العنصرية ضد اللاجئين السوريين في تركيا تتصاعد.. وآخر ضحاياها الطالب الجامعي “فارس العلي”

يتصاعد خطاب العنصرية ضد اللاجئين السوريين في تركيا حتى باتت “ورقة اللاجئين” بيد معظم الأحزاب التركية تتقاذفها في سبيل كسب المزيد من الأصوات في الانتخابات المقرر تنظيمها العام المقبل.

لكن هذه الظاهرة التي يبدو أنها مستمر في التصاعد إلى مستويات غير مسبوقة على مستوى العالم، وصلت حتى القتل، إذ لقي طالب سوري يدرس الطب في جامعة تركية قبل أيام حتفه، في جريمة ذات ابعاد عنصرية واضحة، ليضع الحكومة التركية أمام مسؤولياتها الدولية في حماية اللاجئين على أراضيها، لاسيما أن مثل هذه الحوادث باتت تتكرر باستمرار.

في وسط هذه الظروف فإن عشرات الآلاف من السوريين بدأوا بشد الرحال نحو أوروبا الغربية عبر اليونان، وكذلك عبر بلغاريا في رحلة محفوفة بالكثير من المخاطر وبتكلفة مادية باهظة، بحثا عن حياة آمنة وكريمة.

ورغم أن العديد من اللاجئين السوريين فقدوا حياتهم خلال الشهر الأخير في الغابات في وسط أوروبا جراء التعب والإرهاق، إلا أن الكثير من السوريين في تركيا باتوا يفكرون جديا بالرحيل، بعدما فقدوا الأمان والاستقرار في تركيا في ظل تنامي خطاب الكراهية والعنصرية ضدهم.

وبالإضافة للتضييق من قبل السلطات التركية على اللاجئين السوريين، فإن عمليات التحرش والترحيل القسري نحو الداخل السوري تشهد تزايدا محلوظا، رغم أن تلك المناطق غير آمنة، وفق ما تؤكده الأمم المتحدة.

“فارس العلي” ضحية جديدة للعنصرية

ومع تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية من قبل الأحزاب لاسيما المعارضة، فإن ذلك الخطاب يلقى تجاوبا لدى البعض من الأتراك، إذ أقدمت مجموعة من الشبان الأتراك على قتل الطالب الجامعي السوري “فارس العلي” طعنا بالسكين في ولاية هاتاي جنوبي البلاد، مساء السبت الماضي، في حين أعلنت السلطات لاحقا اعتقالها المهاجمين.

ورغم أن الحادثة أثارت غضبا في الشارع التركي، وكذلك عبّر بعض المسؤولين والنواب في البرلمان وناشطون حقوقيون أتراك عن استنكارهم للحادثة، لكنها ليست الأولى لاسيما أن الكثير من السوريين تعرضوا خلال الفترة الأخيرة لهجمات وصلت حد القتل أيضا، لكن لم تأخذ طريقها نحو الإعلام كما هو الحال بالنسبة للضحية”فارس”.

الشاب السوري الضحية دخل عام 2012 إلى تركيا، مع أمه وإخوته الخمسة، بعد مقتل والده في سوريا على يد النظام السوري، ما لبث أن انتقل للدراسة في “قرية الأيتام”. حيث تفوق واجتهد، ليطرق أبواب كلية الطب في جامعة “باليكيسر” بعمر السابعة عشرة. لكن وقبل أن يبدأ أولى خطوات “الحلم” الذي كان يسعى إليه، صعدت روحه إلى السماء.

ويعد ما جرى لـ “فارس” حكاية مختصرة ومأساوية، عن يتيم سوري، الذي قتل متأثرا بـ”طعنات عنصرية” تلقاها من مجموعة من الشبان الأتراك، حيث يقيم مع عائلته في ولاية هاتاي.

الشاب فارس العلي ضحية العنصرية

وشيع المئات في هاتاي صباح أمس الاثنين الشاب، وحملوه على الأكتاف لساعات، وصلوا عليه، ومن ثم توجهوا بجثمانه إلى معبر “باب الهوى” الحدودي بين تركيا وسوريا، على أن يتم دفنه في قرية “معربليت” بريف محافظة إدلب، مسقط رأسه، التي كان قد خرج منها بعمر العاشرة، تاركا ورائه قبر أبيه.

وفي يونيو/حزيران الماضي كانت مدينة إسطنبول التركية شهدت حادثة مماثلة، مع اختلاف السلاح الذي استخدم، إذ قتل الشاب السوري “شريف خالد الأحمد”، متأثرا برصاصات، أطلقها شبان أتراك، أسفرت عن مقتله على الفور.

