الفوضى الخلاقة من النظرية إلى التطبيق

ملف بحثي استراتيجي

صفوان قسّام

يمثل مصطلح “الفوضى الخلاقة” طريقة تفكير العقل الاستراتيجي الأمريكي في سياسته الخارجية والتعامل مع القضايا الدولية، وهو يشكل تناقضاً بين الكلمة الأولى والثانية؛ ففي الوقت الذي تعني فيه كلمة الفوضى مفهوماً سلبياً تأتي الكلمة الثانية لتعني أنه نوع من الإبداع الجديد الذي يخفف من حدة الكلمة الأولى.

وعند اسقاط هذا المعنى على الأحداث الجارية في العالم، يمكن لنا تفسير ما يجري؛ فالعالم يشكل هذا النظام المعقد، وهو معرّض لاهتزازات مستمرة بسبب أي خلل سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي قد يصيب إحدى الدول، ولا يمكن للنظام الدولي بكل تعقيداته منع تكرار مثل هذا الخلل وانعكاساته على المشهد الدولي الشامل، ولكن يمكن له أن يتدارك تحول ديناميكية الخلل إلى كارثة اجتماعية أو سياسية أو أمنية، قد تخلق بنتائجها السلبية قوة جذب لقوى أخرى للتدخل فيتحول الخلل المحدود إلى صراع فعلي وموسع تتشارك فيه قوى وديناميات دولية وداخلية.

ويمكن لنا إدراك مدى هشاشة الاستقرار الدولي من خلال مراجعة عامة لكل الأحداث والتطورات التي شهدها المسرح العالمي منذ إنشاء الأمم المتحدة والنظام الدولي الحالي وتحديداً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث لم تبق أية أزمة مهما كان محدودة سواء داخلية أو إقليمية ضمن الحدود الجغرافية التي نشأت فيها، بل أثرت بأشكال متفاوتة على النظام والتوازن الدوليين وهكذا يمكن الاستنتاج بأنه لا يمكن تصور عالم متوازن محصّن في استقراره، بل عالم متنقل من حالة استقرار هش إلى أخرى بحيث أنه لا يمكن تصور إمكانية الوصول إلى نظام دولي مانع أو ضابط للفوضى، وهنا تكمن الإشكالية التي تواجهها الدعوات باعتماد نظرية “الفوضى الخلاقة” من أجل تحقيق عملية التغيير في النظام الدولي والإقليمي الشرق أوسطي.

فالفوضى الخلاقة هي خلاقة بالنسبة لمصالح أمريكا والغرب، وغير خلاقة بل مدمرة بالنسبة للأوطان والشعوب، وهذا المصطلح ينشط في حيز العولمة الرأسمالية وصعود الليبرالية الجديدة والمحافظون الجدد إلى الإدارة الأمريكية في عهد بوش الابن؛ ويفهم من المصطلح أن عنصر الأفكار الرصينة والمنظمة والأيديولوجيات الكبرى فات أوانها، وعلى المجتمعات أن تسلك ممرات كثيرة للوصول إلى الاستقرار.

حاولت هذه الدراسة الإضاءة على الجذور النظرية لنظرية الفوضى انطلاقاً من نقض المسلمات الرياضية والفلكية إلى انعكاس أفكارها على البيئة والاقتصاد والسياسة والمجتمع وصولاً إلى إعلان السياسة الأمريكية في عهد بوش الأب تطبيق سياسة الفوضى الخلاقة وتداعيات هذا التطبيق.

أولا- إشكالية البحث:

رغم وجود مصطلح “الفوضى الخلاقة” في أدبيات الماسونية القديمة حيث ورد ذكره في أكثر من مرجع، وأشار إليه الباحث والكاتب الأمريكي “دان براون”! إلا أنه لم يطّف على السطح إلا بعد غزو التحالف الدولي للعراق 2003، الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس “جورج دبليو بوش”؛ وتحديداً في تصريح وزيرة خارجيته “كوندوليزا رايس” في حديث لها أدلت به إلى صحيفة واشنطن بوست الأمريكية في شهر نيسان 2005، حيث انتشرت بعض فرق الموت والمنظمات الإرهابية مثل شركة “بلاك ووتر” الأمنية؛ فأذاعت حينها عن نية الولايات المتحدة نشر الديمقراطية بالعالم العربي والبدء بتشكيل ما يُعرف ب “الشرق الأوسط الجديد”، كل ذلك عبر نشر ” الفوضى الخلاقة ” في الشرق الأوسط عبر الإدارة الأميركية .[1]

ومن الواضح أن هناك التباسا وعدم وضوح في فهم الفوضى الخلاقة، التي تعتمدها الولايات المتحدة في إحداث عمليات التغيير في المجتمعات الأخرى، فيتصور البعض أن تلك الفوضى هي حالة عدمية تستهدف إثارة اضطرابات وتسعير فتن التقاتل الداخلي (والحروب الأهلية) وتفكيك الدول وتقسيمها فقط؛ دون إدراك أنها في الأصل نمط “ثوري” من أنماط التغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وأن إثارة الفوضى وهدم مكونات جهاز الدولة ليس إلا معبرا لإحداث هذا التغيير، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع أهداف وأسلوب هذا التغيير سلباً أو ايجاباً.

ولكشف هذا المفهوم وأبعاد هذه النظرية وجذورها الفكرية والعلمية – خصوصاً إذا ما علمنا أن النظرية ذات جذور رياضية وفيزيائية انعكست مع التجربة البشرية طوال ما يزيد عن القرن على البيئة والاقتصاد والسياسة – والتعرف على انعكاساتها وخطواتها؛ وهو ذو أهمية بالغة في التعرف على نمط من أنماط السياسة الأمريكية التي يتم تطبيقيها في المنطقة لإحداث التغييرات الاجتماعية والديمغرافية والاقتصادية والسياسية؛ وسيكون ذلك عبر الدراسة المنهجية المكتبية للملفات المتوفرة حول هذا الموضوع من اللغتين العربية والإنكليزية.

توضيح مفهوم الفوضى الخلاقة

الفوضى الخلاقة: Creative Chaos مصطلح سياسي – عقدي يقصد به تكون حالة سياسية بعد مرحلة فوضى متعمدة الإحداث، تقوم بها أشخاص معينة بدون الكشف عن هويتهم بهدف تعديل الأمور لصالحهم، أو تكون حالة إنسانية مريحة بعد مرحلة فوضى متعمدة من أشخاص معروفة، من أجل مساعدة الآخرين في الاعتماد على نفسهم. [2] [3]

وتقول هذه النظرية أنه مهما بلغ تطور النظام الدولي القائم، فهو نظام مركب ومعقد، وهذا يجعله حساساً ومعرض لتأثيرات طارئة، تبدأ بخلل بسيط يصيب أحد الأجزاء، ويتسبب بردود فعل للأجزاء الأخرى التي تؤثر على انتظام العمل داخل النظام ككل.[4] وهناك من يرى أن الفوضى الخلاقة حسب هذا المفهوم هي أقرب إلى مفهوم (الإدارة بالأزمات) في المجال الاستراتيجي مع اختلاف الآليات والوسائل.

والإدارة بالأزمات: هي علم وفن صناعة الأزمة وافتعالها وإدارتها بنجاح لغرض مصالح محددة ويترتب على هذا النوع الأزمات تفكيك للمنظومة المعنية أو المستهدفة مما يسهل الولوج إلى مكوناته الأساسية الأمر الذى يؤدي إلى انهيار كلي للنظام، وإعادة تشكله بطريقة تعكس تلك المصالح [5].

ومصطلح الفوضى الخلاقة قريب ومشابه لمصطلح التدمير الإبداعي أو الهدم البناء Creative Destruction وهو مفهوم من علم الاقتصاد؛ عرفه عالم الاقتصاد جوزيف شومبيتر بـ: عملية الطفرة الصناعية التي تُحدِث ثورة مستمرة في البنية الاقتصادية من الداخل، من خلال تدمير البنية القديمة مع خلق بنية أخرى جديدة، بطريقة مستمرة[6]. كما أنه يختلف عن مفهوم أخر يعرف بالفوضوية أو الأناركية؛ وهي تعرّف عمومًا بأنها: الفلسفة السياسية التي تجعل الدولة غير مرغوبة وغير ضرورية وضارة، أو بدلاً من ذلك، كأنها السلطة المعارضة للتنظيم الهرمي في إدارة العلاقات الإنسانية. وتعد طبيعة الرأسمالية مسألة استقطابية بين الفوضويين.[7]

وحتى لا يختلط المفهوم بين سياسة ونظرية “الفوضى الخلاقة” وتيار “الفوضوية” وجب التوسع قليلاً في الفوضوية لتحديدها بطريقة أوضح:

تتجلى الفوضوية في أشكال متعددة: الشكل الفردي الرافض لكل تنظيم. شكل المنظمات الفوضوية الصغيرة. شكل يعبر فيه الفوضويون عن إيمانهم بالإنسان دون اعتبار للمعيار الطبقي. شكل كالفوضويين الشيوعيين يعبرون عن ميلهم نحو الطبقة العاملة. شكل فوضوية العصابات الفلاحية. شكل الفوضوية التي تستبعد النقابات كأداة نضال. شكل النقابية الفوضوية. وثمة فوضويون ثوريون أو إرهابيون أو دعاة السلم أو التحضر. وهناك أيضا فوضويون لا تسعهم أي من هذه الفئات أو يدمجونها بطريقة خاصة بهم. وهم على اختلاف خلفياتهم الفكرية لا يدافعون عن عقيدة أو خط سياسي محدد بدقة.

ومن الأفكار العامة والمواقف المشتركة بين كل تنويعات الفوضوية تقريباً:

– العداء للدولة، بكافة أشكالها، حتى الدولة الثورية: فالمعنى الحرفي للفوضى Anarchie هو انعدام سلطة، أي الاعتراض على الدولة والحكومة، وليس على دولة بعينها أو حكومة من نوع خاص، بل كل الدول و كل الحكومات في كل الأزمنة، بناء على موقف مبدئي. وهو أن وجود الدولة ذاته، بما هي كيان خاص من الرجال والنساء يمارسون السلطة الفعلية والقانونية على المجتمع برمته، فعل اضطهاد وغير مطابق للحرية الإنسانية الحقيقية.

