العلاقات الأمريكية الروسية شرق الأوسطية؛ صراع أم تقاسم نفوذ

 

يحتاج الحديث عن العلاقات الأمريكية الروسية شرق الأوسطية إلى معرفة مصالح الجانبين ونفوذهما وقدراتهما وحلفائهما في هذه المنطقة الحيوية من العالم. ويحتاج فهم الصراع بينهما إلى معرفة ميزان القوى السياسي والاقتصادي والتقاني وإلى أي الجهتين يكون رجحان هذا الميزان. هذه الورقة تغوص في أعماق العلاقة الصراعية بينها من خلال المحاور الآتية:

  • السياسية الروسية في الشرق الأوسط.
  • عقدتا إيران وسوريا.
  • سمات الاستراتيجية الروسية.
  • الدور الروسي الجديد وأهدافه.
  • السياسة الأمركية في الشرق الأوسط.
  • المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.
  • مواجهة غير مباشرة.
  • سيناريوهات أمريكية محتملة.

المدخل

الروس وعبر تاريخهم المعاصر المتمثل في مرحلتين هما المرحلة السوفياتية والمرحلة ما بعد السوفياتية، كانوا يعملون بدأبٍ شديدٍ من أجل خلق توازن شامل بينهم وبين معسكرهم من جهة وبين العالم الغربي. وبعد الحرب العالمية الثانية أخذ الصراع بين الجانبين صورة الحرب الباردة، ولكن الروس كانوا يدركون التفاوت الكبير اقتصادياً وعلمياً بينهم وبين الغرب وتحديداً مع قاطرته الرئيسة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الأمر الذي دفعهم بحسب اعتقادهم إلى العمل من أجل ردم هوّة التفاوت عبر التوازن العسكري وتحديداً “النووي” منه. ولكن يمكن الإقرار بدأب روسيا في عهدها الحالي بقيادة فلاديمير بوتين من أجل التحوّل إلى قوّة عظمى، ليس عسكرياً فحسب، بل في الجوانب الاقتصادية والسياسية والعلمية.

ومع ذلك ينبغي الإقرار بأنّ روسيا “لم تعد القوّة العظمى التي كانت في السابق، إلاّ أن منطقة الشرق الأوسط منطقة هشّة، ولا تحتاج موسكو إلى بذل كثير من الجهد لتأكيد نفوذها في الحصول على موطئ قدمٍ عسكريٍ هناك”(1).

السياسة الروسية في الشرق الأوسط

الروس ومنذ زمن بعيد تراود مخيلتهم فكرة إيجاد موضع قدمٍ ونفوذٍ في “المياه الدافئة”، ولعلّ الدور الروسي في مرحلة الحرب الباردة استطاع إيجاد هذا الموضع من خلال بعض الدول في المنطقة مثل مصر في عهد الرئيس عبد الناصر وسوريا أو العراق في عهد حكم البعث. كانت هذه البلدان تصنّف بحسب المفهوم “السوفياتي” بلدان تحرر وطني. ولكن هذه العلاقات كانت خاضعة لاعتقاد أيديولوجي أكثر من كونه مصالح سياسية نفعية متبادلة، وهو أمر جعل قيادة السوفيات آنذاك تخسر في المستوى الاقتصادي لتكسب في المستوى السياسي، فقد كانت تقدّم المساعدات العسكرية والاقتصادية والعلمية من دون الحصول على أثمان مساوية مقابل ذلك. وبعد سقوط دولة الاتحاد السوفياتي عام 1991 ورثت روسيا أغلب ما يتعلق بتركات الدولة السوفياتية، سواءً عسكرياً أم اقتصادياً، وحتى في مستوى المقعد الدائم في مجلس الأمن الدولي. وصار واضحاً بالنسبة إلى روسيا ضرورة أن يكون هدفها الرئيس هو “العمل على تعميق نفوذها في الشرق الأوسط من خلال استعادة مصالحها الكبيرة في المنطقة التي كانت تملكها إبّان الحرب الباردة مع الغرب، كذلك إبعاد الولايات المتحدة عن مناطق نفوذها في البحر المتوسط وخصوصاً سوريا”(2).