وكما هو الحال بالنسبة لليتيم”فارس” كان الشاب “شريف”عاد إلى إدلب (شمال سوريا) كذلك محمولا على الأكتاف وداخل “نعش”. وهي “مفارقة مأساوية” باتت تتكرر بكثرة، فيما يخشى السوريون أن تتصاعد بإطراد، خاصة مع استمرار حملات الكراهية والعنصرية، التي تقودها بالتحديد شخصيات في المعارضة، على رأسها زعيم “حزب النصر” المعارض، أوميت أوزداغ.

ولم تكن حادثة مقتل فارس وقبله الشاب شريف الأحمد الوحيدتان اللتان هزتا أوساط اللاجئين السوريين في تركيا، منذ بداية العام الحالي، بل سبقتهما حادثة مشابهة أيضا، في يناير/ كانون الثاني. في ذلك الشهر قتل الشاب نايف النايف، متأثرا بطعنات تعرض لها من قبل ثمانية أشخاص ملثمين كانوا قد اقتحموا المنزل الذي يقيم فيه في حي بيرم باشا بإسطنبول.

وقبل ذلك بعدة أسابيع شهدت مدينة إزمير جريمة قتل “مروعة”، راح ضحيتها 3 شبان سوريين، وهم مأمون النبهان (23 عاما)، أحمد العلي (21 عاما)، محمد البش (17 عاما).

ووفق ما تحدثت وسائل إعلام تركية، حينها، بينها صحيفة “يني شفق” فقد توفوا حرقا، بعد إضرام “شخص عنصري” النار في الغرفة التي يقيمون فيها بجانب المعمل الذي يشتغلون فيه.

قصة مقتل الشاب “فارس”

كغيره من الشبان السوريين الذين يتهيأون لإكمال مراحل التعليم الجامعي، اتجه الضحية قبل ثلاثة أيام للعمل في مصنع لإنتاج “مواد المونة” حيث يقيم في هاتاي، في مسعى منه لإعالة عائلته ماديا من جهة، ولكي يتحضّر للتكاليف التي تنتظره، في أثناء دراسة الطب.

ويشرح قريبه خلفيات حادثة مقتله طعنا، التي كان مسرحها أولا المصنع الذي يعمل فيه، موضحا أن “فارس كان قد اصطدم في أيام العمل الأولى بامرأة تركية دون قصد، ليعتذر منها فيما بعد، فيما مر ذلك بسلام”.

وأضاف أنه:”بعد أيام وبينما كان يسير برفقه صديقه في منطقة بازار نارلجا بأنطاكيا تقدم إليهم خمسة شبان وأقدموا على محاصراتهم. شخص أمسك فارس والثاني قام بطعنه بالسكين. فقد الكثير من الدماء وتوفي على الفور”.

ووفقا لعائلة الضحية فإن السلطات التركية تمكنت من إلقاء القبض على القاتل البالغ من العمر 16 عاما، إضافة لشابين آخرين شاركا في العملية. في حين أصدرت ولاية هاتاي بيانا مكتوبا، الأحد، أكدت فيه اعتقال “الفاعلين” في الحادثة “خلال مدة قصيرة”، وأوضحت أنه “تم سوقهم إلى السلطات القضائية”.

الخوف من التقدم بشكوى

ما يزيد من صعوبة الوضع بالنسبة للاجئين السوريين في تركيا هو الخوف من التقدم بشكوى ضد الاعتداءات العنصرية حيث يكون مصير اللاجئ السوري الترحيل إلى شمال سوريا، بدل إحقاق الحق، لكن في ظل غياب قضاء مستقل فإن التجاذبات السياسية في تركيا وصلت إلى أروقة المحاكم التركية وقوانينها.

في هذا السياق يوضح الناشط الحقوقي المهتم بأوضاع اللاجئين السوريين في تركيا”طه الغازي” أنه “لا توجد إحصائيات رسمية للحوادث العنصرية التي راح ضحيتها عدد من الشبان السوريين”، مؤكدا في تصريحات صحافية بأن “القسم الأكبر من القضايا العنصرية، سواء التي تسفر عن قتل أو تجريح لفظي يبقى مسكوتا عنها”.

وقال إنه خلال الآونة الأخيرة بات اللاجئ السوري “يخشى من تقديم أي شكوى، بناء على تعرضه لموقف عنصري، وذلك خوفا من أن تنعكس الأمور ضده”، مضيفا بأن “هذا الأمر عزز من تحول هكذا نوع من القضايا إلى صامتة. خلال الأشهر السبعة الماضية كان لدينا 5 أو 6 جرائم قتل، بالإضافة إلى حوادث طعن بشكل شبه أسبوعي”.

أزمة لاجئين تلوح في الأفق

وفي الوقت الذي يتعرض فيه السوريون للتضييق في تركيا، فإن هذا الأمر انعكس على تدفق كبير نحو الغرب ، إذ تشهد الحدود البرية والبحرية التركية مع بلغاريا واليونان موجة هجرة جديدة من عدة دول وجنسيات مختلفة مشابهة بموجة الهجرة في العام 2015، التي شكّل السوريون النسبة الكبرى فيها، للوصول إلى دول أوروبا وطلب اللجوء فيها، بعد أن فقدوا الأمل في استقرار العيش في تركيا.