– العداء للقيادة، أيا كانت، حتى قيادة ثورية: غالبا ما يعلن الفوضويون رفضهم لأي قيادة؛ في المجتمع الرأسمالي واليساري.

– العداء لكل الأحزاب، حتى الأحزاب الثورية: وإن معارضة الفوضوية لفكرة حزب أقوى من عدائها للدولة وللقيادة.[8]

يبدو أن أهم الأفكار التي ظهرت في خلق فكرة “المجتمع الفوضوي”، هي ناجمة عن إدراك المدى الذي وصل إليه النظام العالمي من فشل بالسيطرة من منظور واحد. لذا كان برأي مؤيدي الفكرة أن العوامل الفاعلة كالأثر الواضح لعملية العولمة الاقتصادية، ونشر الديمقراطية السياسية، والأهمية المتزايدة للمجتمع المدني المتخطي “للحدود القومية” وتعاظم كثافة المؤسسات الدولية ونطاقها ومداها، والمشكلات المتعددة والمتراكبة الناجمة عن تفكك الدول وتعاظم المطالبة بالكيانات الأثنية وحقوقها، قد تطورت إلى حد جعل التركيز على “مجتمع الدول” قاصراً وبالياً تماماً.[9]

نشأة نظرية الفوضى وانعكاساتها في المجتمع

عند البحث في نظرية “الفوضى الخلاقة” يتبين أن لهذه النظرية جذوراً قادمة من علم الرياضات والفيزياء والفلك، وانعكست بدورها على البيئة ومن ثم على الاقتصاد والمجتمع والسياسة والدول والنظام العالمي على حد سواء.

فقد ظهرت نظرية الفوضى أوائل القرن الماضي- وحتى قبل ذلك – واتخذت اسم نظرية الفوضى في أواخر السبعينيات عند ذلك أدرك الناس معناها بالفعل[10]. وتعود جذور  هذه النظرية في أحضان الاعتقاد الرياضي الذي كان يقول أن الحتمية موجودة وأنه يمكننا التنبؤ بكل شيء من خلال الرياضيات، فمن خلال معادلات عالمي الرياضيات والفيزياء الشهيرين نيوتن ولابلاس 1885 توصلا إلى نتيجة مفادها: “أنه إذا انطلق جسمان في مدارين شبه متطابقين فسيستمران في مدارين شبه متطابقين، والفرق بينهما لا يتزايدا أبداً؛ لذلك إذا عرفت مدار الجسم الأول يمكنك معرفة مدار الجسم الأخر“؛ لكن عند اضافة جسم ثالث تصبح الأمور فجأة مستحيلة التوقع لمعرفة أين موقع الجسم الثالث رياضياً، وأصبح حل هذه المعضلة هاجس العلماء بعدها. وجاء العالم الرياضي بواناكاريه عام 1889 ليكتشف أن توقع حركة المدارات أمر مستحيل رياضياً، ففرق طفيف ما سيؤدي إلى فرق شاسع في النتائج، ولذلك اكتشف ما نسميه اليوم “نظرية الفوضى” التي تفترض أن هذا السلوك غير المتوقع قد يكون منتشراً في كل أوجه الطبيعة “فإن رفرفة أجنحة فراشة قد تحدث عاصفة في مكان غير متوقع“.[11] ومن هنا بدأت محاولات تعميم هذا الاكتشاف على باقي مجالات المعرفة.

وخلال الحرب العالمة الأولى بدأت علامات انعكاس نظرية الفوضى تظهر على السياسة، فإن اضطراباً بسيطاً في “سريفيو” أدى إلى نشوء الحرب العالمية الأولى، وكانت التوقعات فاشلة في مسار الحرب، وقد أوصل هذا الأمر السياسيين إلى اعتقاد مفاده أنه لا يمكن التنبؤ في السياسة أيضا. ولذلك فإن مبدأ بواناكاريه القائل:” أن أقل اضطراب قد يؤدي إلى عاصفة خارجة عن السيطرة” جذّر المخاوف الحديثة.

وحاول عالم الرياضات الروسي ألكسندر ليابونوف خلال الحرب العالمة الأولى والثورة الروسية الوصول إلى فهم نقطة تحول النظام السياسي من مستقر إلى فوضوي من خلال دراسة الغاز والسوائل وفتح الباب على هذا المجال، مما ساعد في الوصول إلى قناعة مفادها أن: “الفوضى جزء من الكون وليست وسيلة لانهياره[12]

وفي أواخر الحرب العالمية الثانية بعد أن تم اختراع الجهاز الذي فك الشيفرة النازية “الإنيغما” الذي اعتبر أول جهاز كمبيوتر؛ وتطور هذا الاختراع والآلات الحاسبة، عادت الثقة إلى الاعتقاد أن الحتمية ممكنة ويمكن التنبؤ بمسار الأزمات الاقتصادية والسياسة والصناعية والفلكية، وأن مستقبلها سيكون أكثر توازناً. كما أن اكتشاف القنبلة النووية أيضا أعطى طموحاً بعصر مليء بالثقة وبالقدرة على السيطرة. [13]

في عام 1962 اكتشف عالم الأرصاد الجوية “إد لورينز” فروقاً في الأنماط الخفية لأرقام الأرصاد الجوية؛ حيث إن فارقاً في الأنماط الخفية للأرقام يبدو غير موجود يحدث فارقاً هائلاً وجذرياً في النتائج. وقال:” عندما يحدث تغير في نظام معين ليس من الضروري أن يكون السبب الذي قد أدى إلى تغييره قد حدث في الوقت الحالي، من المحتمل أن تكون بذور دماره موجودة وتنمو ببطيء ومخفية في المعادلات الرياضية منذ البداية؛ إن لحظة انحراف الجسم هي النتيجة النهائية لتعديل بسيط طفيف حدث منذ فترة طويلة“. [14]

وعند أواخر الستينيات وبداية السبعينيات ومع ربيع الشعوب في أوربا تبين للخبراء أنهم فشلوا في التنبؤ بالأحدث مرة أخرى، وحتى علماء الاقتصاد الذين اعتقدوا أنهم فهموا الدورة الاحصائي وحصلوا على قوة توقع بما سيحصل كالبورصة اكتشفوا أنها لم تكن قوانين قط بل علاقات احصائية قابلة للحصول خلال فترة زمنية معينة. هذه الاضطرابات أقنعت علماء الاقتصاد والبيئة أن اقتناعهم بالسيطرة والتحكم على نطاق واسع خاطئة تماما. [15]     

لقد ساهمت دراسة الفوضى في حدوث تطورات مدهشة في نقطة الْتقاء الطقس والاقتصاد؛ إذ تتأثر الكثير من الأسواق بالطقس بصورة بالغة، بل يتأثر بعضها حتى بتوقعات الطقس. من هنا يخشى كثير من المحلِّلين من أن تخدعهم فوضى الطقس، حتى إنهم يلتزمون التزامًا صارمًا باستخدام نماذج بسيطة، وتصادفية محضة، ويتجاهلون الحقيقة البادية للعيان أن بعض توقعات الطقس المجمعة تتضمن معلومات مفيدة. [16]

ومن هنا بدأ الأمر ينسحب بالتدريج على الطقس والاقتصاد أيضاً، لكن اكتشاف عالم الرياضيات “ديفيد رويل” وآخرون الذين قاموا بدراسة البندولات، أظهر أنه كلما زاد تعقيد البندول زادت الفوضى وهو تماما كالعالم المضطرب “علماً أن الاضطراب الذي يحدث للعالم يكون أيضا نتيجة الحساسية للظروف الأساسية” وكلما زاد الترابط بين أجزاءه وتعقيداتها زادت الفوضى؛ وكلما زاد الضخ في النظام زادت سرعته وبالتالي زادت الفوضى فيه. ومع نشوء السوق الحرة المعاصرة التي هي وليدة “ربط أنظمة الكمبيوتر العالمية في نظام اقتصادي شامل موحد” بتاريخ 27/10/1986 تبين أنه: “يجب ترك الاضطرابات الاقتصادية للأسواق لأنها ستقوم بحل مشاكلها لوحدها فالنتائج التي كانت تعطيها الأسواق مذهلة لكنها دون تفسير“؛ وقد توصل علماء الاقتصاد إلى قانون مفاده أنه: “لا يمكن السيطرة على الاقتصاد وضبطه وأن الفوضى هي أمر طبيعي، لا يجب أن يتم ضبطه على الاطلاق” وشعار الليبرالية الحالي: “لا يمكن السيطرة على السوق“. [17]

وبعد مشروع “البروسترايكا” الاقتصادي الذي أوصل الاتحاد السوفيتي إلى نهايته سياسياً؛ وأنهى الحرب الباردة؛ تضاعفت أجواء الشك والغموض والضياع التي كانت سائدة في ظل نظام القطبين، ولم تكن الولايات المتحدة مستعدة لملء الفراغ الحاصل وهذا ما يفسّر لجوئها لأدوات القوى الاستعمارية الغابرة لتصفية كل تركة عالم القطبين بشكل سريع ليتحقق لها هيمنة مطلقة على النظام الدولي، من خلال فرض سياسة التغيير التي تتناسب مع توجهاتها ومصالحها السياسية والاقتصادية، مع إسقاط كل الحواجز والعوائق التي يمكن أن تعترضها وذلك من خلال تحويل كل مؤسسات النظام الدولي إلى أدوات خاضعة لها، أو من خلال إسقاط كل التقاليد والأعراف الدبلوماسية المعتمدة بما فيها مبدأ سيادة الدول على أراضيها. [18]

ومع نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، انطلقت فكرة الفوضى من المجتمع السياسي الأمريكي المعروف بالمحافظين الجدد، وهم فريق من الأكاديميين والسياسيين، استطاعوا التغلغل في كل المرافق الأساسية لصنع القرار في إدارة الرئيسين بوش الأب والابن حيث أسموهم “صقور البينتاغون”؛ وقد أجمعوا على أنه لم يعد من الممكن أو الجائز مواجهة التهديدات والشكوك التي تتهدد أميركا من خلال مفاهيم وسياسات العصر الماضي البسيطة، ولا بد من إعادة صياغة المفاهيم التي ترتكز عليها السياسة الأميركية الخارجية[19].