إنّ السياسة الخارجية الحالية للدولة الروسية في الشرق الأوسط هي سياسة تقوم على أمور عدّة تحظى بأولوية روسية، ويأتي في مقدمة هذه السياسة إيجاد جسور علاقات اقتصادية وتجارية وعسكرية مع شركائها القدامى “مصر- سورية – ليبيا – العراق – الجزائر” والبحث عن شركاء جُدد. ويمكن تسمية هذه السياسة بأنها “استراتيجية الأعمال المتعددة الاتجاهات”. فالروس ينطلقون في سياساتهم الخارجية في الشرق الأوسط وكذلك عالمياً من قاعدة خدمة أهداف استقرارهم الداخلي اقتصادياً واجتماعياً وأمنيّاً بما يعزّز دورهم ومكانتهم على الصعيد الدولي.

ويمكن القول إن روسيا التي خرجت من انفراط عقد الاتحاد السوفياتي ما تزال تحيا هاجس عداءٍ عميق مع الغرب عموماً ومع الولايات المتحدة خصوصاً. ويظهر هذا الهاجس من خلال سياسة الغرب الذي يحاول من خلال العقوبات التي يفرضها على الدولة الروسية بعد تفجّر الأزمة الأوكرانية وقيامها باحتلال شبه جزيرة القرم من أجل وضعها تحت حصار اقتصادي. وكذلك من خلال اعتبار الدولة الروسية دولة تهديد لأوروبا والعالم، الأمر الذي دفع بالغرب إلى نشر نظام الدرع الصاروخي، هذا الدرع جعل العلاقة بين الغرب وروسيا علاقة عداء. ويمكن اعتبار توسيع حلف شمال الأطلسي “الناتو” بعد انهيار حلف “وارسو” عامل تحفيزٍ لاستياءٍ روسي على الغرب، ما دفع الروس إلى المجاهرة بمعارضة الاتجاه العالمي القائم على نشر الديمقراطية الذي يعتقد الروس أن جوهره هو احتواء الغرب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة لكلّ الحلقات الرأسمالية الأضعف. وهذا يثير مخاوف الدولة الروسية كما يثير غضبها من اعتبارها حلقةً ضعيفةً من حلقات التبعية للمركز العالمي للرأسمالية “أمريكا”.

عقدتا إيران وسوريا

إنّ حجم الجهد الروسي المبذول في الملفين الإيراني والسوري باعتبارهما ملفي صراع روسي غربي بصورة أو أخرى يُظهر قيمتهما القريبة والاستراتيجية بالنسبة إلى روسيا. فهذان الملفان يمكن اعتبارهما نقاط تماسٍ صراعي بين الدولة الروسية والغرب عموماً وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية. ويمكن فهم المصالح الروسية في إيران من واقع الشغل الروسي فيها في مستوى الاقتصاد والطاقة، فالروس هم من بنى المفاعلات النووية الإيرانية التي ينبغي أن تخضع بموجب الاتفاقات الدولية لرقابة التفتيش الذي تقوم به هيئة الطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة. الروس يريدون زيادة أعمالهم في إيران في هذا الجانب، ولكنهم من طرفٍ آخر لا يقبلون بامتلاك إيران للسلاح النووي، لأنهم أقرب المستهدفين المحتملين نتيجة التناقض العميق بين أيديولوجيتي البلدين وسياستيهما ومصالحهما. إنّ دعم روسيا “لقرار مجلس الأمن رقم 1929″(3) الذي أتى على أرضية الكشف عن منشأة “فوردو” النووية الإيرانية السرّية يعبّر عن حالة الموقف الروسي الذي يمكن تلخيصه بالقول إن الروس يريدون شغلاً في إيران، ولكنهم في الوقت ذاته يرفضون تطوير برنامجها النووي ما يُبقي هذه المنشآت قيد الحاجة إليهم.

أما ما يتعلق بالعقدة السورية فالروس وهم أهل ثورة أكتوبر عام 1917 يكرهون ثورات الشعوب على حكامها، وباعتقادهم أن مثل هذه الثورات هي ثورات مدعومة من الغرب لها أهداف أبعد من إطاحة نظام حكمٍ دكتاتوري أو استبدادي. الرفض الروسي لفكرة الثورات الشعبية ضد أنظمتها الحاكمة يمكن اكتشافه ببساطة من مواقفهم الرافضة للأحداث في جورجيا وأوكرانيا وقرغيزيا وليبيا. لهذا وقف الروس منذ البداية ضدّ الثورة السورية اعتقاداً منهم أن محتوى هذه الثورة هو محتوى هيمنة غربية على هذا البلد، ومن ثم هو نموذج لو قبلوا به سيجري تعميمه في مناطق أخرى وربما يصل هذا النموذج إلى أبواب الكرملين.

