“القرض الحسن” في لبنان.. خط مصرفي إيراني خارج السيطرة

بعد أن أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية، سبعة أفراد على صلة بـ”حزب الله” وشركته المالية “القرض الحسن”، كشفت وثائق مسربة عن الاستثمار المكثف للمرشد الإيراني “علي خامنئي” والمؤسسات الإيرانية في المؤسسة المالية التي يستخدمها “حزب الله” كغطاء لإدارة الأنشطة المالية للوصول إلى النظام المالي الدولي.

وزارة الخزانة الأميركية قالت “في الوقت الذي تدعي فيه مؤسسة القرض الحسن خدمة الشعب اللبناني، نجد أنها عمليا تنقل الأموال بشكل غير مشروع من خلال حسابات وهمية وميسرين مما يعرض المؤسسات المالية اللبنانية لعقوبات محتملة”، مشيرة إلى أن “المؤسسة المالية تتنكر بصفة منظمة غير حكومية بموجب ترخيص ممنوح من وزارة الداخلية وتقدم خدمات مصرفية لدعم حزب الله بينما تتهرب من الترخيص المناسب والإشراف التنظيمي”.

غطاء حكومي..

وتتستر مؤسسة “القرض الحسن” تحت غطاء “المنظمة غير الحكومية” للاستفادة من ترخيص وزارة الداخلية، لكنها تقوم بتقديم خدمات لدعم “حزب الله”.

وفي وقت الذي انشغلت الأوساط المصرفية والسياسية لتداعيات العقوبات على سمعة لبنان المالية، نفت كل من رئاسة الجمهورية اللبنانية و”المصرف المركزي” أن يكون اجتماع الرئيس “ميشال عون” أمس الاربعاء، مع حاكم المصرف المركزي، “رياض سلامة”، قد تناول ملف مؤسسة “القرض الحسن” التابعة لـ”حزب الله”.

إلى جانب ذلك، أشارت الخزانة الأمريكية أنه “من خلال ادخار العملة الصعبة التي يحتاجها الاقتصاد اللبناني بشدة يسمح القرض الحسن لحزب الله ببناء قاعدة دعم خاصة به وتقويض استقرار الدولة اللبنانية”، موضحة أن “المؤسسة جنبت الكيانات والأفراد المرتبطين بالحزب من العقوبات واحتفظت بحسابات بنكية من خلال إعادة تسجيلهم بأسماء كبار مسؤولي القرض الحسن بما في ذلك تحت أسماء معينة تم تصنيف أفرادها من قبل وزارة الخزانة الثلاثاء”.

وشملت عقوبات وزارة الخزانة الأميركية “إبراهيم علي ضاهر” الذي يشغل منصب رئيس الوحدة المالية المركزية لحزب الله التي تشرف على الميزانية والإنفاق العام لـ”حزب الله”، بما في ذلك تمويل عمليات المليشيات، بالإضافة ستة أشخاص هم “أحمد محمد يزبك وعباس حسن غريب ووحيد محمود سبيتي ومصطفى حبيب حرب وعزت يوسف عكر وحسن شحادة عثمان” الذين استخدموا لغطاء الحسابات الشخصية في بعض البنوك اللبنانية بما في ذلك بنك “جمال ترست” المصنف من قبل الولايات المتحدة، للتهرب من العقوبات التي تستهدف “القرض الحسن” وتحويل ما يقرب من نصف مليار دولار أميركي نيابة عن هذه المؤسسة.

وكانت الخزانة الأميركية أدرجت جمعية “القرض الحسن” في قائمة العقوبات منذ العام 2007، بعد تعيين القيادي في حزب الله، حسين الشامي، على رأس إدارتها في 2006.

بدورها، قللت مصادر مصرفية من المخاوف القائمة بالنظر إلى امتثال المؤسسات المصرفية اللبنانية للقوانين الدولية المتصلة بمكافحة الإرهاب وتبييض الأموال، مؤكدة أنه “سبق لمصرف لبنان أن أبلغت وزارة الخزانة الأميركية أن مؤسسة القرض الحسن غير مرخصة وليست لها أي علاقات بالجهاز المصرفي”.

“خامنئي” والمؤسسات الإيرانية..

لا ينحصر عمل المؤسسة بدعم ميليشيا “حزب الله” وعمليات غسيل الأموال وتمويل الميليشيات، لتكشف الوثائق أن “القرض الحسن” يدير حسابات لعدد كبير من الشركات الإيرانية المصنفة على قائمة الإرهاب، بل يساعدها بنشاط في تجاوز العقوبات الأميركية.

الوثائق المسربة حديثاً من مؤسسة “القرض الحسن”، كشفت عن الاستثمار المكثف للمرشد الإيراني “علي خامنئي “والمؤسسات الإعلامية والحكومية الخاضعة لسيطرته، اذ تظهر 400 ألف حساب تعود لأفراد وكيانات، بما في ذلك من إيران.

وكشفت الوثائق، أن هناك حسابا يسمى “ولي الفقيه” يعود لمكتب مرشد النظام الإيراني “علي خامنئي”، بما في ذلك مؤسسة “الشهداء” و”المحاربين القدامى” التي تخضع لعقوبات الولايات المتحدة.

