“العمالة الوافدة”.. تجارة تبدد حلم العراقيين بدخول سوق العمل

بينما يشكو العراق ارتفاعا حادا بنسب البطالة بين أوساط الشباب، خاصة خلال السنة الأخيرة وما خلفته الإجراءات الحكومية لمواجهة وباء كورونا، انعكست سلبا على الأوضاع الاقتصادية في البلاد، تتزايد أعداد العمالة الأجنبية الوافدة من الخارج، ما شكل ضغطا جديدا على الحكومة وسوق العمل.

وبالرغم من الاحتجاجات المتواصلة التي تشهدها محافظات ذي قار والنجف وبابل للمطالبة بتعيين الخريجين العراقيين في مؤسسات الدولة العراقية خاصة التابعة لوزارة النفط، ما زالت المنافسة في سوق العمل، تحتدم بين العمال المحليين والوافدين، إذ بات الوافدون يشكلون تهديدا لوظائف نظرائهم المحليين لأسباب عديدة منها الفرق الكبير في الأجور، حسبما يكشف مراقبون، مشيرين إلى أن العراق يضم أكثر من مليون عامل وافد من 100 دولة، ومعظمهم بصورة غير شرعية.

أرقام كارثية

مطلع الشهر الجاري، وجه عضو البرلمان العراقي، “حسين العقابي”، لحكومة رئيس الوزراء “مصطفى الكاظمي”، اتهامات بالتخبط في قراراتها وسياساتها الاقتصادية، مشيرا الى أن القطاع الخاص يعاني من الفوضى بسبب تخبط الحكومة في سياستها، كاشفا عن وجود “مليون عامل أجنبي من 100 دولة أجنبية يعملون بصورة غير قانونية في العراق في حين يعاني المواطن العراقي من البطالة بسبب الفساد المستشري في مؤسسات الدولة.

وبحسب ما كشف “العقابي”، فإن “مصفاة نفط كربلاء الحكومي وحدها يعمل فيها أكثر من 15 ألف عامل أجنبي من أصل 18 إلف عامل، ما يعني إن العاملين العراقيين لا يشكلون سوى 15%”، معتبرا ذلك “رقما كارثيا”.

الباحث الاقتصادي “عمران الخالدي”، يعزو تزايد ظاهرة العمالة الأجنبية في العراق خلال السنوات الأخيرة، إلى تنامي عمليات التهريب وتعدد طرقه سواء من محافظات اقليم كردستان و باقي مناطق البلاد، خاصة الحدود العراقية مع إيران والتي تخضع لسلطة الميليشيات.

“الخالدي” أشار إلى وجود مئات المكاتب التي تقوم بتوريد العمالة الأجنبية بنحو غير مشروع، وتعمل متخفية خلف عناوين شركات سياحة وسفر، ونشاطها الرئيس هو بيع العمال الأجانب ممن يتم تهريبهم إلى شركات أخرى داخل البلاد، موضحا أن عمليات تهريب العمالة أصبحت تدر مرابح للشركات أكثر من المرابح التي توردها الأنشطة السياحية.

وبحسب “الخالدي” فإن أكثر الدول التي يأتي منها عمال إلى العراق للبحث عن فرص عمل في القطاعين العام والخاص هي بنغلادش، إيران، باكستان، الفليبين.

يشار إلى أن مصادر في مديرية الاقامة التابعة لوزارة الداخلية العراقية، كانت كشفت قبل أشهر أن فرقها أغلقت 150 مكتب سياحة وسفر “وهمية وغير مرخصة”، خلال النصف الثاني من عام 2020، وأحيل أصحابها إلى القضاء بعد ثبوت تورطهم باستقدام العمالة الأجنبية خارج ضوابط القانون.

وبحسب المسؤول الذي رفض الكشف عن اسمه، فقد تحقق ذلك بعد اعتماد خطة محددة تم بموجبها تفعيل الجهد الاستخباري والتنسيق مع مفارز الأمن الوطني للقيام بجولات تفتيشية واسعة أدت إلى ترحيل 32000 من العمال “غير الشرعيين” وأحيل “أرباب عملهم” إلى القضاء.

