الكاظمي في مواجهة الحشد.. هل ينجح بكبح جماح الميليشيات؟

ما زالت المعلومات متضاربة بشأن مصير “قاسم مصلح” القيادي في ميليشيات “الحشد الشيعي” العراقي، ففي الوقت الذي تتحدث فيه وسائل إعلام مقربة من المليشيات عن إطلاق سراحه، ينفي مسؤولون عراقيون صحة ذلك، مؤكدين استمرار اعتقاله، وأنه تم فعليا بدء التحقيق معه بالتهم الموجهة إليه.

وبالرغم من عودة الهدوء النسبي إلى بغداد، بعد التوتر الذي شهدته على خلفية توقيف “مصلح”، لا تزال ثمة مخاوف من تداعيات احتجازه، وسط تحذيرات من تعريض الأمن في العراق إلى المغامرات، أو محاولة التأثير على الانتخابات التشريعية المقررة في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.

ويرى محللون أن الأحداث الأخيرة فتحت باب المواجهة الجديد بين الحكومة العراقية، برئاسة “مصطفى الكاظمي”، وقيادات الصف الأول في فصائل “الحشد الشعبي”، خاصة تلك الحليفة لطهران، على فصل سياسي وأمني جديد في البلاد، تسبب بانقسام واضح بين القوى الشيعية الرئيسية في البلاد بين مؤيد للحكومة وقراراتها، وفريق مدعوم بالسلاح مناوئ لها، ويسعى إلى كسر قراراتها وفرض أشبه ما تكون بحصانة لـ”الحشد الشعبي”، تمنع محاسبة قادته وعناصره، وحصر ذلك بجهاز أمني داخل “الحشد”، في حال كانت هناك مشاكل، أو تهم، يتولى هو الاعتقال والتحقيق، وليس أجهزة الأمن العراقية.

فقدان التماسك والدعم الشعبي

شهدت العاصمة بغداد، يوم الأربعاء، توترا كبيرا على إثر اعتقال القيادي في الحشد “قاسم مصلح” على خلفية اتهامه باغتيال ناشطين، حيث حاصرت قوات من “الحشد الشعبي”، منزل رئيس الوزراء “مصطفى الكاظمي” ومواقع أخرى في “المنطقة الخضراء” وسط العاصمة بغداد، حيث توجد منازل مسؤولين ومقار المؤسسات الحكومية والبعثات الدبلوماسية الأجنبية.

“الكاظمي”، اعتبر أن التحركات التي قامت بها مجموعات مسلحة في بغداد تعد انتهاكاً خطيراً، ليس فقط للنظام والقانون، بل وللدستور العراقي.

يرى الباحث والخبير بالشأن السياسي العراقي “حسام الخالدي”، أن المواجهات الأخيرة بين الكاظمي و”الحشد الشعبي”، تسببت بخسارة الأخير الكثير من الرصيد الشعبي الذي حصل عليه في السنوات الماضية، إذ بات بمظهر المُهدد للدولة والاستقرار، خاصة أن الشارع العراقي بمختلف مكوناته في موقف داعم لسلطة الدولة لا المليشيات والأحزاب.

كما يعتبر “الخالدي”، أن المواجهات ساعدت “الكاظمي” في إثبات عدم صحة ما تم الترويج له سياسياً، وفي الحكومات السابقة، بأن “الحشد” جزء من المنظومة الأمنية، وأنه خاضع للقائد العام للقوات المسلحة، إذ بات اليوم في معسكر مضاد للحكومة وقراراتها، ويؤوي أو يدافع عن متورطين بتصفية ناشطين ومتظاهرين وقصف مواقع عسكرية.

وبالرغم من تأكده عدم الإفراج عن “مصلح”، يقول الخالدي إنه، حتى لو اضطر “الكاظمي” للتنازل وإطلاق سراح القيادي المعتقل، فإن ذلك لن يكون هزيمة له بقدر ما هو تأكيد على التحدي الذي تفرضه مليشيات عدة داخل “الحشد” على سلطة الدولة والقانون واستقرار البلاد، مشيرا إلى أن ذلك سيتسبب بتعزيز الانقسام داخل القوى الشيعية الرئيسية في البلاد.

يشار إلى أنه خلال اليومين الماضيين صدرت عدة مواقف سياسية من بغداد تؤشر على حدة الانقسام بين الفصائل الشيعية، خصوصاً من زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر، الذي قال، في “تغريدة” على “تويتر”، إن “إضعاف العراق ممنوع فلا تتكالبوا عليه”، وذلك بالتزامن مع محاصرة مسلحي المليشيات للمنطقة الخضراء، في الوقت الذي قال “حيدر العبادي”، رئيس الوزراء الأسبق زعيم كتلة “النصر”، إن “بناء الدولة مسؤولية تضامنية. إما أن تسير الدولة إلى النظام والسيادة، وأما أن تنهد على رؤوس الجميع”.

