الغموض يخيم على أهم وثيقة في الجزائر

تشهد العاصمة الجزائرية، انتشارا واسعا لقوات الامن تحسبا لعودة المظاهرات من جديد، بعد ان دعت زعيمة حزب العمال اليساري، لويزة حنون الى سحب الدستور الجديد بحجة انه فاقد للشرعية باعتبار ان النسبة المشاركة في الاستفتاء ضعيفة جدا حيث لم تتجاوز 23,7%.. وفي سياق ردود الفعل على استفتاء تعديل الدستور الذي نُظم الأحد الماضي، طالبت لويزة حنون الأمينة العامة لحزب «العمال»، أمس، في اجتماع بكوادر حزبها بالعاصمة، بسحب الدستور الجديد، «احتراماً للأغلبية التي رفضت المشاركة في الاستفتاء»، في إشارة إلى أكثر من 76% من الكتلة الناخبة (24 مليون ناخب)، تغيّبوا عن الموعد الذي كان يوليه الرئيس عبد المجيد تبَون أهمية كبيرة، فقد اعتبر تأييد دستوره «مفتاحاً للإصلاحات السياسية» التي أرادها، و«مدخلاً لجزائر جديدة».

ورأت حنون أن العمل بهذا الدستور، في انتظار تثبيت النتائج من طرف «المجلس الدستوري»، الأسبوع المقبل، «بمثابة احتقار للأغلبية واستفزاز لها، كما هو تعطيل لمجرى التاريخ». يشار إلى أن حزب «العمال» كان من دعاة مقاطعة الاستشارة الشعبية، على غرار الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية» و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، في حين انقسمت الأحزاب الإسلامية بين مشجع على التصويت لصالح الدستور، ورافض له.

سحب الدستور المعدل

ودعت حنون إلى «إيجاد الشروط الملائمة لإطلاق مشاورات جادة لإنقاذ البلاد من أزمتها السياسية والاقتصادية». ووصفت سجن الصحافي خالد درارني، مراقب «مراسلون بلا حدود»، والمناضل السياسي الأمازيغي البارز خالد تزغارت، بأنه «واقع بشع». وعدّت رفع الحصانة عن البرلماني ورئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة»، محسن بلعباس، بغرض متابعته في قضية وفاة عامل أجنبي بورشة لبناء مسكنه، «تعدّياً على الحياة السياسية وخرقاً لحقوق الإنسان». وشجبت اعتقالات مسّت ناشطين بسبب التعبير عن مواقف سياسية على حساباتهم بالمنصات الرقمية الاجتماعية.

ومن الأمثلة التي ساقتها حنون لـ«مضايقة الناشطين»، التحقيق مع مناضلة من حزبها بشرق البلاد من طرف الشرطة، على أثر نشرها فيديو لمظاهرة نسائية بمناسبة العيد العالمي للمرأة، في 8 مارس الماضي، مشيرة إلى تعرضها للقمع على أيدي رجال أمن. وتقع المناضلة، حسب حنون، تحت طائلة الاتهام بـ«الإساءة إلى هيئة نظامية»، وهي الشرطة.

وبالإضافة الى دعوة زعيمة حزب العمال، تواترت دعوات جزائريين على صفحات التواصل الاجتماعي الى الخروج الى الشارع من جديد للضغط على الحكومة حتى تلبي مطالب الحراك وتحقق شعارات الثورة التي أطاحت بنظام بو تفليقة.

حيث اعتبر عبد الغني بادي الحقوقي والناشط في الحراك، أن نتائج الاستفتاء هي تعبير واضح عن رفض مسارات السلطة المتجاهلة للخيارات الشعبية في الانتقال السياسي.

واكد بادي ان نتائج الاستفتاء ستزيد من عزل السلطة أكثر، رغم أنها أرادت أن تستثمر في المقاطعة بإعطاء ثقة للمشاركين في العملية الانتخابية وإيهامهم بأنها تخلت عن التزوير.

