صليبنا كل يوم … لنبقى. “

العم يتدخل

وجّه الرئيس اللبناني ميشال عون، يوم السبت الماضي، وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال، شربل وهبة، إلى إجراء “الاتصالات اللازمة” لمعرفة الأدلة التي دفعت واشنطن إلى فرض عقوبات على صهره رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل، بحسب بيان صادر عن رئاسة الجمهورية اللبنانية.

وأكد البيان أن الرئيس طلب من وهبة “إجراء اتصالات مع السفارة الأمريكية في بيروت والسفارة اللبنانية في واشنطن للحصول على الأدلة وتسليمها إلى القضاء اللبناني لكي يتخذ الإجراءات القانونية اللازمة بذلك”.

كما نوّه البيان أن الرئيس اللبناني “سيتابع هذه القضية مباشرة وصولًا إلى إجراء المحاكمات اللازمة في حال توافر أي معطيات حول هذه الاتهامات”.

الحليف يدعم

يبدو أن حزب الله يريد تسجيل موقف في صالح حليفه رئيس التيار الوطني، كونه أحد المسببات الرئيسية للعقوبات الأمريكية على باسيل الذي يدّعي رفضه التخلي عن الحزب وعلاقاته معه..

وفور صدور البيانات الأمريكية، يوم الجمعة، أدان حزب الله”، العقوبات التي فرضتها واشنطن على باسيل، حيث اعتبرها “قرارًا سياسيًا وتدخلًا سافرًا” في شؤون لبنان.

وذكر بيان الحزب أنه “يدين القرار الذي اتخذته وزارة الخزانة الأمريكية بحق رئيس التيار الوطني الحر (حزب الرئيس ميشال عون) الوزير جبران باسيل”.

وقال إن “الولايات المتحدة راعية الإرهاب والتطرف في العالم، والدولة التي ترعى الفساد والفاسدين والدول الديكتاتورية، وتؤمن حمايتها ودعمها بكافة الوسائل، بالتالي هي آخر من يحق له الحديث عن مكافحة الفساد”.

واعتبر أن “هذا القرار بالتحديد يهدف إلى إخضاع فريق سياسي لبناني كبير (يقصد تحالف 8 آذار الذي يقوده “حزب الله”) للشروط والإملاءات الأمريكية على لبنان”.

وأكد الحزب وقوفه إلى جانب “التيار الوطني الحر” في مواجهة هذه القرارات التي وصفها بأنها “ظالمة ومرفوضة”.

الشارع منقسم

بين من يرى في العقوبات أملًا لمكافحة الفساد؛ وبين من يعتبرها تدخلًا بالشأن الداخلي.. انقسم الشارع اللبناني حول القرارات الأمريكية الأخيرة بحق باسيل.

ودعمًا وتضامنًا مع رئيس التيار الوطني الحر، أطلق بعض رواد مواقع التواصل وسم #كلنا_مع_باسيل رفضًا للعقوبة السياسية وفق توصيفهم.

في حين اعتبر بعض المغردين أن سبب العقوبات ليس الفساد كما جاء في بيان وزارة الخارجية الأمريكية بل تحالف التيار الوطني الحر الذي يقوده باسيل مع حزب الله.

ليرى آخرون أن “العقوبات على أي مواطن لبناني مرفوضة وهي اعتداء على السيادة اللبنانية” ومحاربة الفساد هي مهمة القضاء اللبناني. (وهو ما يتشابه مع رؤية وتعليق الرئيس عون)

الصحافي اللبناني سامي كليب – المحسوب على محور سورية وحزب الله – اعتبر أن “واشنطن تحتاج إلى فرض عقوبات على حلفائها الفاسدين في لبنان، كي يصدّق اللبناني المقهور والفقير أن عقوباتها هي فعلا لمكافحة الفساد وليست سياسية.”

بينما سخر معلقون من تذرع البعض بـ “حجة” السيادة لاستنكار العقوبات، في الوقت الذي جعل السياسيون لبنان رهينة للخارج.. رأى آخرون أن القضاء اللبناني لا يمكنه محاسبة السياسيين لأنه معين من قبلهم.

ليتزعم الآراء المؤيدة للعقوبات، بهاء الدين الحريري شقيق رئيس الوزراء اللبناني المكلف، سعد الحريري، حيث أكد أن “العقوبات تؤكد أن المجتمع الدولي لن يقف مكتوف الأيدي بينما النخبة الفاسدة في لبنان المتحالفة مع حزب الله تدفع البلاد إلى الحضيض.”

انتقام متوقع

كشفت مصادر في لقاء عين التينة اللبناني، أن التيار الوطني الحر أكد خلال اجتماعات خاصة بتشكيل الحكومة الجديدة، برئاسة المكلف “سعد الحريري”، أن ما بعد فرض العقوبات الأمريكية على رئيس التيار، “جبران باسيل” لن تكون كما قبلها، في إشارة إلى نيّة التيار لعرقلة تشكيل الحكومة.

وأشارت المصادر المقربة جدًا من حركة أمل، أن “باسيل” يتصرف في الملفات الداخلية دون أي فصل عن الملفات الخارجية، لافتةً إلى أن التيار الوطني – الذي يرأسه باسيل – يركّز حاليًا على مسألة العقوبات حتى وإن كان الأمر على حساب لبنان واللبنانيين، بحسب وصفها..