ويعتبر “مايكل ليدن” أحد أقطاب المحافظين الجدد وأهم مفكري صناعة القرار الأمريكي الذين ارتبط اسمهم بنظرية الفوضى الخلاقة، إلا أن هذا الارتباط جاء من خلال مصطلح “التدمير البناء” وهو مصطلح مرادف لمصطلح “الفوضى الخلاقة” أو بالأحرى مسمى آخر لها، حيث قام “ليدن” في عام 2003م بإعداد مشروع “التغيير الكامل في الشرق الأوسط” المقرر تنفيذه خلال العشر سنوات اللاحقة من تاريخ صدور المشروع، والذي نص على إجراء تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية في كافة أنحاء المنطقة وفقاً لاستراتيجية جديدة تقوم على أساس الهدم ثم إعادة البناء.[20] وقد ذهب ليدين إلى تسويغ مذهب القوة اللامتناهية، حتى ولو أدى الأمر بالولايات المتحدة إلى أن تقوم كل عشر سنوات باختيار بلد صغير وتدمره، وذلك لغاية وحيدة فقط هي أن تظهر للجميع أنها جادة في أقوالها. وينطلق ليدين من نظرية: “أن الاستقرار مهمة لا تستحق الجهد الأمريكي” ليحدد بالتالي “المهمة التاريخية” الحقيقة لأمريكا فيقول: “التدمير الخلاق هو اسمنا الثاني في الداخل كما في الخارج. فنحن نمزق يوميا الأنماط القديمة في الأعمال والعلوم، كما في الآداب والعمارة والسينما والسياسة والقانون. لقد كره أعدائنا دائما هذه الطاقة المتدفقة والخلاقة والتي طالما هددت تقاليدهم (مهما كانت) وأشعرتهم بالخجل لعدم قدرتهم على التقدم.. علينا تدميرهم كي نسير قدماً بمهمتنا التاريخية“. [21]

ويمكن استقراء ما قالته وزيرة الخارجية الأميركية رايس حول سياسة التغيير نحو الديمقراطية في المنطقة في المؤتمر الصحفي المنعقد في 11 شباط 2005 بأنه يعكس ما يعرف بنظرية “الفوضى” أو التعقيدات السياسية – كرد على البساطة السياسة التي كانت سائدة في القرن الماضي والتي ناهضها المحافظون الجدد. حيث يعتبر توجه أمريكا باتجاه الديمقراطية في الشرق الأوسط – حسب ما يفهم من هذا الخطاب – جدياً وستستخدم لأجله كل الوسائل المتاحة لديها، ولن تخشى وصول الإسلاميين إلى الحكم بل ستتعامل معهم، وعلى الجميع الاصطفاف تحت قيادة أمريكا في التغيير القادم[22]. وإذا ما أضفنا لذلك تصريحها لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية بعد هذا المؤتمر بشهرين الذي أوردناه في الاشكالية تتبلور لدينا الصورة التي سعى لها صقور البنتاعون حول اجراءات تنفيذ الفوضى الخلاقة.

وهناك رأي يعتقد أن الفوضى الخلاقة تم تطبيقها في المنطقة قبل قرن من الزمن، والتي يجري تطبيقها الآن هي نسخة أمريكية محدثة عن الاستراتيجية البريطانية المعروفة بـ”فرق تسد”، التي انتهجتها القوى الغربية بعد الحرب العالمية الأولى كاستراتيجية   لتقطيع أوصال العالمين العربي والإسلامي في تلك الفترة، ولا شك أن الغرب يدركون أن من أهم الأسباب التي عجلت بسقوط الدولة العثمانية، هو الانفصال الذي أقدم عليه الشريف حسين تحت مسمى “القومية العربية”، بدعم من الفرنسيين والبريطانيين، وتم تتويجها بمعاهدة “سايكس بيكو” – التي يبدو أن الغرب لم يعد مقتنعاً بها في الوقت الحالي -اعتماداً على استراتيجية فرق تسد البريطانية التي استبدلت بـ”الفوضى الخلاقة” الأمريكية، والتي نرى ارهاصاتها اليوم حروباً وتمزقاً في كل بقاع العالمين العربي والإسلامي. [23]

ومن اللافت أن الفوضى دخلت مجالات جديدة حيث يؤكد مارتن كروزرز – مؤسس مذهب جديد في علم العلاج النفسي – أن الفوضى إحدى العوامل المهمة في التدريب والعلاج النفسي، فعند الوصول بالنفس إلى حافة الفوضى يفقد الإنسان جميع ضوابطه وقوانينه، وعندها من الممكن أن تحدث المعجزات.. فيصبح قادراً على خلق هوية جديدة، بقيم مبتكرة ومفاهيم حديثة، تساعده على تطوير البيئة المحيطة به. [24]

لقد دخلت نظرية الفوضى اليوم كفرع جديد من فروع العلم، التي تعنى بدراسة ظواهر الاضطراب والاختلال واللانظام واللاخطية، في مختلف المجالات، كالمناخ، وأجهزة الجسم عند الإنسان، وسلوك التجمعات الحيوانية والإنسانية، فضلاً عن الاقتصاد والتجارة وحركة الأسواق المالية، انطلاقا نحو حركة المجتمعات الإنسانية والسياسة.

الأسس الفكرية لنظرية الفوضى

أعتبر “نيقولا ميكافيلي” في كتابه “الأمير” أن النظام ينشأ من الفوضى؛ وأن الفوضى تحدث الخراب الذي يقام على أنقاضه النظام، لكنه لم يشأ إحداث الفوضى للوصول إلى النظام عن قصد. فالفوضى عنده نتاج الراحة الذي هو نتاج السلم في حين أن الفوضى تنتج الخراب الذي ينتج بدوره النظام. ومنذ وقت مبكر لعبت (فلسفة الفوضى) دوراً في التنظير والأبحاث الاجتماعية والسياسية والدولية، حيث مثلت مناهج الفكر التقليدية الأساسية الثلاث الآتية (منهج هوبز – منهج غروتيوس – مذهب كانت) قراءات متقاربة لتاريخ الفكر الخاص بالمجتمعات والعلاقات الدولية وبكل ما تطور به هذا الفكر داخل أوروبا بدءاً من القرن الخامس عشر، وعلى الرغم من اختلاف هذه المناهج في بعض ما أتت به حول مفهوم (المجتمع الفوضوي)، فإن هذه المناهج تعلق أهمية كبيرة على أهمية التاريخ والمنهج التاريخي، والحاجة إلى إرجاع صلب المجتمع الدولي إلى التاريخ.[25]

ويستند الأساس الأيديولوجي النظري لصيرورات الفوضى الخلاقة تاريخيا إلى الثورة الفرنسية باعتبارها مرجعاً قابلا للدرس والمقارنة بشعاراتها المعروفة الحرية والعدالة والمساواة، وعلى الرغم من نبل المنطلقات النظرية للثورة الفرنسية وايجابياتها إلا أنها ولدت آثارا جانبية ضارة تمثلت بسيطرة العامة التي حولت الأوضاع إلى فوضى عارمة تفتقر إلى التنظيم في ظل غياب مرجعيات فكرية وسياسية ساهمت في تآكل الثورة وكان من نتائجها عودة الملكية إلى فرنسا ونمو النزعة الشوفينية الفرنسية التي أرادت تصدير الفوضى الثورية إلى دول أوروبا دون الالتفات إلى الخصوصيات المكونة لهذه الدول.[26]

كما ناقش عالم الاقتصاد النمساوي “جوزيف شامبيتر” في كتابه “الرأسمالية والاشتراكية والديموقراطية” الذي أصدره عام 1942 أطروحة: “التدمير الخلاق”، اذ اعتبر وبحسب المفهوم الرأسمالي أن إزاحة القديم هي التي تفرز الجديد والتطور حيث قال: “ليس القديم بالرأسمالية هو الذي يفرز الجديد، بل إن إزاحته التامة هي التي تقوم بذلك“.[27]

ووفقاً للفلسفات المعاصرة ليست فقط التراكمات الكمية هي التي تؤدي لتغيرات نوعية، بل أيضا التغيرات النوعية في القيم والأفكار والمعارف هي أيضا أدوات فاعلة قادرة على التغيير في الاقتصاد والسياسة معاً، فهي أدوات تغييرية سحرية جاذبة قادرة على تفكيك الانتظام الخطي وتحويله لفوضى من خلال تحطيم نظم وأسس الاجتماع والهوية التي تقوم أيضا على نظم ومفاهيم وقيم أخرى جاذبة تولد الوحدة داخلها. وهنا نصل لأصل ومبدأ الفوضى الخلاقة كنظرية مثالية في احداث التغيير التاريخي عبر التثاقف وانتشار الأفكار. التي ترى أن بعض النظم ذات خصوصية مغلقة عصية على التغيير وذات، قدرات قمعية كبيرة، ولها استقلالية كبيرة عن إرادة الناس، وتستطيع تشكيل حلقة مفرغة من الثبات، يصعب على قوى التفكك تحطيمها، لكنها ليست عصية على التفكيك بواسطة الفكر والرموز المجتمعية، وقد نجح تطبيق هذه النظرية بشكل رائع في تفكيك منظومة الدول الشيوعية والاتحاد السوفييتي. حيث جرى ضخ قيم الحرية والليبرالية عبر رموز محددة أدت في النهاية لتفكك ذاتي دراماتيكي لهذه المنظومة الحديدية 1989 . [28]

فتفكيك وتغيير بعض النظم المستقرة على القمع الذي يستخدم أدوات وامكانات الدولة الحديثة الرهيبة ممكن عبر التدخل الناعم في نشر هذه الأفكار والمفاهيم التي تقوض الاستقرار فيها. وهذا يتطلب تطوير هذه الأفكار وجعلها متناسبة مع مشاعر الناس، وإيجاد الوسيط الناقل من رموز وأدوات، ومن ثم دعمها وتدريبها في مرحلة تكوينها وبدايتها كي تتغلب على قوى الستاتيك وتحطم حلقتها الداخلية. في هذه الحال تنجح في تفكيك ونفي النظام القائم على قداسة السلطة وتحطيم تابو الخنوع، فتنشط قوى الفوضى/ الثورة، التي لا بد ستستعيد نظامها لكن على أسس جديدة تعبر عن المستوى الفعلي لتطور ونمو البنى التحتية وقوى الإنتاج بما فيها حاجات ومتطلبات البشر. هذه هي نظرية الفوضى الخلاقة التي تعمل في الشرق الأوسط الآن والتي يعتبر الربيع العربي نموذجاً عنها. [29]