الموقف الروسي من الثورة السورية صُنِّف على أنه موقف مسيحي من ثورة سُنّية، ومن ثم فإن الروس بدوا وكأنهم يريدون الدفاع عن الأقليات الدينية والطائفية والإثنية أمام الطرف الثائر “السُنّة”. ونظن أن قاع الموقف الروسي هو قاع مختلف عن هذه المقاربة، فالنظام الروسي الحالي الذي يقوده فلاديمير بوتين هو نظام أوليغارشي يحكم روسيا بقوة مجموعات الضغط الاقتصادي الكبرى وضغط جهاز الأمن الروسي ال “ك ج ب”. ويمكن القول إن الروس لا يريدون سحق السُنّة بوصفهم فئة دينية اجتماعية بقدر رغبتهم في توسيع العلاقات مع العالم الاسلامي السُنّي.

إن الروس يدركون أن العقدتين الإيرانية والسورية هما عقدتان مهمتان في اتجاهين مختلفين، وينبغي فهمهما، فالاتجاه الأول هو تفاهم أمريكي روسي محتمل حول هذين الملفين، والاتجاه الآخر هو اتجاه صراعي تخشاه روسيا لأن لا أحد يعرف أين ستكون نتائجه. ولكن مع ذلك فالروس ينتظرون “أن تقدّم الولايات المتحدة خطةً بخصوص سوريا، لمرحلة ما بعد الأسد في سورية تشمل المصالح الروسية، ويوافق الكرملين عليها، فروسيا عازمة على تجنب الغوص في مرحلة ما بعد الأسد في سوريا، ولكنها تظن في الوقت ذاته أنه يتعيّن على المجتمع الدولي ألّا يلعب دوراً في تشكيل الحكومة السورية”(4).

إن الروس يقرؤون جيداً تردد الولايات المتحدة الأمريكية في الانخراط بالصراع السوري بشكل مباشر، ويدركون أن أهداف الولايات المتحدة السياسية تختلف عن أهدافهم، وتواجه صعوبات أكبر. ومع ذلك، فإنّ تدخّل الولايات المتحدة المباشر، سيضع مسار الصراع في سوريا في اتجاه لا يتفق مع الأهداف الروسية، ومع الأوضاع التي سمحت للروس بالتدخل في هذا البلد عام 2015، بغية تثبيت مصالحهم، وعدم ترك هذا البلد يذهب إلى حلقة الاحتواء الأمريكية. ويمكن القول إن الروس باتوا على قناعة بأن الشرق الأوسط غدا معهم “في مجالٍ جيوسياسي مشترك بعد تأسيس رابطة الدول المستقلة في وسط آسيا “القوقاز” ما أحدث قدراً كبيراً من التداخل الأمني والاستراتيجي بين المنطقتين”(5). وصار جزءاً من محددات الاستراتيجية السياسية للدولة الروسية.

سمات الاستراتيجية الروسية

يمكن تلمس سمات الاستراتيجية الروسية من وعي الروس لوضع بلادهم حيال الصراع القديم الحديث مع الغرب. فالروس ما تزال حلقة الباعث القومي قويةً لديهم، وهم يظنون أن الانخراط ضمن مراكز قوى النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوّة العظمى اقتصادياً وعسكرياً وتقانياً.. الخ، سيضرّ بمستقبل بلادهم وبطموحاتهم التي تركّز على لعب دور دولةٍ عظمى. هذا التيار الذي يقود روسيا حالياً هو تيار تمتزج فيه الليبرالية الاقتصادية الموجهة والمسيطر عليها مع نزعة قومية روسية مبنية على ضرورة مقولة أن تكون هناك “روسيا العظمى”. هذه المحددات دفعت الروس إلى وضع ملامح استراتيجيتهم حيال العالم الخارجي، فارتدوا عن الفهم والممارسة السياسية لسلفهم السابق “الاتحاد السوفياتي”، واتجهوا إلى اعتماد سياسة تحكمها “النفعية” لا الأيديولوجية. هذه النفعية تحتاج إلى عناصر تحملها، يأتي في مقدمتها توفر قيادة براغماتية لا ترى غير مصالح روسيا أولاً بغضّ النظر عن حجم ما تخلّفه هذه السياسة من كوارث على الآخرين. لذلك يقاتل الروس وفق براغماتيتهم “نفعيتهم” لتقديس وحدة التراب الروسي من خلال استخدام ذراع القوة العسكرية، وهذا ما ظهر في قضية احتلالهم لشبه جزيرة القرم، التي يظنون أنها “أرض روسية”. البراغماتية السياسية شكّلت جوهر الاستراتيجية السياسية الروسية حيال الخارج، وهذا ما ساعد الروس على التمتع بمرونة سياسية وحرية حركة من دون النظر في ثبات هذا الاتجاه ونجاعته استراتيجياً. “إنّ تحليل الاستراتيجية الروسية يمكن أن يساعد على التوقي من المفاجآت غير المحمودة، إنّ معرفة الموقع والزمن اللذين يحتمل أن تبذل فيهما روسيا الموارد الاقتصادية أو العسكرية أو الديبلوماسية يمكن أن يتيح الوقت والمجال للتدابير الوقائية”(6).