سياقًا، أكدت المصادر أن رئيس مجلس النواب “نبيه بري” قد دخل على خط الأزمة الحاصلة، محاولاً الحد من تأثير الملفات الخارجية على مسألة تشكيل الحكومة، مشيرةً إلى أن سيعقد سلسلة من الاجتماعات للوصول إلى تسوية حول ملف الحكومة، خاصةً وأنه اعتبر أن فرض العقوبات على مساعده السياسي، الوزير “علي حسن خليل”، يجب ألا تؤثر على مصلحة اللبنانيين.

لتوضح ذات المصادر أن: “باسيل يتصرف حاليًا بروح الانتقامية، ليس فقط من خصومه السياسيين، وإنما من كافة اللبنانيين، وكأن العقوبات صدرت بأمر من لبنان واللبنانيين”، حيث لفتت إلى أن الأمور اتجهت نحو المزيد من التعقيد والتصعيد.

رسائل أعمق

عملت واشنطن على البعث برسائل مهمة عبر عقوباته على مسؤول لبناني بارز كجبران باسيل، مع وجود أنباء عن قرب وقوع عقوبات بحق مسؤولين آخرين، حيث تبعث بذلك رسالة عامة لكل السياسيين اللبنانيين الذين يعرقلون تشكيل الحكومة والمتحالفين مع حزب الله.. مع تهديد مبطن للرئيس عون نفسه كون العقوبات مست صهره وخليفته المحتمل.

كما تؤكد تلك العقوبات على باسيل بالذات، الغضب الأمريكي من تحركات فرنسا الأخيرة – باسيل مقرب من باريس – بعد التقارب والغزل مع حزب الله أثناء زيارة ماكرون الأخيرة إلى لبنان.

حساسية التوقيت لا يمكن إهمالها حيث جاءت بالتوازي مع ثلاثة أحداث رئيسية أولها بدأ مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية أممية ما يعني احتمال وجود ضغط أمريكي بهذا الشأن.. وثانيها تعثر تشكيل الحكومة بعد تكليف الحريري، حيث يعتبر باسيل أبرز معرقلي التشكيل.. والثالثة قرب رحيل الحكومة الأمريكية الحالية بعد فوز جوبايدن بالانتخابات الرئاسية، وهو ما كانت تراهن عليه إيران وحلفائها في لبنان فجاءت العقوبات لتعرقل بعض خططهم حيث لا يمكن لـ “بايدن” إلغاؤها ببساطة.

بين السفيرة وباسيل

اتهمت السفيرة الأمريكية في لبنان “دوروثي شيا”، رئيس التيار الوطني الحر “جبران باسيل” بأنه يكذب في تصريحاته الأخيرة، حول عدم قبوله طلبًا أمريكيًا بفك الارتباط مع ميليشيات حزب الله، لتؤكد أنه كان مستعدًا للتخلي عن الحزب مقابل بعض الشروط.. حيث نفت السفيرة وجود نيّة لدى أمريكا لاستهداف التيار الوطني الحر، بكتلته الحزبية، مشيرةً إلى أن العقوبات الأمريكية مفروضة على شخص وليس على كيان سياسي أو بنية حزب.

سياقًا، أكدت “شيا” أن ليس من مسؤولياتها تحذير “باسيل” من إمكانية خضوعه للعقوبات الأمريكية، لافتةً إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تجمع المزيد من الأدلة حول التهم، التي تم على أساسها معاقبة وزير الخارجية الأسبق.

المكتب الإعلامي لباسيل أصدر ردًا على السفيرة الأمريكية التي علّقت على خطابه بالأمس كاشفةً أنه أعرب عن الاستعداد للانفصال عن حزب الله بشروط معينة. وجاء في البيان التالي:

“في ردّها على كلام رئيس التيار الوطني الحر، أعطت السفيرة الأميركية في بيروت برهاناً على انه لا توجد إثباتات على الاتهامات الموجهة لرئيس التيار ‏بالتورط في الفساد وذلك بإعلانها أن المعلومات التي تم الاستناد إليها غير قابلة للنشر؛ ‏فإذا كانت هذه المعطيات متوفرة ولا تريد نشرها فإنّ النائب باسيل يطالب أقلّه بأن تقوم الجهة الأميركية المعنية بتسليمها للسلطات اللبنانية المختصة.

‏من جهة أخرى، نعيد التأكيد ان موضوع الفساد لم يطرح لا من قريب ولا من بعيد في النقاشات التي حصلت، لا لناحية وروده في العقوبة ولا لناحية اي مطالب لواشنطن ‏بخصوصه، بل دارت المباحثات حول التفاهم مع حزب الله والمواضيع المرتبطة به، ولم يكن من موجب للنائب باسيل ان يسأل او يعتب او يهتمّ لنوع العقوبة.

وليؤكد البيان على استمرار العلاقة مع حزب الله حيث قال: “في النهاية، إذا كانت السياسة الأميركية قد فشلت حتى الآن في فك التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله على الرغم من كل الضغوط التي مارستها واشنطن عبر السنين وبالرغم من كل التهديد والترغيب، فإن محاولة دق الاسفين بينهما من خلال بيان إعلامي، يتكلّم عن “شروط معيّنة” بدل الكلام عن مسار حواري وطني شامل، هي محاولة ظريفة ولكنّها لن تنجح بهذه الطريقة حتمًا”.

حقوق النشر والطباعة ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©