إن الفلسفة البراغماتية هي الفلسفة التي تستند عليها النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة في صياغة مفهوم الفوضى الخلاقة إذ أنها تفترض أسبقية الواقع على الذهن. بما يعني أن قراءة البيئة وتشخيصها يفرض على التفكير الاستراتيجي الأميركي التكيف مع معطياته وتطوراته. وعلى ضوء ذلك يذهب المفكرون الاستراتيجيون الأمريكيون إلى تعريف الاستراتيجية   بأنها: “فن التعامل والتلاعب بمؤشرات الواقع التي تعكس فرصا وتهديدات” بما يضمن استثمار الفرص وكبح التهديدات أو على الأقل تقليل تأثيرها على المصالح الأمريكية. [30]

وعلى مستوى التحليل السياسي الدولي يرى البعض أن الفوضى الخلاقة ترتكز على أيديولوجيا أمريكية نابعة من مدرستين رئيستين:

الأولى: “فرانسيس فوكوياما بكتابه نهاية التاريخ” ويقسم فيها العالم ما بين عالم تاريخي غارق في الاضطرابات والحروب، وهو العالم الذي لم يلتحق بالنموذج الديمقراطي الأميركي. وعالم آخر ما بعد التاريخي وهو الديمقراطي الليبرالي وفق الطريقة الأمريكية. ويرى أن عوامل القومية والدين والبنية الاجتماعية أهم معوقات الديمقراطية.

الثانية: “صموئيل هنتنغتون بكتابه صراع الحضارات” معتبراً أن النزاعات والانقسامات في العالم سيكون مصدرها حضارياً وثقافياً. ذاهبًا إلى أن الخطوط الفاصلة بين الحضارات ستكون هي خطوط المعارك في المستقبل.

ورغم تناقض المدرستين، إلا أنهما تتفقان على ضرورة بناء نظام عالمي جديد تقوده الولايات المتحدة، إضافة إلى معاداة الحضارة الإسلامية باعتبارها نقيضاً ثقافياً وقيمياً للحضارة الغربية. [31] [32]

وتعد الاطروحتين من المفاهيم التي تصلح لتحليل السياسة الدولية وفهم التوجهات والاهداف الامريكية في علم ما بعد الحرب الباردة.

وتعتمد نظرية الفوضى الخلاقة في الأساس على ما أسماه “صموئيل هنتجتون” بـ “فجوة الاستقرار” وهي الفجوة التي يستشعر بها المواطن بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، فتنعكس بضيقها أو اتساعها على الاستقرار بشكل أو بآخر. فضيقها يولد إحباطاً ونقمة في أوساط المجتمع، مما يعمل على زعزعة الاستقرار السياسي، لاسيما إذا ما انعدمت الحرية الاجتماعية والاقتصادية، وافتقدت مؤسسات النظام القابلية والقدرة على التكييف الإيجابي، ذلك أن مشاعر الاحتقان  قد تتحول في أية لحظة إلى مطالب ليست سهلة للوهلة الأولى، وأحياناً غير متوقعة، ما يفرض على مؤسسات النظام ضرورة التكيف من خلال الإصلاح السياسي، وتوسيع المشاركة السياسية، واستيعاب تلك المطالب. أما إذا كانت تلك المؤسسات محكومة بالنظرة الأحادية، فإنه سيكون من الصعب الاستجابة لأي مطالب، إلا بالمزيد من الفوضى التي يرى هنتجتون أنها ستقود في نهاية الأمر، إلى استبدال قواعد اللعبة واللاعبين. [33] [34]

بعد انتهاء الحرب الباردة طور أحد أهم المحاضرين في وزارة الدفاع الأمريكية وهو البروفيسور “توماس بارنيت” نظرية الفوضى الخلاقة؛ فقد قسّم العالم إلى من هم في القلب أو المركز “أمريكا وحلفائها”، وصنف دول العالم الأخرى تحت مسمى دول “الفجوة” أو “الثقب” حيث شبهها بثقب الأوزون الذي لم يكن ظاهراً قبل أحداث 11 سبتمبر. ويذهب “بارنيت” إلى أن دول الثقب هذه هي الدول المصابة بالحكم الاستبدادي، والأمراض والفقر المنتشر، والقتل الجماعي والروتيني، والنزاعات المزمنة، وهذه الدول تصبح بمثابة مزارع لتفريخ الجيل القادم من الإرهابيين. وبالتالي فإن على دول القلب ردع أسوأ صادرات دول الثقب، والعمل على انكماش الثقب من داخل الثقب ذاته.

فالعلاقات الدبلوماسية مع دول الشرق الأوسط لم تعد مجدية؛ ذلك أن الأنظمة العربية بعد احتلال العراق لم تعد تهدد أمن أمريكا، وأن التهديدات الحقيقية تكمن وتتسع داخل الدول ذاتها، بفعل العلاقة غير السوية بين الحكام والمحكومين. ويخلص “بارنيت” إلى أن تلك الفوضى البناءة ستصل إلى الدرجة التي يصبح فيها من الضروري تدخل قوة خارجية للسيطرة على الوضع وإعادة بنائه من الداخل، على نحو يعجل من انكماش الثقوب وليس مجرد احتوائها من الخارج، منتهيًا بتخويل الولايات المتحدة القيام بالتدخل بقوله: “ونحن الدولة الوحيدة التي يمكنها ذلك“. [35] [36]

وتمثل كتابات “إليوت كوهن” أحد المصادر المهمة أيضا لنظرية الفوضى الخلاقة وخصوصاً كتابه “القيادة العليا، الجيش ورجال الدولة والزعامة في زمن الحرب” ويرى كوهين أن الحملة على الإرهاب هي الحرب العالمية الرابعة باعتبار أن الحرب الباردة هي الثالثة، ويؤكد بأن على الولايات المتحدة أن تنتصر في الحرب على الإسلام الأصولي. [37]

ومن المساهمات الرئيسية في صياغة نظرية الفوضى الخلاقة ما قدمته المراكز البحثية الكبرى في الولايات المتحدة وعلى رأسها مؤسسة “أميركان إنتربرايز للدراسات” وتعتبر كتابات “راوول مارك كيريشت” وهو منظر المحافظين الجدد والمختص في الشأن العراقي والشيعة أبرز من يمثل هذا المركز، ويؤكد “كيريشت” أن إدارة الرئيس بوش بلورت مشروع الشرق الأوسط الكبير بالاعتماد جزئياً على أبحاث مؤرخين نافذين أمثال “برنارد لويس” من جامعة “پرنستون” و”فؤاد عجمي” من جامعة “جونز هوبكنز”، ومن المعروف أن “لويس” أحد المناصرين “لإسرائيل” وكان قد أعلن عقب حرب الخليج الثانية عام 1991 عن موت العالم العربي ككيان سياسي واقترح استخدام مصطلح الشرق الأوسط بدلا من “العالم العربي”، ويقوم “معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى” بدور لا يقل أهمية عن المؤسسة السابقة في صياغة نظرية الفوضى الخلاقة، ويمثل “روبرت ساتلوف” المدير التنفيذي المعروف في المؤسسة أحد أقطاب هذه النظرية، وهو من أشد المعجبين بأفكار “برنارد لويس” ولا يفتأ يردد آراءه المتعلقة بالعالم العربي، وكان قد اقترح إقصاء مصطلحي العالم العربي والإسلامي من القاموس الدبلوماسي الأمريكي وطالب بالتعامل مع العالم العربي من خلال مقاربة خاصة بكل بلد على حدة ومحاربة الأصولية الإسلامية بلا هوادة والتي تسعى برأيه إلى إلغاء الحدود الجغرافية والطبقية. [38]

أما “فؤاد عجمي” وهو من أنصار “الليكود” و”المحافظين الجدد” فيعتبر الناطق الرئيسي للرؤية الطوائفية للواقع الاجتماعي والسياسي في العالم العربي، وتحظى رؤيته بقبول واسع الانتشار في صفوف الإدارة الأميركية ويمارس تحريضا متطرفا في مجمل القضايا المتعلقة بالعالم العربي والإسلامي. [39]

وتمثل الأطروحة الرئيسية لنظرية الفوضى الخلاقة على اعتبار الاستقرار في العالم العربي عائقاً أساسياً أمام تقدم مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، ولذلك لا بد من اعتماد سلسلة من التدابير والإجراءات تضمن تحقيق رؤيتها التي تطمح إلى السيطرة والهيمنة على العالم العربي الذي يمتاز بحسب النظرية بأنه عالم عقائدي وغني بالنفط الأمر الذي يشكل تهديدا مباشرا لمصالح الولايات المتحدة، وينادي أقطاب نظرية الفوضى الخلاقة باستخدام القوة العسكرية لتغيير الأنظمة كما حدث في أفغانستان والعراق، وتبني سياسة التهديد بالقوة التي تساهم في تفجير الأمن الداخلي للعالم العربي وتشجيع وتأجيج المشاعر الطائفية وتوظيفها في خلق الفوضى كما هو الحال في التعامل مع الوضع اللبناني والسوري والعراقي.[40]

الفوضى الخلاقة الأمريكية وارتباطها بنبوءات الكتاب المقدس:

في الفقرة السابقة تعرفنا على الأساس الفكري لنظرية الفوضى الخلاقة وارتباطها بالسياسة الأمريكية، لكن هناك جانب هاما وجبت الإضاءة عليه؛ وهو البعد الديني للمحافظين الجدد الذي استندوا عليه في سياستهم الخارجية، حيث يمكن ملاحظة ارتباط وثيق بين الكتاب المقدس والسياسة المتبعة تجاه العالم عموما، والشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي خصوصاً.