إنّ البراغماتية “النفعية” التي تشكّل محور السياسة الروسية يمكن من خلالها الاستدلال على مبادئ السياسات الخارجية لروسيا من جهة ومدى انطباقها على منطقة الشرق الأوسط. ويجري اكتشاف ذلك من خلال السعي الروسي إلى علاقات إقليمية ودبلوماسية تتصل بمنافع في حقلي الأعمال والاقتصاد. هذه النفعية مفيدة في المدى القصير “المرحلي” وخاسرة في المدى الاستراتيجي، فهذه السياسة سماتها الأساسية ترتكز على أهداف محددة ذات وظيفة اقتصادية أو سياسية عاجلة، ولكنها لا تعتمد على تمكين الفرص الكبرى للاستثمارات لعب دور أساسي كبير في التنمية المضطردة للاقتصاد الروسي، ما يجعل الهوّة بين المنفعة الاقتصادية المرحلية والاتجاهات السياسية الاستراتيجية في حالة تعارض عميق إن الروس يهتمون بالشرق الأوسط، ولكن اهتمامهم بأوروبا وآسيا أكثر أهمية استراتيجية بالنسبة إليهم، وإن وجودهم وانخراطهم في الشرق الأوسط يمكنه توفير فرصٍ محدودة لحماية مصالحهم الحيوية في هذه المنطقة. السياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط يحركها دافع داخلي يتمثل بالإصرار على أن تلعب روسيا دور دولة عظمى، هذا الدور يخفي خلفه طلب مكانة محددة للدولة الروسية في مستوى المكانة العالمية في التجارة والطاقة والاستقرار الإقليمي. وباعتبار أن الروس يعرفون أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفها الغربي فهم يستخدمون هذه الورقة من أجل جعلها ورقة تقاطعات مصالح روسية مع الغرب في مسائل عدة تختص بصراعاتهم في مواقع دولية ومسائل أكثر أهمية.

إن الروس يعرفون أن علاقات الشرق الأوسط في تاريخه الحديث منذ مئتي عام على الأقل مع الغرب هي علاقات ذات أبعاد مختلفة، بينما تنظر حكومات الشرق الأوسط إلى الدور الروسي بمزيد من الشك في النيات الروسية، وعلى الرغم من ذلك يظن الحكام العرب في الشرق الوسط أن روسيا يمكنها أن تلعب دوراً مسانداً في ظل تراجع الدور الأمريكي والغربي، وهذا ما يفسر السياسات المتبعة لدى الحكومة المصرية في عهد السيسي حالياً ولدى الحكومة السعودية في العهد السعودي الحالي الذي يقوده الملك سلمان ونجله.

لا يريد الروس إخراج الأمريكيين من الشرق الأوسط، ولكنهم يريدون تقويض النفوذ الأمريكي في المنطقة، هذا الدور يؤدي إلى خلخلة سياسية قد تصبح صراعاً في لحظة من اللحظات الحاسمة. ومع ذلك يريد الروس فرصاً اقتصادية تدعم اقتصادهم البطيء، الذي يعتمد على مبيعات السلاح وتصدير الطاقة، فهم بحاجة إلى رؤوس أموال كبرى، تضخّ في مشروعات استثمارية في بلادهم، ويمكن توفير هذه الأموال من دول الخليج الغنية.

