القمة الخليجية.. ما قبلها وما بعدها

كلما اقترب موعد انعقاد القمة الخليجية، المقررة في الخامس من الشهر المقبل، أي بعد نحو أسبوع، تزداد التصريحات والتسريبات الاعلامية المتفائلة بإنجاز مصالحة خليجية تحافظ على منظمة مجلس التعاون، وهي منظمة إقليمية سياسية، اقتصادية، عسكرية وأمنية عربية تضم دول الخليجي العربي.

المجلس تأسس في أيار من العام 1981 في العاصمة الاماراتية “أبو ظبي” خلال اجتماع لقادة كل السعودية وسلطنة عمان والإمارات والكويت وقطر والبحرين، وتم الاتفاق في ذلك الاجتماع على تشكيل صيغة تعاونية تضم الدول الست بهدف تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين دولهم في جميع الميادين وصولًا إلى وحدتها، وفق ما نص عليه النظام الأساسي للمجلس في مادته الرابعة، التي أكدت أيضًا على تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون بين مواطني دول المجلس.

وجاءت المنطلقات واضحة في ديباجة النظام الأساسي التي شدّدت على مايربط بين الدول الست من علاقات خاصة، وسمات مشتركة، وأنظمة متشابهة وإيمان بالمصير المشترك ووحدة الهدف، وأن التعاون فيما بينها إنما يخدم الأهداف السامية للأمة العربية. أما الأهداف، فتتمثل في تحقيق التعاون والتكامل بين دول المجلس في جميع المجالات وصولا إلى وحدتها، وتوثيق الروابط بين الشعوب، بالاضافة لوضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين الاقتصادية، والمالية، والتجارية والجمارك، وغيرها من الأنشطة الاقتصادية المختلفة. وكذلك دفع عملية التقدم العلمي والتقني في مجالات الاقتصاد المختلفة عن طريق إنشاء مراكز بحوث علمية، وإقامة مشاريع مشتركة، وتشجيع تعاون القطاع الخاص.

إلا أن فكرة التأسيس كما تشير بعض المصادر تعود إلى أيار من العام 1976 حين زار أمير دولة الكويت آنذاك الشيخ جابر الأحمد الصباح دولة الإمارات لعقد مباحثات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حول إنشاء مجلس التعاون الخليجي. واقترح فكرة إنشاء هذا المجلس، وكان قد اقترح إنشاء المجلس في قمة للجامعة الدول العربية في الأردن في عمان في نوفمبر 1980م وفي عام 1996م اقترح إنشاء مجلس شعبي استشاري لدول مجلس التعاون الخليجي وذلك في القمة السابعة عشر في الدوحة يتكون من ثلاثين عضو بمعدل خمس أشخاص للدولة الواحدة.

قمة استثنائية..

القمة المقرر عقدها وهي الحادية والأربعين لمجلس التعاون، تأتي عقب خلافات غير مسبوقة ويمكن وصفها بالاستثنائية والأكثر حدة في تاريخ منطقة الخليج منذ تأسيس المجلس، تمثلت بما بات يعرف بـ “الأزمة الخليجية” وذلك بعد أن قطعت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر العلاقات الدبلوماسية والتجارية وخطوط الطيران مع قطر منذ منتصف عام 2017 إثر اتهام الدوحة بدعم الإرهاب.

وحددت الدول 13 طلبا لقطر من أجل عودة العلاقات، منها إغلاق قناة الجزيرة وقاعدة تركية على أراضيها وقطع العلاقات مع جماعة الإخوان المسلمين.

تحركات دبلوماسية، منها ما هو معلن ومنها ما هو غير معلن، قادها أمير كويت الراحل صباح الأحمد الجابر الصباح، في سبيل إنجاز المصالحة الخليجية التي يبدو أنها باتت قاب قوسين أو أدنى، لاسيما بعد توجيه العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز دعوة رسمية إلى أمير قطر لحضور القمة، وذلك من خلال الأمين العام لمجلس التعاون نايف فلاح مبارك الحجرف، الذي استقبله أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني.

وقال الحجرف في تصريحات نقلتها وسائل إعلام سعودية: “تشرفت اليوم بتسليم دعوة الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، إلى أخيه صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر، للمشاركة في الدورة الواحدة والأربعين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، واستعرضت معه مسيرة المجلس والإنجازات التي تحققت لشعوب الدول الأعضاء، خاصة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والتجارية”.

وكالة “واس” السعودية الرسمية أفادت بأن الملك سلمان ترأس أمس الثلاثاء اجتماعا افتراضيا لمجلس الوزراء، الذي “أعرب عن الترحيب بأصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، للمشاركة في الدورة الحادية والأربعين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون، في محافظة العلا يوم الثلاثاء القادم”.