لقد ارتبط ظهور نظرية الفوضى الخلاقة الأمريكية بحقبة الرئيس بوش الابن، وهي حقبة وصول اليمين المسيحي الأمريكي فعلياً لهرم السلطة وبسط نفوذه على مؤسسات صنع القرار السياسي الأمريكي، ومن المعروف أن أهم المبادئ العقائدية لليمين المسيحي أو الإنجيليين الأمريكيين الذين يمثلون بحسب الإحصاءات ما بين 25.4% إلى 34% من إجمالي المواطنين الأمريكيين [41]، هي الإيمان بوجود خطة إلهية يتوجب عليهم السعي لتنفيذها، وهذه الخطة الإلهية تتضمنها نصوص الكتاب المقدس ونبوءاته التي رسمت أحداثاً مأساوية لدول المنطقة قبل نهاية التاريخ، وهناك العديد من الكتاب والباحثين الغربيين يرون بأن الإنجيليين يحاولون صناعة المستقبل بواسطة إعادة عجلة التاريخ إلى الوعد الإلهي القديم[42]، كما أنها تتعلق بعودة المسيح المخلص، الذي لن يعود إلا بعد أن يعم الخراب والفوضى منطقة الشرق الأوسط بحسب النبوءات الإنجيلية، ويعتقد الإنجيليون أن الإيفاء بها واجباً عليهم لأنه يندرج تحت تنفيذ إرادة الرب في الأرض، وتحقيق عودته المشروطة باندثار حكم الشعوب العربية الخارجة عن دين شعبه المختار[43].

والفوضى الخلاقة تعد إحدى المفاهيم المرتبطة بشكل وثيق بالعقيدة الإنجيلية، وتكتسب صفة القدسية إذا ما تعلقت بمصير ومستقبل إسرائيل، والالتزام الأمريكي “المقدس” نحوها كما ذكر أوباما[44]. ولندلل على مكانة الكتاب المقدس عند الإنجيليين نستشهد بقول “روجيه جارودي” أن الأصوليين لا يقرؤون النصوص المقدسة من منظار التاريخ، بل هم على العكس من ذلك “يكتبون التاريخ حسب قراءتهم للنصوص المقدسة” فهم يصنعون التاريخ باستخدام النصوص المقدسة كمرجع لدعم ما يناسبهم من القضايا السياسية المعاصرة [45].

وكذلك بقول “جون كولي” الذي مكث أكثر من 40 سنة في الشرق الأوسط، في كتابه التحالف ضد بابل: “يعد من قبيل الخطأ الفادح تجاهل التاريخ القديم لكل من يحاول سبر أغوار الشرق الأوسط، لأن الأسباب الداعية إلى وجود أشد أنصار إسرائيل تعصباً في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى رأسهم بوش الابن ومن حوله من الوزراء والمستشارون، موجودة في هذه القصص الغابرة، فهم ينطلقون من أعماق قصص التوراة في تعاملهم مع أزمات الشرق الأوسط[46]

وهذا ما عبرت عنه أيضاً الباحثة الأمريكية “جريس هالسل” التي اختارها الرئيس الأمريكي الأسبق “ليندون جونسون” لتكون محررة خطاباته في البيت الأبيض، حيث قالت: “إن محبي الكتاب المقدس من المسيحيين بدأوا ينظرون إلى العهد القديم على أنه التاريخ الوحيد في الشرق الأوسط[47]. بل وقد ذكر بوش الابن نفسه في كتابه “مهمة للأداء”: “إنني لم أكن لأستطيع أن أصبح حاكماً لو لم أكن أؤمن بخطة إلهية تنسخ جميع الخطط البشرية[48].

ويقول “ديف فليمنج” أب كنيسة المجتمع المسيحي بمدينة “بتيسبرج – ببنسلفانيا”: “إن الإنجيل يؤكد لنا أن الكون خلق من فوضى، وأن الرب قد اختار الفوضى ليخلق منها الكون، وعلى الرغم من عدم معرفتنا لكيفية هذا الأمر، إلا أننا متيقنون أن الفوضى كانت خطوة مهمة في عملية الخلق[49] [50].

ولقد وجد مصطلح الفوضى في أدبيات الماسونية القديمة، حيث ورد في أكثر من مرجع، وأشار إليه الباحث الأمريكي “دان براون” كما أسلفنا. والحقيقة أن ما ذكره الباحث “براون” بخصوص الفوضى يمثل جزءاً من الحقيقة الموجودة في كتابه المقدس، الذي يؤكد بأن الفوضى هي وسيلة ناجعة من وسائل عقاب “هوذا” أو “السيد رب الجنود” لأعدائه وأعداء أبناءه “بني إسرائيل” في الوقت نفسه، وهي غالباً ما تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، وبشكل أفضل من الحالة القديمة، فهي إذا “فوضى خلاقة” لصالح أتباع “السيد رب الجنود” بحسب الكتاب المقدس أيضاً، الذي لم يشر إلى لفظة الفوضى الخلاقة نصياً، بل صور أبعادها في كثيرٍ من نصوصه، ولربما كان في الإصحاح التاسع عشر من “سفر أشعياء” تأكيداً لذلك، وهو الإصحاح المتضمن نبوءة خراب مصر قبل نهاية التاريخ. والذي لجأ الكثير من الإنجيليين إلى إسقاطه على الأحداث التي شهدتها مصر في سياق الربيع العربي. حيث جاء في هذا الإصحاح: “وأهيج مصريين على مصريين فيحاربون كل واحد أخاه وكل واحد صاحبه، مدينة مدينة، ومملكة مملكة، وتهرق روح مصر داخلها وأفني مشورتها، فيسألون الأوثان والعازفين وأصحاب التوابع والعرافين” كما جاء في نفس الإصحاح: “وتكون عمدها مسحوقة وكل العاملين بالأجرة مكتئبي النفس” وأيضاً: “مزج الرب في وسطها روح غي فأضلوا مصر في كل عملها كترنح السكران في قيئه“. تظهر هذه الآيات الفوضى التي ستشهدها مصر في آخر الزمان وفقاً لمنظور الكتاب المقدس، لكن هذه الفوضى هي فوضى خلاقة، لأن الرب يضرب مصر لتزدهر وتعود إلى حال أفضل من ذي قبل، حسب الإصحاح (19): “ويضرب الرب مصر ضارباً فشافيا فيرجعون الى الرب فيستجيب لهم ويشفيهم“.

لكن من بجني ثمار هذه الفوضى الخلاقة هم الغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، فالكتاب المقدس يؤكد على أن المستفيد من خراب وفوضى مصر هم الأفراد الذين سيخضعون لطاعة رب إسرائيل – المسيح بحسب تفسير المسيحيين – ويقدمون قرباناً له، لتنتشر بعدها اللغة العبرية في جميع أرجاء مصر الخمسة بعد تقسيمها، كما جاء في نفس الإصحاح السابق من “سفر أشعياء”: “في ذلك اليوم يكون في أرض مصر خمس مدن تتكلم بلغة كنعان وتحلف لرب الجنود يقال لإحداها مدينة الشمس“. كما يؤكد “سفر حزقيال” الإصحاح (36) على أن “السيد الرب” سوف يقيم نهضة شعبه المختار “اليهود” على أنقاض خرائب وفوضى الدول المجاورة له، لأن سكانها حاولوا الاستيلاء على أرض أبنائه “أورشليم المقدسة” التي لم يجعلها “رب الجنود” ميراثاً “للأدوميين العرب”، والذين عايروا أبناء الرب وشمتوا فيهم فأثاروا غضبه وأشعلوا نار غيرته. وبذلك جعل من المدن المخربة لأبناء شعبه جنان. وهذا ورد في آيتين من الإصحاح المذكور. [51]

بناءً على ما سبق إن ما يعرف بنظرية الفوضى الخلاقة ترجع في الأصل إلى الكتاب المقدس ونبوءاته المؤكدة على قيام دولة إسرائيل على أنقاض الدول الأخرى، أو بمعنى آخر استراتيجية لاهوتية قديمة من استراتيجيات “السيد رب الجنود”، وليست مجرد استراتيجية   نبعت من البيت الأبيض أو البنتاغون أو وكالة المخابرات الأمريكية، ولهذا كان من الطبيعي أن تتضح استراتيجية الفوضى الخلاقة بجلاء في سياسة الولايات المتحدة الخارجية مع وصول الرئيس بوش الابن وتمكن اليمين المسيحي من بسط نفوذه في مراكز صنع القرار السياسي الأمريكي وتكييف النص التوراتي مع المعطيات السياسية بالشكل الذي يتوافق مع مصالحه وتصوراته العقائدية.

نشأة النظام الدولي الحالي وخصائصه في ضوء تطبيق سياسة الفوضى الخلاقة:

بعد نهاية الحرب العالمة الثانية وسقوط “المحور” أمام “الحلفاء”، تم تطوير “عصبة الأمم المتحدة” – التي ولدت بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى – إلى ما نعرفه اليوم “بهيئة الأمم المتحدة”؛ التي تضم عدة جمعيات ذات صلاحيات دولية اقتصادية واجتماعية وسياسية وقانونية وحتى عسكرية، وتم إنشاء “مجلس الأمن” التابع لها، والذي يضم 5 دول أعضاء دائمة وهي المنتصرة في الحرب العالمية الثانية: “أمريكا والاتحاد السوفيتي سابقا/روسيا حالياً وبريطانيا وفرنسا والصين”، مع منح هذه الأعضاء الدائمة حق “الفيتو” وهو حق الاعتراض على القرارات التي لا تناسبها، ويكفي أن يعترض عضو واحد منها لإبطال هذا القرار؛ بالإضافة إلى 11 دولة كأعضاء مؤقتون يتم انتخابهم بشكل دوري كل سنتين.