الدور الروسي الجديد وأهدافه

يمكن النظر إلى دور روسي جديد في الشرق الأوسط بدأ ما بين عامي (2005 – 2007)، إذ زار الرئيس فلاديمير بوتين خلال هذه المدّة أغلب دول الشرق الأوسط، ويبدو أن هذه الزيارات كانت أقرب إلى استكشاف فرص تطوير علاقات. لم يكن الروس آنذاك قادرين على تصور علاقات سياسية واقتصادية ذات نفع متبادل مع أغلب الدول التي زارها بوتين، لم يكن لدى الروس ما يقدمونه لهذه الدول التي ترتبط أغلبها بعلاقات تاريخية متينة مع الولايات المتحدة والغرب الأوروبي. لكنّ حدوث ثورات “الربيع العربي” جعل موسكو تُحسُّ بخطر انتقال هذه الثورات إلى مرحلة إطاحة مصالحها في المنطقة. لم يدرس الروس بنى المجتمعات العربية وأنظمة حكمها المنفصلة في الواقع عن هذه المجتمعات التي كان من الصعب عليهم تلمس التناقض العميق بين هذه المجتمعات وأنظمة حكمها المنفصلة في الواقع عنها التي تقف معوّقاً أمام تطورها.

عدم الفهم الروسي لهذه الحالة جعلهم يقفون ضدّ ثورات الربيع العربي من موقع أنها حركات تمرّد، تقف خلفها الولايات المتحدة والغرب. شكّلت هذه الرؤية مدخلاً جديداً للسياسة الروسية اللاحقة، وتحديداً التدخل الروسي المباشر في الصراع السوري في الربع الأخير من عام 2015. لم تعمل الدبلوماسية الروسية على تعميق التناقض بين قوى الثورة السورية السلمية والغرب، بل نظرت إلى هذه القوى نظرة مستقاة من تخوفها ومن هاجس حذرها من الغرب. كان الروس فعلياً يدافعون كما يظنّون عن أنفسهم في الشرق الأوسط من خلال مواقفهم المؤيدة لأنظمة حكم فاسدة، كانت النفعية جوهر فهمهم، ولهذا “اتسم الموقف الروسي تجاه ثورات الربيع العربي بالبراغماتية “النفعية”، فلم ترحب روسيا بثورات الربيع العربي خوفاً من عدوى الثورة ومن تشابكات الوضع الداخلي الروسي، ومن القلق العميق من القوى الإسلامية الأصولية، إضافة إلى أزمة بناء نظام عالمي جديد”(7).

إنّ الدور الروسي الجديد يمكن النظر إليه من تخوف روسيا الأمني من انتشار حركات الإسلام السياسي في مناطقها، ولهذا بنوا سياستهم على الوقوف ضد كلٍ من التدخل الخارجي ومن حركات التمرد الداخلية. في رأي الروس إن التغيير يجب أن يحصل من خلال “الوسائل الدستورية وأجهزة الدولة لا الثورات الشعبية”(8). هذا الفهم الروسي يستند في الواقع إلى حذر القيادة الروسية من حصول سيناريو مشابه في بلادهم يطيحهم وبرامج سياساتهم الداخلية والخارجية، وهو فهم بعيد عن طبيعة الصراعات ووسائلها، فهذا الفهم يكون صحيحاً في أنظمة حكم يجري تداول السلطة فيها بطريقة دستورية، أما في البلدان التي تحكمها قوى الاستبداد والدكتاتورية فهي أساساً قوى حاكمة لم تأت إلى الحكم بطريقة الانتخاب الشفاف والنزيه، بل أتت بوساطة القوة العسكرية التي تتزعمها. هناك إذاً تناقض في تقديم روسيا لنفسها، فهي تقدّم نفسها بوصفها قوة محافظة في الشرق الأوسط بينما تنسى أن تدخلها في أوكرانيا يندرج تحت مسمى قوة زعزعةٍ للاستقرار.