مؤسسة “الدفاع عن الديمقراطيات” كانت أكدت أن مؤسسة “الشهداء” ترسل أموالاً من إيران إلى “الجماعات الإرهابية” في المنطقة، لا سيما من خلال فرعها اللبناني.

كما، وجد حساب للجنة “إغاثة الإمام الخميني”، والتي لها فرع في لبنان، وشركتي “إيران إير” و”ماهان” للطيران، ومؤسستين أخريين في إيران، وتبين أن شركة “ماهان” للطيران، والتي خضعت لعقوبات الولايات المتحدة عام 2011 لدعمها الحرس الثوري، لديها حسابات بالليرة والدولار، ولكن باسم لبنانيين اثنين، فيما أظهرت الوثائق أن “إيران إير” لديها حساب أيضاً بعملات مماثلة في هذه المؤسسة المالية، سُمي على اسم شخصين، وقد تم فرض عقوبات على شركة الطيران الإيرانية هذه أيضًا من قبل الولايات المتحدة في عامي 2011 و2018.

كما ضمت الحسابات وكالة “إيست إستار” للسفر، وخدمات “إيران إير” العامة، لديها أيضًا حسابات بالليرة والدولار في هذه المؤسسة.

وتجاوزت صلات المؤسسة بإيران لتشمل وجود حسابات باليورو تعود لمكتب مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، والتي خضعت لعقوبات في عام 2013م، الإضافة إلى مسؤولي “برس تي في”، وهي محطة الإذاعة والتلفزيون الناطقة بالإنجليزية، لديهم حسابات في هذه المؤسسة، ومن بينهم ناجي جاناني، المدير السابق لأخبار إيران على قناة “العالم” الناطقة بالعربية.

وتظهر الوثائق تقارير من مسؤولين في شبكة “العالم” مثل محمود بجنوردي، الذي شغل منصب مدير القناة في بيروت والمدير العام للقنوات الإيرانية الأجنبية في لبنان، وحساب “الهلال الأحمر” الإيراني بالإضافة إلى “عيسى طباطبائي” الذي يعمل كممثل للمرشد الإيراني علي خامنئي وشريك مقرب من “حزب الله”، لديه أيضًا حساب في المؤسسة.

طريقة عمل “القرض الحسن“

بعد اجتياح إسرائيل لجنوب لبنان عام 1982، أطلق حزب الله مؤسسة “القرض الحسن”، التي جرى ترخيصها لاحقًا من قبل وزارة الداخلية اللبنانية سنة 1987 بقرار رسمي كجمعية خيرية، وفي شهر أبريل نيسان 2016، وضعت وزارة الخزانة الأميركية الجمعية “القرض الحسن” على قائمة العقوبات (بناءً على تشريع من عام 2015)، لكن نشاط الجمعية المذكورة الهادف لتمويل الحزب بطرق ملتوية لم يتوقف.

وبات “القرض الحسن” أحد أبرز الركائز الاقتصادية لميليشيات “حزب الله” التي تدار من خارج المنظومة الاقتصادية اللبنانية المصرفية، ولا يخضع لقانون “النقد والتسليف” اللبناني، وأصبح يقدم فيها قروضًا بنحو 500 مليون دولار لأكثر من 200 ألف مقترض، حيث تمنح قروضًا مالية بالدولار مقابل رهن الذهب، أو ووضع مبالغ مماثلة لها بالقيمة.

كما، اعتمد في سبيل ضمان التمويل الذاتي، على نشاط مصرفي رئيسي؛ يتمثل بتقديم القروض الصغيرة الحجم ولفترات قصيرة مقابل ضمان للمشتركين، اذ يقوم المقترضون بإيداع الأموال في الجمعية على أساس شهري، ويحق للمشتركين الحصول على قرض، إذا قاموا بإيداع ما لا يقل عن 10 آلاف ليرة شهرياً (نحو 6.5 دولار بالسعر الحالي)، في مشروع يُسمى الاشتراك الشهري.

وتقبل الجمعية التبرعات من الأفراد الأثرياء، الذين يتبرعون بالمال لها، بحيث تستطيع منح القروض، الا ان الطريقة الأبرز في عمل المؤسسة، تقديم القرض مقابل ضمانات من ذهب، بحيث يضع المقترض “ضمانة” عبارة عن كمية من الذهب لدى المؤسسة في مقابل حصوله على قرض، تتحفظ الجمعية على الذهب حتى يتم سداد القرض، وتشترط الجمعية إيفاء كامل القرض خلال فترة زمنية لا تزيد عن 30 شهرًا، وأن يُستخدم الذهب كضمان.

يذكر أن عمل الجمعية ينحصر بدعم الحاضنة الشعبية “الشيعية ” لحزب الله، كمستوى مواز لعمليات غسيل الأموال وتمويل الميليشيات، وانشأت فروع الجمعية الـ 31 في مناطق فيها أغلبية شيعية كالضاحية الجنوبية لبيروت (معقل حزب الله)، وجنوب لبنان والبقاع، ونشر صرافات آلية ATM قرب فروعها وفي أماكن سيطرة الحزب ونفوذه لخدمة المودعين، في خطوة تحول “الجمعية” رسميًا إلى مصرف خارج عن سلطة الدولة وقرارات مصرف لبنان المركزي وتعاميمه.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.