هذه الظروف لاسيما أن العنصرية في تركيا لا تختصر على السوريين فحسب بل كل ما هو عربي، إضافة للأفغان، رغم أن النصيب الأكبر يطال السوريين، وهو ما يُنبئ عن أزمة لاجئين تلوح في الأفق على الحدود الأوروبية كما حصل قبل سبع سنوات.

وينقل “المرصد السوري لحقوق الإنسان” عن الشاب مرهف الأحمد البالغ من العمر 28 عاما، الذي وصل مؤخرا إلى اليونان قادما من تركيا التي عاش فيها 5 سنوات،قوله، إنه “قبل نحو 6 أشهر بدأت فكرة الهجرة نحو أوروبا والتخطيط له، فقد بدأت ظروفه المعيشية والمادية في تركيا بالتدهور، بسبب تراجع أجور العمال والغلاء الفاحش في الأسعار وإيجارات المنازل، وأعقبها التضييق والتهديد بالترحيل القسري إلى سوريا”.

وأضاف أن”كل هذه الظروف الصعبة رافقها تنامي الخطاب العنصري من قبل الأتراك ضد اللاجئين السوريين في تركيا”، مؤكدا أنه “قرر قبل شهر من الآن مع 8 أشخاص من أقاربه وأصدقائه خوض غمار الهجرة باتجاه أوروبا، بحثا عن الأمان والاستقرار في العيش”.

وأوضح:” لقد وصلت وأصدقائي إلى اليونان قبل أسبوع، بعد رحلة استغرقت 15 يوما، بدأت بالإقامة في فندق في مدينة أزمير التركية، بعدها عبور البحر في مركب مطاطي إلى إحدى الجزر اليونانية، وبعدها إلى أثينا، بكلفة بلغت 3 آلاف دولار أميركي”.

وتابع: “ننتظر الآن اكتمال عدد المجموعة التي حدد عددها (المهرب) وهي 30 شخصا، لبدء المسير باتجاه ألمانيا عبر بلغاريا وصربيا والمجر والنمسا، وصولا إلى ألمانيا، بحسب الشرط المتفق عليه مع المهرب، بكلفة 3 آلاف دولار أميركي أخرى”، مؤكد أن “هذا المبلغ (6 آلاف دولار) كنت قد عملت على جمعه من عملي في أحد مصانع الحديد في تركيا طيلة 5 سنوات”.

من جانبه، يقول “بهاء العمر” وهو ناشط سوري في ألمانيا: “فقد كثير من المهاجرين السوريين وغيرهم حياتهم خلال رحلتهم إلى أروبا، إما عطشا أو مرضا أو افتراسا من الوحوش البرية في جبال بلغاريا وصربيا، بينهم نضال باكير (47 عاما)، الذي فقد حياته في نهاية يوليو/تموز الماضي، بعد أن أعياه تعب المسير والإرهاق وقصور في عمل القلب، وسط الجبال في بلغاريا، أثناء رحلته باتجاه أوروبا”.

وتابع أن “الضحية باكير مُهجر سوري من مدينة حلب، عاش 4 سنوات في إسطنبول التركية، وبعدما شكّل التضييق ومرارة التعايش خطرا على حياته، قرر الهجرة إلى أوروبا، ليجد حتفه في منتصف طريق هجرته التي طمح لها، بعيدا عن أسرته التي ناشدت بعدها السلطات بإعادة جثمانه ولم يتحقق ذلك”.

إلى ذلك، أكد ياسين الحلبي (33 عاما) أن “نحو ألف شاب سوري تقريبا هاجروا خلال الشهر الماضي، من تركيا باتجاه أوروبا، وتحديدا هولندا، حيث إجراءات قبول اللجوء والحصول على الإقامة أفضل من غيرها في الدول الأوروبية”.

وأضاف بأن “هجرة الشبان السوريين من تركيا بسبب أعمال العنف بحقهم أوقفت عددا من المعامل التي كان يشغلها سوريون، بينها 3 معامل للغزل والنسيج في غازي عنتاب وأنطاكيا توقفت تماما عن الإنتاج، بينما تراجعت كميات الإنتاج في عدد من معامل الأغذية في مناطق بورصة وإسطنبول وأنقرة، للسبب ذاته”.

جدير بالذكر أنه وفقا للأرقام التركية يقيم نحو 3.8 مليون لاجئ سوري في ولايات البلاد في مقدمتها إسطنبول وهاتاي وعنتاب. في حين حصل نحو 210 آلاف شخص منهم على الجنسية التركية لغاية الآن.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.