الروس متورطون الآن في الصراع السوري، بنوا قاعدة جوية جديدة لهم في منطقة حميميم. إضافة إلى قاعدتهم البحرية في طرطوس. وباعتبار أن محور سياساتهم هو النفعية فإن لا ثابت في هذه السياسات، بل يمكن القول إنها سياسات قابلة لإبرام الصفقات حتى على حساب الحلفاء. الروس تحركهم مصالحهم قصيرة الأجل ولهذا تجدهم ينتهجون سياسات نفعية في الشرق الأوسط، ولذلك تجد أن محور علاقاتهم السياسية والاقتصادية مع دول المنطقة محكومة بمبدأ الصفقات في المقام الأول.

السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

الوجود والنفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط ليس جديداً، بل يعود إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين انحسر الوجود الاستعماري الأوروبي عن هذه المنطقة، لتبرز الولايات المتحدة دولة عظمى تملأ الفراغ في المنطقة. ولعلّ السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط اعتمدت على ثلاثة ركائز أساسية هي المحافظة على تدفق النفط والغاز إلى العالم من المنطقة، وحماية تدفقه، إضافة إلى حماية “دولة إسرائيل” التي تعتبر حليفاً استراتيجياً لها، ثم تثبيت قواعد عسكرية لها تحمي مصالحها، وتشكّل عوامل تدخل في الحالات كلها التي تشكّل خطراً على المصالح الأمريكية في المنطقة.

تُدرك موسكو أنها لا تستطيع المسّ جوهرياً بهذه المصالح إلا بالقدر الذي تحدث فيه خلخلة. ولكن الخلافات بين السياستين الروسية والأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ليست هي الخلافات الوحيدة بينهما، فقانون “كالتا” الذي وقعه الرئيس ترامب، وينصّ على تطبيق عقوبات ضدّ روسيا يمكن توصيفه بأنه تسمية ما تعيشه روسيا وأمريكا بالحرب الباردة الجديدة، وسبب ذلك هو السياسات الأمريكية التي عكستها الوثيقة الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي “تُعتبر روسيا خطراً وتهديداً للأمن القومي الأمريكي وليس منافساً، ومن الطبيعي أن تكون السياسة الخارجية الأمريكية مبنية على المواجهة المتزايدة مع موسكو”(9).

المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط:

سبق وحددنا ركائز السياسة الأمريكية، وقلنا إنها ثلاث ركائز، وهذه الركائز تعمل بتوافق بما يخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، وأن أي إخلالٍ بهذه الركائز سيضرّ بالولايات المتحدة، إنّ “أي اضطراب خارج على السيطرة في أي دولة رئيسة من الدول المصدرة للنفط ستكون له نتائج سلبية على الاقتصاد العالمي ومن ثم سيتأثر الاقتصاد الأمريكي سلباً”(10).

وفق هذه الرؤية لا يبدو أن الولايات المتحدة تهتم بغير مصالحها المباشرة، ولذلك يمكن الاستنتاج أنها غير مهتمة بإرساء أنظمة حكم ديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط التي ما تزال الصراعات جارية فيها بين أنظمة استبدادها وشعوبها. كذلك لا يبدو أن هناك اهتماماً أمريكياً حقيقياً بطبيعة الصراعات في المنطقة بين مكوناتها الإثنية والمذهبية، وجلّ الحرص الأمريكي ينصبّ على تأمين مصالح الولايات المتحدة، فقد تكون مع أي جهة تؤمن لها هذه المصالح. ولو كانت الديمقراطية ذات نفع استراتيجي للولايات المتحدة لتدخلت لمصلحة قيام أنظمة حكم ديمقراطية. هذا الموقف الأمريكي يمكن تلمسه في معالجة الأمريكيين للقضية الفلسطينية، وموقفها من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يوضح أنها ليست مهتمة بحلٍ عادلٍ وحقيقي يعيد للفلسطينيين حقوقهم. إنّ الولايات المتحدة توجد في منطقة الشرق الأوسط ولكنها لا تستطيع أن تُغمض عينيها عن فاعلية ونشاط دول أخرى تهدّد هذه المصالح، وهذا يكشف تحولاً في بنية الدور الأمريكي من كونه القوّة العظمى إلى دور دولة قوية غير متفردة. فكثير من الدول لها أسواق في منطقة الشرق الأوسط حالياً ولها علاقات مع حكوماتها، لذا يمكن اعتبار أنّ “الولايات المتحدة لم تعد أعظم قوة في الشرق الأوسط، فروسيا والصين وأوروبا واليابان كلها دول بات لها وجود كبير في المنطقة، وبدأ كثير منها بفك ارتباطه عن الدور الأمريكي وبخاصة عقب تحطيم النظام الإقليمي بعد غزو العراق عام 2003 وثورات الربيع العربي عام 2011″(11).

