الغرب وإيران: النهج الفاشل

بقلم: غزالة رضوي، صحفية إيرانية في باريس

Photo Credits: IMAGO / Mauersberger

يتيح لنا عام 2022 إمكانية رؤية اثنين من الأوبئة السياسية العالمية طويلة الأمد تتلاشى في نفس الوقت، متمثلة بروسيا بقيادة بوتين والملالي في إيران. فقد عرف الأوكرانيون أن كلاهما وباء في كثير من النواحي منذ أن سمعوا محركات طائرات كاميكازي الإيرانية بدون طيار بمساعدة المحركات النمساوية تهدر فوق مدنهم. وكان الملالي قد انحازوا إلى بوتين منذ بداية الحرب، في المقابل كانت الميمات المؤيدة لأوكرانيا تنتشر في المجتمع المدني الإيراني.

عانى السوريون من التعاون الروسي الإيراني قبل عشر سنوات، حيث تتعمد إيران الان زعزعة استقرار المنطقة بأسرها ومن ضمنها الديمقراطية الفتية في العراق.

سيكون سقوط النظام الإيراني نعمة للجميع، فهل هذه اللحظة هي الفرصة لفعل ذلك؟

وجدت العديد من الحكومات الأوروبية صعوبة في التحول من الخطاب الرخيص إلى الدعم القوي أثناء حرب روسيا ضد أوكرانيا، حيث نلاحظ نمطاً مشابهاً في حالة إيران. ويبدو أن السياسة الخارجية تعتمد على الإفلات من الخطابات في انتظار توقف الاحتجاجات. بخلاف ذلك، سيكون من الواضح وضع السياسة الخارجية النسوية القائمة على القيم المعلنة بجرأة مثل تلك التي انتهجتها ألمانيا والتي دبرتها الوزيرة بيربوك (الخضر) ورئيسها المستشار أولاف شولتس (الاشتراكيون الديمقراطيون)، موضع التنفيذ من أجل التغيير. لكن هذا بالضبط ما لا يحدث.

لاحظ الإيرانيون المنفيون ذلك وأخذوا زمام المبادرة، وبدأوا يدعون إلى اتخاذ موقف أكثر حسماً ضد نظام الإرهاب الإيراني في رسائل مفتوحة وفي مظاهرات واسعة النطاق منظمة تنظيماً جيداً، مثل المظاهرات الأخيرة في برلين. هؤلاء الناس ليسوا حالمين سياسيين أو محرضين، ومقترحاتهم بناءة ويمكن تنفيذها: كتخفيف تأشيرات الدخول للجهات الفاعلة في المجتمع المدني، وتوفير الإنترنت عبر الأقمار الصناعية وخوادم VPN مجانية، رفع العقوبات التي تفيد النظام ولكنها تضر بالناس مثل المعاملات المالية، وأخيراً تعليق المفاوضات النووية، إن لم يكن إنهائها. حيث ذكر كاتب إيراني معروف من طهران بأن الإيرانيون لا يثقون في السياسة الغربية.

وبدلاً من الاعتماد على معارضي النظام ذوي العقلية الديمقراطية، تمول حكومات مثل تلك الموجودة في ألمانيا مركز الأبحاث CARPO في بون، الذي يعتبر مقرباً من النظام، بمبلغ 900 ألف يورو سنوياً وتأخذ المشورة منه، وفقاً لما ذكرته الصحفية ليزا كراهر مؤخراً في “uebermedien.de”. فإن رئيس مركز الأبحاث هو الألماني الإيراني عدنان طباطبائي، وهو ابن أحد المقربين من الخميني، صادق طباطبائي.

وعلى خلفية مثل هذه الحالات، يصبح غضب العديد من الإيرانيين المنفيين مفهوماً تجاه السياسة الأوروبية. والشك هو أنهم يلعبون لعبة مزدوجة: الدعم اللفظي الرخيص للحركة الاحتجاجية والنساء واستثمارات السياسية الملموسة في النظام. تأتي الحجج الداعية إلى مثل هذه السياسة من مستشارين مثل الطباطبائي (الذين يتقاضون أجوراً مقابل القيام بذلك)، ومن العديد من المراقبين الذين لا يثقون في الضجيج المحيط بالمعارضة.

ولخص مراسل صحيفة SZ الألمانية في اسطنبول الموقف غير المتحفظ بقوله: “إن الانطباع بأن الثورة الحقيقية تجري على قدم وساق في إيران يتم نقله إلى حد كبير في أوروبا من قبل شخصيات المعارضة الإيرانية في المنفى، وهذا حقهم كحزب. لكن ما لا ينبغي دفعه إلى الخلفية هو الحقائق. فهل النظام الديني ينهار حقاً؟”

إن أسباب عدم وجود موقف هي بالطبع أعمق من ذلك. حيث لا توجد سياسة ألمانية مستقلة أو حتى أوروبية تجاه إيران. بل يتم تصنيعها في واشنطن. منذ عهد أوباما أصبح التركيز هناك منصباً على تكامل الجمهورية الإسلامية عوضاُ عن تغيير النظام، فقد أراد أوباما أن يكنس شظايا سياسة سلفه جورج دبليو بوش المتضررة في الشرق الأوسط ويحولها إلى كومة يمكن السيطرة عليها. بعد ذلك قام ترامب بإلغاء الاتفاق النووي، لكن بايدن يريد الآن إحياءه. فإذا كان هناك اتفاق نووي جديد، فمن المأمول أن يتم تجنب خطر نشوب صراع إسرائيلي إيراني عنيف، ومن ناحية أخرى يمكن لإيران أن تعرض نفطها وغازها في السوق العالمية لتنزع فتيل أزمة الطاقة.