ومع ظهور الحرب الباردة وسباق التسلح صارت الدول والأحلاف هي ملعب الحرب الجديدة واظهار النفوذ، وظهر حلف “الناتو” بزعامة أمريكا، وحلف “وارسو” بزعامة الاتحاد السوفيتي، وصار الوضع الدولي دائماً متوتراً وخطرا، والذي يتخوف منه العالم دوماً وهو السلاح النووي. وبعد ظهور مشروع “البروسترايكا” على يد ميخائيل غورباتشوف 1985 الذي سرع بانهيار الاتحاد السوفيتي 1989، وانهيار جدار برلين في نفس العام؛ وسقوط محور وراسو وبالتالي أي قوة عسكرية موازية للولايات المتحدة وحلف الناتو، ومع نهاية القرن العشرين احتلت الولايات المتحدة مركزاً مرموقاً في النظام الدولي، لم يسبق أن احتلته أي من الإمبراطوريات عبر التاريخ، فالولايات المتحدة تتقدم على كل القوى الدولية الأخرى في المجالات الاقتصادية، والعسكرية والتكنولوجية، والثقافية. بل وأصبحت القوة الوحيدة القادرة على المسرح الدولي على اتخاذ قرارات أحادية بالحرب أو بالسلام، ولعب دور الوسيط في عملية السلام في الشرق الاوسط، و أن تختط لنفسها دوراً رئيسياً في أي نزاع دولي. والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، من خلال الدور الذي أعطته الإدارة الأميركية لنفسها كحامية وداعمة للحريات وللديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، ومن خلال سياسة العولة الاقتصادية والثقافية والسياسية؛ وبعد هجمات 11 ايلول عام 2001 على نيويورك وواشنطن، أعطت للولايات المتحدة لنفسها الحق بشن حربين عسكريتين واسعتين بقرار أحادي وضمن تحالفات دولية مرة تحت شعار الحرب على الإرهاب في أفغانستان ومرة تحت شعار حماية السلم الدولي من تهديدات أنظمة مارقة تمتلك أو تسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل في العراق.

وبالرغم من التبدل الدراماتيكي في البيئة الاستراتيجية فقد بدأت أميركا الحرب على الارهاب بنفس الاستراتيجيات والتقنيات التي اعتادتها البيروقراطية في مختلف الدوائر العاملة في حقل الأمن القومي وخصوصاً في وزارتي الدفاع والخارجية.

ووجدت الدوائر بأعمال وبردود فعل أحادية كان من نتيجتها زيادة تعقيد الأوضاع في عدد من الدول، كما وجدت نفسها في حالة من العزلة حتى مع أقرب الحلفاء، فكان أن اختلفت النتائج عن الأهداف المرسومة في معظم المقاربات التي اعتمدتها وخصوصاً في كل من أفغانستان والعراق، وعكست نتائج الحربين كمية كبيرة من التناقضات التي تؤشر إلى مدى الغموض والشك الذي لفّ الاستراتيجية الأميركية، التي يمكن تفسيرها من خلال تحليلها وفق مفاهيم “نظرية الفوضى” في مواجهة التعقيدات السياسية والاستراتيجية   الناتجة عن سوء قراءة للوضع الدولي[52]. وتعد هذه الحروب والسياسة شكلا واضحا لتطبيق سياسة الفوضى الخلاقة، وصرحت بذلك رايس كما أسلفنا بتطبيقها تحت إدارة بوش الابن وصقور البنتاغون والمحافظون الجدد:

ويمكن تلخيص ملامح العالم الجديد في ضوء هذه السياسة على النحو التالي:

  1. تغيير متسارع في الحدود الوطنية للدول: وذلك من خلال إعادة تركيب بعض الدول ضمن النظام الدولي، كتفكك بعض الدول مثل الاتحاد السوفياتي، واليوغوسلافي، كما جرى إعادة توحيد دول أخرى على غرار ما حدث في ألمانيا؛ ولا تؤثر عمليات تفكك أو توحيد الدول على مفهوم السيادة الذي كرسته اتفاقية “ويستفاليا 1648″، فقد عرفت أوروبا بعد توقيع المعاهدة الكثير من التعديلات في الحدود بين الدول، ولكنها لم تترك أثاراً عميقة على مستوى العلاقات فيما بين هذه الدول أو على مكانتها ضمن النظام الأوروبي.
  2. تتعرض بعض الدول النامية لضغوط أثنية واجتماعية أو اقتصادية أو خارجية تضعها على حافة الانهيار والتفكيك وفقدان السلطة: التي قد تؤدي إلى تفتيت وتحويل الدولة إلى مجموعة من الدويلات المتحاربة لأسباب اثنية أو طائفية، أو لاختلاف اللغة والثقافة بين مكوناتها الاجتماعية أو لأسباب اقتصادية واجتماعية، وتلقى الحركات الانفصالية في أكثر الأحيان دعماً من النظام الدولي بما فيه الشرعية الدولية المتمثلة بالأمم المتحدة تحت شعار حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، مما يؤشر إلى تهديد كل مفهوم سيادة الدولة التي كرستها معاهدة ويستفاليا.
  3. نشوء تعقيدات في النظام الدولي وفي العلاقات بين الدول: تهدد النظام الدولي الذي يقوم على علاقات متوازنة ومحددة بين دول مستقلة وذات سيادة، نجد اليوم أن الاستقلال والسيادة للدول مهددان بمجموعة من التعقيدات التي طرأت على مسائل حيوية كالأمن، والهجرة غير الشرعية، وحركة رؤوس الأموال، والمسائل البيئية، والمسائل الصحية، والفوارق في الثقافة واللغة، ونشوء المنظمات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات، كل ذلك يؤشر إلى سقوط الحواجز الحدودية من خلال نشوء مؤسسات دولية للتعاون أو من خلال قرار “إرادي” تتخذه بعض هذه الدول لأسباب اقتصادية أو إنسانية أو سياسية. [53]

وكما يمكن أن نتلمس أبعاد سياسة الفوضى الخلاقة على المستوى الدولي من خلال ما يلي:

  1. إن سياسة الفوضى تقود إلى حالة هشّة من الاستقرار تشكّل ظاهرة متجدّدة لبيئة دولية معقدة ودينامية وهي دائمة التغيير بحيث أنّه لا يمكن تصوّر إمكانية الوصول إلى نظام دولي مانع أو ضابط للفوضى. لذا تقف بعض القوى الدولية أمام التدخل الأمريكي في دول العالم وسياسة تغيير الأنظمة، وقد تعجل هذه السياسة من خلق نظام دولي جديد متعدد الأقطاب.
  2. إن ارتكاز الولايات المتحدة على سياسة الفوضى الخلاقة، أنهى آمال البعض بأن العالم سيشهد في مرحلة ما بعد الحرب الباردة تقليل الصراعات والحروب وأن النظام الدولي سيتخلص من كل تداعيات المنافسة التي شهدتها الحرب الباردة، إذ واجه المجتمع الدولي سلسلة من الأزمات المتلاحقة. فقد شهد النظام الدولي الجديد (كما أسماه جورج بوش الأب) خلال خمس سنوات تفجّر أزمات كبرى في الصومال، وهايتي، والبوسنة، وأفريقيا الوسطى والشيشان، بالإضافة إلى التدخلات الأمريكية التي تبعت ذلك من احتلال أفغانستان والعراق.
  3. في ظل هذه السياسة أخذ يُنظر إلى السياسات الأميركية من قبل جماهير من المسلمين على أنّها تشكل تهديداً لهم وعدوّاً للإسلام. فهناك الملايين من العرب والمسلمين ممن يتهمون الولايات المتحدة بأنها تشن حرباً ضد الإسلام؛ من خلال مفهوم “صراع الحضارات” تمهيداً لتقسيم هذه الدول. [54]

أما أبعاد سياسة الفوضى الخلاقة على المستوى الإقليمي:

فمع ثبات المصالح الأمريكية الحيوية في المنطقة العربية المتمثلة بالحفاظ على أمن “إسرائيل” والسيطرة على النفط العربي ومنع وصول الإسلام السياسي إلى السلطة؛ وفي ظل سياسة الفوضى فإنه لم يعد بالإمكان ردع الولايات المتحدة من تغيير النظم الحاكمة؛ مع القول إن أوضاع المنطقة العربية لا تترك مجالا أخرا للاختيار بين الفوضى الشاملة وضياع الأمن، أو صعود الإسلام السياسي إلى السلطة، وعلى ضوء هذا التغيير في السياسة الأمريكية وتبني سياسة الفوضى الخلاقة يمكن تلخيص أهم ابعادها على المستوى الإقليمي وفقا لما يلي:

  1. 1. التحوّل الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط جزء من سياسة الفوضى الخلاقة قد أصبح ضرورة – بحسب الرؤية الاستراتيجية الأمريكية – لا بدّ من السير بها، حتى ولو أدّى ذلك إلى التخلّي عن أنظمة عرفت بموالاتها أو بتحالفاتها مع الولايات المتحدة.
  2. إن سياسة الفوضى الخلاقة التي تقودها الولايات المتحدة من خلال تدخلاتها في المنطقة وحربها على الإرهاب وبصورة أحادية كان من نتيجتها زيادة تعقيد الأوضاع في عدد من الدول.
  3. إن إضعاف قوة ودور كل من أفغانستان والعراق من التوازن الإقليمي، أحدث فراغاً استراتيجياً أربك التوازنات المستقرة الطبيعية القديمة في هذا الإقليم وذاك، وهو ما دفع إيران وتركيا للتدخل الإقليمي لحماية مصالحهم فضلا عن إخلال التوازن لصالح إسرائيل.
  4. إن سياسة الفوضى الخلاقة قد تنتهي إلى تدخلات إقليمية في الدول التي تجرى فيها عملية التغيير مما قد ينذر بوقوع حروب إقليمية لا يمكن السيطرة عليها. [55]

لقد أعاد الرئيس الأميركي جورج بوش الابن في ولايته الأولى هندسة الاستراتيجية الأميركية، بعد هجمات 11 أيلول التي أثبتت بأن قوة الردع التي تمتلكها أميركا ضد الدول المعادية لا تكفي لحمايتها من هجمات المنظمات الإرهابية. وتركز الاهتمام الأساسي في استراتيجية بوش على منع أي هجوم ضد أميركا أو مصالحها الكبرى في العالم، ولذلك اعتمدت الحرب الوقائية. وهي تحاول فرض مفاهيم جديدة على العالم في ظل سياسة العولمة، والحرب على الإرهاب، من خلال رفع شعار تعميم الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان متخذة من الشرق الأوسط مسرحاً لتجاربها في تطبيق نظرية الفوضى، من أجل تغيير نظم الحكم في معظم دول المنطقة، مسقطة بذلك كل ما تبقى من مفاهيم السيادة.