مواجهة غير مباشرة

لا تشعر الولايات المتحدة الأمريكية بالراحة حيال المحاولات الروسية لاختراق منطقة الشرق الأوسط وفرض نفسها لاعباً رئيسياً، فالروس أعلنوا جهاراً وفي مرات كثيرة رغبتهم في قيام نظامٍ دوليٍ متعدد القطاب. دعوة الروس هذه يمكن تنفيذها من خلال تغلغل روسي في مناطق نفوذ الولايات المتحدة وأخذ مواقع مؤثرة فيها وتحديداً في “الشرق الأوسط”. فإذا استطاع الروس التمكن من النفاذ في نسيج النفوذ الأمريكي، فهذا يعني تراجعاً للنفوذ الأمريكي على الصعيد العام، ومن ثم الاضطرار إلى الانتقال من عالمٍ أحادي القطب إلى عالمٍ متعدد الأقطاب. النظام الدولي متعدد القطاب يُعيد ترتيب المصالح الحيوية لدوله في العالم وفي الشرق الأوسط. وهذا النمط من الترتيبات بدأت ملامحه تظهر مع اصطفاف الروس والصينيين في مجلس الأمن ضدّ ما تريده الولايات المتحدة وحلفها من قرارات بشأن مسائل الصراع سواءً في سوريا أم غيرها. يردي الروس استعادة “الدور السوفياتي” الدولي السابق بكامل فاعلياته، ويريد الأمريكيون وضع روسيا في حجمها الطبيعي، وهذا ما يفسّر الوجود الأمريكي المباشر في ساحة الصراع في سورية بعد أن حسم الروس أمرهم بتدخلهم المباشر هناك. ولكن الروس يعرفون تماماً أن الولايات المتحدة الأمريكية ما يزال لديها عوامل ثقلٍ ونفوذٍ قوية ومهمة في الشرق الأوسط، مثل وجودها العسكري الكبير في الخليج العربي إلى جانب قوتها الاقتصادية، وهي عوامل تفتقر إليها روسيا. “إن هدف الولايات المتحدة الأمريكية هو المحافظة على علاقاتها الاقتصادية المتينة التي تجمعها بعدد من دول الشرق الأوسط وتطويرها، مثل دول الخليج العربي ومصر، إذ تمتلك الولايات المتحدة استثمارات متبادلة مع هذه الدول بمليارات الدولارات، إضافة إلى القواعد العسكرية والاستراتيجية والنفوذ السياسي فيها”(12).

وفق هذه المعطيات، وإذا أخذنا بعين الاعتبار الهوّة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وروسيا ومعها الصين سنجد أن حجم الناتج المحلي الأمريكي بلغ عام 2017 ما قيمته 19,377 تريليون دولار أمريكي، بمقابل روسي بلغ 1,442 تريليون دولار أمريكي، ومقابل صيني بلغت قيمته 12,361 تريليون دولار أمريكي. أي إن الولايات المتحدة الأمريكية بمفردها تمتلك ناتجاً محلياً يزيد على ناتج روسيا والصين مجتمعتين بمقدار خمسة ونصف تريليون دولار أمريكي. هذا الفارق الكبير يمنح الولايات المتحدة قدرة تسيّد العالم كقطب أوحد حتى اللحظة.

سيناريوهات أمريكية محتملة

أمام التنافس الأمريكي الروسي في الشرق الأوسط ستكون العلاقات بينهما عرضةً لاحتمالات مختلفة، وهو ما يمكن أن نعتبره سيناريوهات يمكن أن يكون أحدها أو أجزاء منها ممكن الحدوث. الأمريكيون بالمعنى الاستراتيجي تهمهم المحافظة على الوضع العام السائد حالياً في المستوى الدولي بشأن التوازنات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