المفاوضات النووية معلقة بسبب انتخابات الكونغرس هذا الأسبوع. لكن العديد من الإيرانيين يطالبون بعدم تركها. فما السبب؟

قبل أن تهدد إيران بأن تصبح قادرة على امتلاك أسلحة نووية، سيتدخل الإسرائيليون والأميركيون عسكرياً، وهذا يؤدي إلى عواقب بعيدة المدى على استقرار المنطقة، وخاصة على إسرائيل. والنتيجة المترتبة على هذه الكوكبة الجيوسياسية هي شلل السياسة الإيرانية الغربية، التي اتخذت في الوقت نفسه سمات تشبه مونولوج هاملت حول قيمنا التي تتكرر بلا نهاية.

في حين أن الكثيرين مقتنعون الآن في إن مسألة أوكرانيا هي مسألة حياة أو موت وهذا ينطبق علينا أيضاً، يُعتقد سراً أن حرب النظام الإيراني التي دامت أربعين عاماً ضد العدالة والحرية وسيادة الدول المجاورة والنساء والرجال الإيرانيين هي الوضع الطبيعي.. في القرن الثامن عشر، اعتقد مونتسكيو، أحد آباء عصر التنوير الأوروبي، أن الاستبداد هو الشكل الوحيد للحكومة المناسب للشرق، حيث قال: “تسود روح العبودية في آسيا ولم تتركها أبداً، وفي كل تاريخ هذا الجزء من العالم لا يمكن للمرء أن يجد سمة واحدة تميز النفس الحرة”.

وكانت الشكوك قد أثيرت على مدى الثلاثمائة عام الماضية حول هذه النظرة “المستنيرة”، ولكن في الواقع النظرة الاستشراقية لآسيا، فإن عدنان الطباطبائي وأمثاله موجودون هناك لدحض الشكوك وتوجيه أنفسهم بما يتماشى مع التوقعات: “أصبح من السهل على النساء اللواتي تلتزمن بالحجاب التواجد في الأماكن العامة للدراسة والحصول على وظيفة في مجتمع مع الرجال”.

وبعبارة صريحة: إن خلع النساء الإيرانيات للحجاب غير مخطط له، لا من منظور النظام ولا من منظور الغرب الذي يضع مصالحه على قيمه. تبين أن المبادرة الشخصية والذاتية السياسية من جانب غير الغربيين أقل استحساناً لأنها تهدد بزعزعة النظام السائد للأشياء. نحن الذين نقرر متى تخلع المرأة المسلمة الحجاب ليست هي من تفعل، حيث يتوجب عليها الانتظار في افغانستان، وفي إيران كذلك. الموضوع السياسي في الرواية الاستشراقية لتاريخ العالم ليس آسيا ولا الإسلام، وبالتأكيد ليس المرأة المسلمة وإنما هو الغرب. إذا رأوا الأمور بشكل مختلف وكشفوا النقاب عن أنفسهم، فهناك خطر نشوب حروب وأزمات لاجئين والمزيد من الزيادة في الأسعار.

ما ينطبق على الأوكرانيين من حيث القدرة على الاعتماد على دعم الغرب إذ دافعوا عن حريتهم بشكل عام (وفقاً لتقاريرنا أيضاً) لا ينطبق على الإيرانيين على المدى الطويل، ولا حتى لو وصلت ذراع الملالي الطويلة إلى أوكرانيا. في مكان ما بين خاركيف في الشرق وأوديسا في الجنوب، وفي ضيق الأفق الجيوسياسي لسياستنا ينتهي الغرب وتنتهي الحرية وحقوق الإنسان والذاتية السياسية. ما إذا كانت دونباس وشبه جزيرة القرم لا تزال جزءاً منها يتم محاربتها حالياً وإعادة التفاوض عليها في مرحلة ما. وعلى أية حال، فإن إيران ليست واحدة منهم. في ضوء ذلك، فإن الرسالة الساخرة ولكن الصادقة الوحيدة للإيرانيين هي: لا تعتمدوا علينا ولا تتوقعوا شيئاً، لن نقف إلى جانبكم. إذا أطحتم بالنظام فإنكم تفعلون ذلك على مسؤوليتكم الخاصة، لكننا نتمنى لكم كل النجاح!

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.