وأعرب مجلس الوزراء السعودي عن أمله في أن تنجح أعمال هذه القمة “في تعزيز العمل المشترك وتوسيع التعاون والتكامل بين الدول الأعضاء في المجالات كافة، تحقيقا لتطلعات مواطني دول المجلس وآمالهم”.

يأتي ذلك بعد أن نقلت “وكالة الأنباء الألمانية” عن مصدر خليجي مطلع قوله إن القمة المرتقبة ستعقد بحضور قادة الدول الخليجية الست، بمن فيهم أمير قطر. وسبق أن ذكرت وسائل إعلام قطرية، نقلا عن مصادر مطلعة، أن هناك مفاوضات جارية حاليا بين مسؤولين سعوديين وقطريين، سعيا للتوصل إلى اتفاق يُنهي الخلاف بحلول قمة الرياض.

وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، كان أعلن من جهته في تصريحات صحفية الأسبوع الماضي، عن حدوث اختراق في الجهود الرامية لإنهاء الأزمة الخليجية.

وكالة الأنباء الألمانية نقلت كذلك عن مصادر قولها إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد يشارك في القمة الخليجية، الأمر الذي اعتبر إشارة واضحة إلى أن أمور المصالحة الخليجية تسير باتجاه الإنجاز.

ما بعد القمة..

وفق ما سبق، فإن القمة، وبحضور قادة كل دول مجلس التعاون، باتت مؤكدة، ولم تعد المصالحة، بحسب ما يتم تداوله، بعيدة المنال، لكن ماذا بعد، هل ستجري الأمور كما ينبغي؟

في هذا السياق يقول الكاتب السعودي عبد العزيز العنقري إن “هذه القمة الخليجية المرتقبة يجب أن يكون طرحها للمشاكل والقضايا والتحديات التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي بشكل مغاير ومختلف تماماً عن ما حصل في القمم الخليجية السابقة، فالتحديات التي تواجه دول الخليج العربي أكبر بكثير من خلافات بين دولها”.

العنقري، يرى أن دول الخليج العربي تواجه دولة فارسية عميلة للغرب والشرق، تقوم بتنفيذ أجندات للمعسكَرَين في منطقتنا العربية بشكل عام، ودول الخليج العربي بشكل خاص، على مدى أربعة عقود متتالية تتمثل هذه الأجندات بتمزيق وتدمير عالمنا العربي من خلال ما بشرت به كونداليزا رايس، وكولن باول، ووزيرة خارجية أمريكا السابقة هيلاري كلينتون المتمثل بتقسيم عالمنا العربي إلى دويلات صغيرة كانتونات متناحرة لكي يسهل السيطرة عليها وعلى ثرواتها، وجعلها شعوباً متخلفة متناحرة، وأسواقاً تجارية رائجة لسلعهم وبضائعهم ولمنتجات مصانع أسلحتهم.

يرى العنقري أن ما يحل مشاكل دول الخليج العربي هو «المجالس التنسيقية» في كل دولة خليجية، وعلى مستوى رفيع «مستوى الوزراء»، فهذا بحسب “العنقري” الأسلوب الأمثل والوحيد للتغلب على جميع الخلافات وحلها من خلال تلك المجالس التنسيقية الوزارية.

وخلص إلى التمني بأن تخرج القمة بإعلان الرياض “الذي يؤكد على حل خلافاتنا بأنفسنا دون تدخلات خارجية، ودون وسطاء من خلال مجالس تنسيقية رفيعة المستوى وليس من خلال لجان دون المستوى المأمول، والتي قد تصب الزيت على النار وقد قيل قديماً إذا أردت أن تدفن أوتقتل موضوعاً فأحله إلى لجنة”

الكاتب طارق الحميد في صحيفة عكاظ السعودية سبق العنقري إلى ضرورة “ضمان أن تكون هناك آلية لحل الخلافات، والنزاعات التي تحدث بالمجلس، وتكون عملية، وذلك لضمان عدم تكرار القضايا الرئيسية، خصوصا وأن الخلافات حقيقية، وتمس أمننا ووجودنا”.

كما أشار الكاتب إلى “ضرورة التنسيق الأمني الخليجي، وأن تكون العلاقات الخليجية – الخليجية جيدة، على أمل قطع الطريق على إيران، وبالطبع تركيا”.

وحول علاقة الخليج بمصر في ظل محاولات التوصل إلى مصالحة دعا الكاتب إلى “تمتين هذه العلاقة كونها بالغة الأهمية لحماية الأمن القومي العربي، ولتحقيق المصالح العليا المشتركة”، وأضاف “لا أحد يريد هز علاقة المجلس الخليجي بدولة مصر التي هي حجر الزاوية بأمن واستقرار المنطقة”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©