السيناريو الأول

تعمل الولايات المتحدة على المحافظة على هذا الوضع تحتاج بالضرورة إلى تقليص الدور الروسي وإضعافه قدر الممكن وهو ما يمكن أن نعتبره سيناريو أول قد تلجأ إليه الولايات المتحدة، ويمكن تلمس حدود هذا السيناريو من خلال منع الروس من التحكم بمعادلات الصراع السياسي في منطقة الشرق الأوسط، ويكون ذلك عبر تدخل أمريكي أوسع وأشمل بتغيير قواعد الصراع التي يمكن للروس أن ينفذوا منها ويضعفوا الدور الأمريكي باقتطاع جزء من فاعليته. الدور الأمريكي في إضعاف الدور الروسي في الشرق الأوسط يقوم على تفكيك الحلف الروسي الإيراني مع النظام السوري وهو الحلف الذي منح الحيوية والقدرة لروسيا لزيادة نفوذها، فإذا أخرج الأمريكيون إيران من مناطق تدخلها في الشرق الأوسط سيصبح الموقف الروسي أضعف كثيراً، أما إذا رفض الروس إضعاف الدور الإيراني فسيكونون في موقع وسط بين مطرقة المصالح الأمريكية الإسرائيلية الرافضة لأي وجود إيراني في المنطقة وتحديداً في سوريا وسندان إيران التي تختلف مصالحها في سوريا عن مصالح روسيا.   

السيناريو الثاني

تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بالضغط الفاعل والكبير على حكومات منطقة الشرق الأوسط ودولها ومنعها من الذهاب بعيداً في خلق استثمارات كبرى لها في الدولة الروسية، وهذا يعني منع الاقتصاد الروسي من التطور لاحتلال مواقع متقدمة والخروج من ربقة الحصار الاقتصادي الذي تطبقه الولايات المتحدة عليها. إذا استمرت حالة الحصار على الاقتصاد الروسي وفق استراتيجية متكاملة سياسياً واقتصادياً واعلامياً فإن الروس ليسوا بوارد القدرة على مواجهة هذا التحدي، ولا يمكن للصين الذهاب بعيداً مع الروس في المواجهة في شروطها الحالية. ولكن هذا السيناريو يحتاج إلى تفاعل أوروبي ومن حلفاء الولايات المتحدة، ويحتاج ذلك إلى استراتيجية واضحة تتقاطع فيها مصالح المتحالفين مع الولايات المتحدة.

السيناريو الثالث

يمكن أن تجري عملية تقديم تنازلات متبادلة وليس بالضرورة كبرى بين الروس والأمريكيين وتحديداً من خلال تقديم ضمانات بعدم إهدار المصالح الروسية مقابل تغيير روسيا لمواقفها من إيران ومن التسوية السياسية في سوريا. إذا لم يجرِ الاتفاق على ذلك وتحديداً من الطرف الروسي فهم يذهبون إلى اللعب بأوراق إقليمية كالتحالف مع الأتراك أو الاستثمار بدور إيراني أوسع فإن الأمور قد تنزلق في هذه الحال إلى مرحلة تفعيل مواجهات لا يحتملها الروس بالمدى الزمني المتوسط أو البعيد.


المراجع

  1. washingtoninstitute.org سياسة بوتين الشرق أوسطية، معهد واشنطن 23 مارس آذار2016، آنا بورشفسكايا وفيليب غوردون.
  2. alvexo.ae 19 مارس آذار، الصراع على الشرق الأوسط بين أمريكا وروسيا.
  3. ae أمريكا وروسيا.
  4. washingtoninstitute.org سياسة بوتين الشرق أوسطية 23 مارس 2016.
  5. aljazeera.net روسيا والشرق الأوسط غازي دحمان 26 مايو 2010.
  6. rand.org الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط، جيمس سلادن وآخرون.
  7. مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية elbadil-pss.org إيمان عنان، 26 فبراير/ شباط 2017، ترامب ومستقبل النفوذ الروسي في الشرق الأوسط.
  8. rand.org جيمس سلادن وآخرون الاستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط.
  9. com كانون الثاني يناير 2018، مستقبل العلاقات الروسية الأمريكية.
  10. com المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، الواقع والصورة النمطية، منار محيسن 12 مايو 2016.
  11. net أمريكا لم تعد القوة الأعظم في الشرق الأوسط، ترجمة منال حميد 16 فبراير شباط 2017.
  12. alvexo.ae الصراع على الشرق الأوسط بين أمريكا وروسيا، 19 مارس 2017.
  13. albadil-pss.org إيمان عنان 26 فبراير 2017، ترامب ومستقبل النفوذ الروسي في الشرق الأوسط.

هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.