وزارة العمل تخلي مسؤوليتها

يرى مدير دائرة العمل والتدريب في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، “رائد جبار باهض”، أن وزارة العمل غير مسؤولة عن استفحال ظاهرة العمالة الأجنبية، مؤكدا أنها لم تمنح سوى 20 ترخيصاً لمكاتب توريد العمالة في بغداد والمحافظات الأخرى خارج إقليم كردستان.

ويشير “باهض” إلى أن تراخيص فتح مكاتب استقدام العمالة تمنح بحسب الكثافة السكانية لكل محافظة، وحاجة سوق العمل، معتبرا أن ما يحدث أشبه ما يكون بفوضى، أدت على عدم امتلاك وزارة العمل إحصائية دقيقة عن أعداد العمال الأجانب، نتيجة تدفقهم عبر مكاتب غير مجازة تعمل خلافاً للقانون.

وبحسب قانون العمل رقم 71 لسنة 1987، يمكن للعامل الأجنبي الحاصل على تأشيرة دخول إلى العراق التقدم بطلب رسمي لمديرية الإقامة لمنحه إقامة عمل.

وتفرض على المخالف غرامة مالية قدرها 500 الف دينار أي ما يعادل 350 دولار، ويخضع الممتنع عن سدادها للتوقيف لمدد يحددها قاضي التحقيق، قبل أن يرحّل إلى بلده.

أجور أقل ولكن..

يرى الصحفي “عمار الجبوري”، أن أكثر ما يشجع أصحاب المؤسسات التي تعود للقطاعين العام والخاص على التعاقد مع العمال الاجانب هو قلة الأجور التي تدفعها لهم، فلا حدود قانونية لهذه الأجور يخشون الهبوط عنها، مع ضمان استمرارهم بالعمل لساعات اضافية من دون تذمر.

ويقدر “الجبوري” متوسط أجرة العامل الوافد بـ 120 دولار شهريا، مشيرا الى أن سمات الهدوء والجدية في العمل وقلة الأجور أسباب مجتمعة تشجع على التعاقد مع العامل الأجنبي، وهذا يجعله مفضلاً على نظيره العراقي الذي يتسم بالمزاجية والتراخي وطلب أجور عالية لقاء العمل نفسه، على حدّ توصيفه.

إلى جانب ذلك، يلفت “الجبوري” الى أنه لا يمكن إجبار أصحاب المؤسسات الخاصة على توظيف العراقيين، بينما من البديهي أن تسخر الوظائف الحكومية على الأقل للمواطنين خاصة الخريجين والذين تتزايد أعدادهم بشكل كبير وسط صمت حكومي عن معاناتهم رغم احتجاجاتهم المتواصلة.

يشار الى أن محافظات العراق تشهد بشكل متواصل احتجاجات للخريجين المطالبين بتوفير فرص عمل مناسبة لهم بالقطاعين العام والخاص، وخلال الأشهر الثلاثة الأخيرة لجأ المتظاهرون الى وسيلة جديدة للاحتجاجات، من خلال إغلاق المرافق الحكومية، وذلك نتيجة عدم تنفيذ مطالبهم طيلة الأسابيع الماضية.

وتبلغ نسبة البطالة في العراق، الغني بالنفط، 27 بالمئة، فيما تبلغ نسبة الفقر 25 بالمئة، وفق أحدث إحصاء لوزارة التخطيط.

وحسب آخر الإحصائيات التي أصدرتها وزارة العمل الاجتماعية في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، يبلغ عدد العاطلين عن العمل في العراق نحو 1.6 مليون، بفئات مختلفة، بينهم أعداد كبيرة من حملة الشهادات العليا.

ووفقاً لإحصائيات أممية، فإنّ أكثر من 45 ألف شخص يتخرجون سنوياً في الجامعات والمعاهد بالعراق، وفي سنة 2019 وحدها كان هناك نحو 50 ألف خريج، وتم تعيين نحو 2000 فقط من هذا العدد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©