وأضاف أن الدستور المعروض لم يحقق سوى 12 بالمائة بأرقام السلطة، ما يجعله فاقدا للمشروعية، مشيرا إلى أن “الأغلبية المقاطعة هي الفائزة وعلى السلطة التخلي على هذا المسار في اتجاه واحد الذي يزيد من عمق الأزمة ولا يحلها.

وايدت الفقيهة الدستورية، فتيحة بن عبو، فكرة اعتماد قراءة سياسية لنتائج الاستفتاء بدل القراءة القانونية الآلية، من أجل إعادة النظر في المشروع، كونه يشكل حسبها، خطرا على التوافق الوطني.

أما حزب “التجمع من أجل الحرية والثقافة والديموقراطية” (علماني معارض)، فقال إن 13.7 في المئة من الناخبين فقط صوتوا بـ”نعم” على المشروع، مشدداً على أن “نسبة المشاركة في الاستفتاء المصرح بها تعتبر تنصّلاً شعبياً من مسار إضفاء الشرعية، وبصورة متأخرة، للسطو الانتخابي الذي حدث في 12 ديسمبر 2019″، وحذّر من أن “اعتماد دستور رفضته الغالبية يعني فتح الطريق للفوضى الشاحنة لكل المخاطر”.

واعتبرت رئيسة حزب الاتحاد من أجل التغيير والرقي، زبيدة عسول، أنّ الرفض الشعبي للاستفتاء الشعبي، يفتحُ أفاقاً جديدة للبلاد لحل الأزمة سياسياً توافقياً بعد توفير شروط التهدئة منها، الإعلان عن إلغاء الاستفتاء لأنه لا يمكن اعتماد دستور أقلية على حساب الغالبية. ودعت أيضاً إلى إطلاق سراح سجناء الرأي والسجناء السياسيين ونشطاء الحراك عموماً، إضافة إلى فتح وسائل الإعلام العامة والخاصة لكل الجزائريين بمختلف آرائهم، مع الذهاب إلى حوار وطني للتوصل إلى حل دائم وعميق للأزمة.

ترويج خاطئ

ويرى عدد من المتابعين والمحللين السياسيين ان هذه النتيجة المسجلة تعود بالأساس إلى مسار الترويج الخاطئ للدستور، منذ البداية، حينما تم الاستنجاد بالأحزاب والتنظيمات الداعمة لـ”العهد البوتفليقي”، وهو ما أثار حفيظة الشارع الجزائري، فكيف يتم الترويح لتعديلات دستورية جديدة بوجوه قديمة، لا يزال يعتبرها الناس سبباً في الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد.

كما تزامن مسار التعديل الدستوري، مع موجة اعتقالات في صفوف نشطاء من الحراك الشعبي، يقول محامون إنه لا مبرر لسجنهم، إضافة إلى شكاوى وسائل الإعلام من التضييق و”طمس” كل الآراء المخالفة والمعارضة لأفكار السلطة، إلى اعتبارات أخرى، منها ما ارتبط في جزء منها بتصريحات أحد وزراء الحكومة (الشباب والرياضة)، الذي دعا في تجمع شعبي الرافضين للدستور إلى مغادرة البلاد، ما ولد شعوراً بالإهانة والغضب لدى الجزائريين.

وبعد الإعلان عن نتيجة استفتاء الدستور الموصوفة بـ”الهزيلة”، يُخيم الغموض على مصير أهم وثيقة في البلاد، وفي الوقت الذي ترفض فيه الهيئة المستقلة للانتخابات في الجزائر أي طعن في مشروعية الدستور، ووظّف رئيسها محمد شرفي مُصطلح “دستور حلال”، في إشارة إلى عدم وجود تلاعب بالنتائج، إلا أنّ أحزاباً مُعارضة عدة اعتبرت أنّ الاستفتاء “سقط سياسياً”، وعلى السلطة قراءة دلالات المقاطعة التي تعكس “عدم رضا شعبي عن مسار السلطة الأحادي في تسيير شؤون البلاد”.

حقوق النشر والطباعة ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©