ألية عمل السياسة القائمة على نظرية الفوضى الخلاقة:

على مستوى السياسة الدولية، بدأت الولايات المتحدة في سياسة الفوضى الخلاقة لتحقيق المشروع الرئيسي للإمبراطورية الأمريكية، وهو مشروع “النظام العالمي الجديد” الذي أطلقه جورج بوش الأب بعد حرب الخليج الثانية، فالفوضى الخلاقة هي أداة لتحقيق هذا المشروع. تعمد إلى خلق تحالفات دولية جديدة ومنع أي تقاربات بين الأقطاب الدولية لتكرس هيمنتها العالمية؛ وتستخدم “هيئة الأمم المتحدة” ووسائل اقتصادية أخرى كالعولمة والإدارة المركزية للاقتصاد العالمي عبر مؤسساته الثلاث “صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية” والوسائل العسكرية والأمنية التي ترتكز على ضمان التفوق العسكري الأمريكي العالمي.

وقد بدأت أمريكا تقرر استخدام سبل أخرى خاصة في منطقة (الشرق الأوسط) كأدوات ووسائل لسياسة الفوضى الخلاقة وتجسد ذلك عبر:

  1. الأعمال العسكرية المباشرة.
  2. الأعمال العسكرية غير المباشرة.
  3. الضغوط السياسية والاقتصادية.
  4. إحداث تغييرات جذرية في مناهج التعليم والثقافة.
  5. استخدام “الإعلام” لإفساد العقول، واظهار “التشابك والفوضى والتفكيك”، كحالة عقلية وفكرية ونفسية أمام الشعوب.
  6. دعم وتزعم معظم حركات المجتمع المدني ولو بشكل غير مباشر.

على عكس الحرب الباردة، لا تسعى الولايات المتحدة لمواجهة إمبراطورية منافسة أو مهددة لها، بل تواجه مهمة معقدة لا تقتصر على قتل أو اعتقال بضع مئات من الإرهابيين المعروفين، بل تتعدّى ذلك إلى إقناع شريحة واسعة جداً من العالم الإسلامي بقبول قيم الغرب والانفتاح على الحداثة من وراء ستار الحرب على الإرهاب. [56]

حسب الرواية الأمريكية ينطلق “مايكل ليدن” مستشار مجلس الأمن القومي الأمريكي ووزارة الخارجية الأمريكية السابق، من قراءة الواقع وتشخيص البيئة المحددة له من أجل التعامل مع معطياته وتطوراته. ويقول إن الأسس التي تعمل عليها نظرية الفوضى الخلاقة هي:

  1. التغيير الكامل في الشرق الأوسط.
  2. إعادة البناء بعد هدم الأسس والتقاليد القديمة.
  3. الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الشاملة لدول الشرق الأوسط.
  4. إبعاد الجهد الأمريكي المباشر والاكتفاء بصياغة وتنظيم بناء النظام السياسي في هذه الدول.

وتمثل هذه الأسس محور نظرية الفوضى الخلاقة امن وجهة نظر “ليدن” فهي تمثل حقيقة الاستراتيجية الأمريكية حاليا في منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما صرح به أكثر من مسؤول أمريكي حول إعادة صياغة شرق أوسط جديد؛ ونظام عالمي جديد، منهم بوش الابن عند مجيئه إلى السلطة والتي اتضحت فيها معالم هذه النظرية في عهده[57].

ويعتقد أيضا أصحاب وأنصار الفوضى الخلاقة بأن خلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار؛ سوف يؤدي حتماً إلى بناء نظام سياسي جديد، يوفر الأمن والازدهار والحرية. وهو ما يشبه العلاج بالصدمة الكهربائية لعودة الحياة من جديد. غير أن ثمة أهدافاً متوارية تهدف الولايات المتحدة إلى تحقيقها بتلك الفوضى تكمن في تحقيق واستمرار التفوق الأمريكي العالمي والسيطرة على مناطق إقليمية حيوية كمنطقة الشرق الاوسط والتحكم بأعظم مصدر للطاقة وهو النفط.[58]

في الواقع فإن الفوضى الخلاقة تعتمد جوهرياً على مجموعة من النقاط التنفيذية يَصْلُح بعضها للهيمنة على بلد ويصلح بعضها الآخر لبلد آخر نذكر منها:

  1. دراسة النسيج القومي لبلد ما من الناحية الدينية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأثنية ومعرفة الفروق والتوازنات المختلفة، ومحاولة استغلال أي مشكلة قائمة في الثقوب القومية وتضخيمها تضخيماً يؤدي إلى التوتر ثم الصراع.
  2. تصميم مجموعة من الانقلابات الظاهرة والباطنة ومجموعة من الاغتيالات بين صفوف القيادات الوطنية ورشوة كثير من المتنفذين في الأجهزة الحاكمة وفي مجالات الإعلام المختلفة، والتركيز على شخصية مختارة وإزاحة كل العوائق أمامها بالقتل سواء الحقيقي أو المعنوي، وذلك كله من أجل إضعاف نظام الحكم وتركيزه في أيدٍ تخضع تماما لهيمنتها، أو الإبقاء على مجموعة من الرؤوس المتساوية والمتصارعة والتضحية بالنظام كله حتى تفرغ هي للموارد تنهبها وللأسواق تحتلها.
  3. الإفساد التنموي الذي ينتهي بالاقتصاد الوطني إلى اقتصاد تابع، وتفقد الملايين قدرتها على الإنتاج، ويتحول الوطن إلى مستهلك كبير لعالم الأشياء الذي يأتيه من الخارج والذي يدفع ثمنه كاملاً من موارده الطبيعية وركائزه المدفونة تحت أرضه من معادن وبترول وخامات متعددة. وفي إطار هذا الإفساد التنموي يتم خلق مجموعة من رجال الأعمال المزيفين حيث تُسهَّل لهم عمليات الإقراض من القطاع العام ويحولونه إلى قطاع خاص، كما يحولون وجهته في توفير المنتجات وتوفير الأعمال إلى وجهة أخرى تذهب من خلالها ملايين فرص العمل وتتلاشى نسبة الإنتاج المحلي في كل المنتجات لصالح الاستيراد. وباختصار فإن التنمية الوطنية تحيط بها تنمية قهرية تحاول أنْ تَخنُقَهَا ليفقد الوطن قدرته على إنتاج أشيائه وتضعُف إرادته أمام القوى المهيمنة.
  4. محاربة كل تجمع إقليمي يخدم دول المنطقة اقتصادياً أو سياسياً أو اجتماعياً، والسعي لتفتيت الموحد عن طريق الحروب الداخلية، مستغلة في ذلك بعض الأمراض الوطنية التي كانت هي السبب في خلقها بدعمها لحكام مستبدين ورجالات الدولة الفاسدين.
  5. اختراق الحياة الثقافية عن طريق الدعم المالي لبعض المثقفين والفنانين والإعلاميين وإحداث فوضى ثقافية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
  6. تجنيد بعض المتخصصين أثناء دراستهم بالغرب وتوظيفهم في المؤسسات الدولية وتقديمهم للمناصب العليا في بلادهم.
  7. تجنيد بعض رجالات الأجهزة الحساسة لتوجيه هذه الأجهزة ليخدموا مصالحهم. [59]

ويشبه البعض الفوضى الخلاقة بكرة الثلج التي يصنعها طفل صغير قد تكون نتائجها كارثة من كوارث الطبيعة التي لا يمكن إيقافها، ومن هنا فإن أي تغيير طفيف يلحق بنظام سياسي مفتوح ومعقد قد يتحول إلى اضطراب هائل يغير ملامح ذلك النظام. لكن أمريكا لن توقف كرة الثلج ولن تخفف من هول الاضطراب حتى وإن كانت قادرة على ذلك، طالما أن النتائج ستكون حميدة في النهاية لصالحها.

وللتحكم بتلك النتائج تخضع عملية تنفيذ الفوضى الخلاقة لأربع مراحل متتابعة:

الأولى: تستهدف خلخلة حالة الجمود والتصلب غير المرغوب في النظام المستهدف.

الثانية: تسعى الوصول إلى حالة من الحراك والفوضى المربكة والمقلقة لذلك النظام.

الثالثة: تهتم بتوجيه تلك الفوضى وإدارتها للوصول إلى الوضع المرغوب فيه.

الرابعة: تشمل استخدام المدخلات التي أججت الفوضى لإخمادها وتثبيت الوضع الجديد بشكله النهائي، إلى جانب الاطمئنان لوجود ترسانة القوة العسكرية، والأساطيل الأمريكية في المنطقة، وهي أهم عناصر المعادلة التي تستند إليها الفوضى. [60]

ومن أجل خلخلة النسيج الاجتماعي وإرباكه حتى تعم فيه الفوضى؛ مما يفسح الطريق للتدخل العسكري أو السياسي والاقتصادي. تقوم بالآتي:

  1. إثارة الفتنة الطائفية والعرقية والدينية بين شعوب الوطن الواحد.
  2. دعم التصلّب والاستبداد السياسي أمام حق الشعوب في الديمقراطية.
  3. إثارة النزاعات الحدودية بين الدول ومنها الانفصالية المطالبة بالاستقلال الداخلي.
  4. إغراق البلدان بالمديونية مما يؤدى إلى إفلاسها عن طريق سياسات الإقراض المجحفة التي لا تساهم في التنمية الحقيقية بقدر مساهمتها في تمويل بنوك الإقراض الدولية وبالتالي تعميق الهوة داخل البلدان المستدينة مما يعمق حجم الفجوة داخلها.
  5. الإرهاب الدولي الذي هو وفق التحديد الأمريكي نابع من الحركات الإسلامية المتشددة التي ترفض النموذج الديمقراطي. [61]

وبالتالي نتفق مع الدكتور الكناني في الخلوص إلى الأسس التي تستند عليها سياسة الفوضى الخلاقة في خطواتها التنفيذية داخل الدول التي تريد تطبيق هذه السياسة عليها، وهي:

  1. إطلاق الصراع العرقي: إذ تقوم سياسة الفوضى الخلاقة على بث الشرخ العرقي الحاد في الدول التوافقية القائمة على التوازن بسبب تركيبها العرقي.
  2. إطلاق صراع العصبيات: عبر ضرب الدولة، بجميع مؤسساتها، واستبدالها بولاءات حزبية أو عشائرية متجزئة، قائمة على انتماءات قبلية.
  3. ضرب الاستقرار الأمني: وإطالة أمد الاختلال الأمني بحيث يشعر الناس أن لا مجال للعودة إلى الحالة التي كانت سائدة قبل الحرب.
  4. خلخلة الوضع الاقتصادي في العمق.
  5. التعبئة الإعلامية: فالتعبئة الإعلامية كفيلة على الأمد الطويل بالنيل من العدو. (انظر: الكناني، 2014) 

الخاتمة

نظرية الفوضى الخلاقة هذه بدأت في ميادين العلوم الرياضية والطبيعية، وتم تعميمها على ميادين العلوم الاجتماعية، وطورها منظرو السياسة الأمريكيين هنغينتون وتشومسكي وكيسنجر وغيرهم، وبدأ تطبيقها في الشرق الأوسط بدعم رموز وأفكار الديمقراطية أيام جورج بوش الابن، وتراجع عنها أوباما الذي عاد لسياسة دعم الأنظمة القائمة، لأنها أدت بحسب نظره ليس لقيام الديمقراطيات المستقرة في الشرق الأوسط، بل لطغيان الجامعة الدينية الإسلامية الجهادية، وأدت أيضا للبدء بمرحلة من عدم الاستقرار والتفكك في النظام العالمي برمته. وعاد ترامب إلى تطبيقها بشكل مباشر وواضح ودون تردد؛ رغم أنها فوضى معدية لا يمكن التحكم فيها، وتنجح في تقويض الأنظمة والدول والحدود السياسية والثقافية والاجتماعية والنظام العالمي أيضا.. وهي تقوم بهذا التقويض فقط عندما تكون هذه النظم معيقة لتطور قوى الإنتاج الإمبريالية وتحديدا الأمريكية. ولم تنتج بعد منظومة قيم ثقافية وعالمية جديدة وجامعة تعيد تنظيم كل هذه الفوضى، بل أنتجت قيم تعصبية تنازعية تهيئ لحرب كونية مقدسة وعنصرية تبدو جلية في الصراع في سوريا وعليها.

وتعتبر هذه النظرية هي الأداة والخاصية الأوضح للنظام الاقتصاد الليبرالي الذي يؤمن بالديناميك الاجتماعي الدائم، وبعدم القدرة على معارضة السوق، ولأنه يتغذى من الصراعات؛ وهي نظرية تعارض النظرية الماركسية التي تعتقد أنه يمكن التحكم والسيطرة على السوق والمجتمع؛ من خلال التحكم أساسا في إنشائه. نظرية الفوضى لم تعط بديلا واضحا للتحكم والسيطرة والتوقع، وبذلك توجد عند الإنسان شعورا بالعجز واللاوجودية لعدم الشعور بالقدرة على عمل أي شيء؛ وهي لا تمنحنا ما يريحنا بالمقابل.

عندما تم تسخير نظرية الفوضى الخلاقة كجزء من الخطة المقدسة التي يلتزم بها الإنجيليين، أعادت إلى ذهننا تاريخ الحروب الصليبية، وصراع الحضارات؛ فعندما دخل الجنرال غورو الفرنسي إلى دمشق بعد معركة ميسلون، توجه مباشرة إلى قبر صلاح الدين في دمشق ووضع رجله على حافة القبر وقال: “قم يا صلاح الدين فنحن هنا”. ولا يجب أن ننسى أن هناك تيارات إسلامية، تسعى إلى بث الفوضى من منطلق ديني حيث تعتقد كما يعتقد الإنجيليين أن بث الفوضى والظلم يعجل في حدوث سيناريو ديني ما في الفترة الزمنية الأخيرة من هذا الوجود.

المراجع

[1] ويكيبيديا، مقال: “فوضى خلاقة”،  https://ar.wikipedia.org/  ، 17/10/2019

[2] المرجع السابق.

[3] يوسف، يوسف، أسرار الثورات العربية والفوضى الخلاقة: جذور المخطط، القاهرة : مكتبة جزيرة الورد، 2012، ص198.

[4] عبد القادر، نزار، مقال: “دور الفوضى والتعقيدات السياسية في الاستراتيجية   الأمريكية الجديدة: أفغانستان، العراق، الإرهاب، نشر الديمقراطية”، الدفاع الوطني اللبناني، https://www.lebarmy.gov.lb ، تموز، 2005 .

[5] الكناني، إياد هلال الحسين، مقال: “نظرية الفوضى الخلاقة الامريكية”، الموسوعة السياسية، 23/1/2014.

[6] Schumpeter, Joseph A, Capitalism, Socialism and Democracy, London, Routledge, 1994, pp. 82–83.

[7] ويكيبيديا، مقال: “الفوضوية والرأسمالية”، https://ar.wikipedia.org/  ، 14/11/2019

[8] مولينو، جون، كونور كوستيك، مقال: “الفوضوية نقد ماركسي”، http://syria.frontline.left.over-blog.com/ ، 28 شباط 2012

[9] انظر: الكناني، 2014، مرجع سابق.

[10] قناة الجزيرة الوثائقية، فيلم وثائقي: “القلق المتزايد ونظرية الفوضى”، https://blogs.aljazeera.net ، 19/10/2019، الدقيقة 39.

[11] سميث، ليوناردو، “نظرية الفوضى: مقدمة قصيرة جدا”، تر: محمد سعيد طنطاوي، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2016، ص-ص 16 – 18.

[12] قناة الجزيرة الوثائقية، 19/10/2019، مرجع سابق: الدقيقة 12 – 19.

[13] المرجع السابق، الدقيقة 27 – 33.

[14] المرجع السابق، الدقيقة 33 – 35.

[15] المرجع السابق، الدقيقة 40 – 42.

[16] سميث، 2016، مرجع سابق: ص 160.

[17] المرجع السابق، الدقيقة 42 حتى 45.

[18] عبد القادر، 2005، مرجع سابق.

[19] المرجع السابق.

[20] عبد الرحمن، شريف، مقال: “الفوضى الأمريكية الخلاقة أو الإصلاح من خلال الفوضى”، مجلة المسلم المعاصر،http://almuslimalmuaser.org  ، 1/9/2010، ص-ص337-367.

[21] الكناني، 2014، مرجع سابق.

[22] عبد القادر، 2005، مرجع سابق.

[23] الوافي، عبد الرحمن، مقال: “الفوضى الخلاقة الأمريكية وارتباطاتها بنبوءات الكتاب المقدس”، المركز الديمقراطي العربي، https://democraticac.de  ، ٢٣/٠٧/٢٠١٦.

[24] كامل، مجدي، الفوضى البناءة.. الدمار الخلاق.. الثورات الملونة.. والشرق الأوسط الجديد الذي تريده أمريكا، دمشق – القاهرة، دار الكتاب العربي، 2014، ص 26.

[25] الكناني، 2014، مرجع سابق.

[26] المعرفة، مقال: “الفوضى الخلاقة”، https://www.marefa.org/ ، 3/9/2018.

[27] الكناني، 2014، مرجع سابق.

[28] اللبواني، د. كمال، مقال: “نظرية الفوضى الخلاقة ومستقبل الشرق الأوسط”، معهد دمشق للدراسات والبحوث،http://www.di4sr.com ، 30/03/2016.

[29] المرجع السابق.

[30] الكناني، 2014، مرجع سابق.

[31] المرجع السابق.

[32] المعرفة، 2018، مرجع سابق.

[33] الكناني، 2014، مرجع سابق.

[34] المعرفة، 2018، مرجع سابق.

[35] الكناني، 2014، مرجع سابق.

[36] القويعي، د. سعد بن عبد القادر، مقال: “سياسة الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد!”، الجزيرة، http://www.al-jazirah.com ، 6/1/2013 .

[37] المعرفة، 2018، مرجع سابق.

[38] المرجع السابق.

[39] المرجع السابق.

[40]  المرجع السابق.

[41] Barry A. Kosmin And Keysar. AN “American Religious Identification Survey (ARIS) 2008”, Hartford, Connecticut, US: Trinity College, (PDF). http://b27.cc.trincoll.edu  ,March 2009.

[42] شعبان، فؤاد، من أجل صهيون: التراث اليهودي المسيحي في الثقافة الأمريكية، دمشق، دار الفكر، 2003، ص217.

[43] الوافي، 2016، مرجع سابق.

[44] Remarks at an Obama Victory Fund 2012 Fundraiser in New York City, 1/3/2012, , The American Presidency Project . http://www.presidency.ucsb.edu/index.php.

[45] شعبان، 2003م، مرجع سابق: ص217.

[46] كولي، جون، التحالف ضد بابل: الولايات المتحدة وإسرائيل والعراق، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، 2006، ص26.

[47]  هالسل، جريس، يد الله: لماذا تضحي الولايات المتحدة بمصالحها من أجل إسرائيل، تر:  محمد السماك، القاهرة، دار الشروق الدولية، ص-ص103-106.

[48] ميد، والتر، بلد الله: الدين في السياسة الخارجية الأمريكية، تر: حمدي عباس، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، 2007، ص9.

[49] كامل، 2014، مرجع سابق: ص 26.

[50] الكعبي، حيدر، مقال: “الفوضى الخلاقة: إصلاح على الطريقة الأمريكية”، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية،http://www.iicss.iq  ، 10/6/2015.

[51] الوافي، 2016، مرجع سابق.

[52] عبد القادر، 2005، مرجع سابق.

[53] المرجع السابق.

[54] الكناني، 2014، مرجع سابق.

[55] المرجع السابق.

[56] المرجع السابق.

[57] فاضل، باسم عبد عون، مقال: “الفوضى الخلاقة تهدم الشرق الأوسط”، جريدة الحياة، مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية ، 9/11/2014.

[58] الكناني، 2014، مرجع سابق.

[59] المرجع السابق.

[60] المرجع السابق.

[61] عبدولي، د. سعيد الحسين، الفوضى الخلاّقة: ثنائية الأنا والآخر من خلال إشكالية الإسلام و الديمقراطية، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، https://www.academia.edu ، تونس، كانون الثاني 2013.

هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المركز

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©