وأضاف أن “التجاوز والاستقواء والتمرد على الدولة ممنوع”. وختم بيانه: “لا أحد فوق القانون والمساءلة، فلنحتكم إلى الدولة ومنطقها قبل أن تبتلعنا الفوضى”.

الكاظمي أمام مواجهة مصيرية

اعتقال مصلح بمذكرة قبض قضائية وفق المادة الرابعة من قانون الإرهاب العراقي، وضع “الكاظمي” في مواجهة مباشرة مع ميليشيا الحشد التي حاصرت، الأربعاء منزل رئيس الوزراء ومواقع أخرى في المنطقة الخضراء وسط العاصمة، حيث توجد منازل مسؤولين ومقار المؤسسات الحكومية والبعثات الدبلوماسية الأجنبية، ليأتي رد القوات العراقية بنشرها دبابات ومدرعات في بعض شوارع بغداد، وشوهدت تعزيزات عسكرية كبيرة في محيط المنطقة الخضراء.

بدوره علق الكاظمي على هذه الأحداث بالقول إن التحركات التي قامت بها مجموعات مسلحة في بغداد تعد انتهاكا خطيرا، ليس فقط للنظام والقانون، بل وللدستور العراقي.

وحسبما يرى المحلل السياسي “مناف علي” فإن الكاظمي يدرك أنه يواجه سيناريو لشيطنته وإسقاطه شعبيا وسياسيا تعدّه أكثر من جهة مسلحة لجعله خارج الحسابات في الدورة الانتخابية المقبلة.

ويعزو “علي” السبب في ذلك إلى اختلاف الرؤى بالإضافة إلى رغبة “الكاظمي” لتحجيم دور هذه الجماعات وتقويض إمكانياتها، إذ تستغل أبسط المناسبات للتعامل معه بطريقة حادة، لافتا إلى أن خطوات “الكاظمي” الأخيرة لا تنسجم مع مصالح بعض الأطراف والجماعات المسلحة المؤثرة في الساحة العراقية وتؤثر على مصالحها الحالية والمستقبلية، وهذا ما دفعها إلى استخدام كافة قدراتها لحرق ورقته سياسيا وجماهيريا، بالإضافة إلى المستويين الدولي والإقليمي.

بالإضافة إلى ذلك، يشير “علي” إلى أن المواجهة الحالية بين “الكاظمي”، وميليشيات “الحشد الشعبي”، ليست الأولى من نوعها، إذ سبقتها عدة مواجهات وتوترات منذ الأسابيع الأولى لتوليه رئاسة الحكومة مطلع أيار/ مايو من العام الماضي.

وتسبّب اعتقال قوة خاصة تتبع مكتب الكاظمي، لمسلحين ينتمون لمليشيا “كتائب حزب الله” العراقية نهاية حزيران الماضي، في مزرعة ببلدة البوعيثة جنوبي بغداد، بتهمة مهاجمة السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء، ومنشآت عسكرية أخرى حساسة، بصواريخ الكاتيوشا، بانتشار مسلحي المليشيات في بغداد، ومحاصرتهم مبنى جهاز مكافحة الإرهاب و مكتب وكيل وزير الداخلية لشؤون الاستخبارات، قبل أن تضطر الحكومة إلى إطلاق سراحهم بعد يوم واحد.

أعقب ذلك اعتقال قوات عراقية للقيادي في مليشيا “عصائب أهل الحق”، “حسام الأزيرجاوي”، في بغداد نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، بعد ورود معلومات عن علاقته بالهجوم الصاروخي الذي استهدف معسكر “فيكتوريا” غربي بغداد، الذي يستضيف قوة أميركية ضمن جهود قوات التحالف الدولي. وانتهت الأزمة، التي تسببت باستعراض مسلح للمئات من عناصر المليشيا، بإطلاق سراح “الأزيرجاوي” أيضاً.

ووصلت المواجهة بين الطرفين إلى اشتباكات مسلحة بين قوات جهاز مكافحة الإرهاب في البصرة ومليشيات مسلحة، خلال عملية أمنية لاعتقال قيادي في مليشيا منضوية ضمن “الحشد الشعبي”، متهم بقتل الناشطة المدنية “ريهام يعقوب”، والصحافي “أحمد عبد الصمد”، كما انتهت الاشتباكات بإفلات القيادي وتعذر اعتقاله، ما دفع الكاظمي إلى إقالة قائد عمليات الجيش العراقي في البصرة اللواء “أكرم صدام” وتعيين آخر مكانه.

ويؤكد “علي” أن الأحداث الأخيرة وما سبقتها جعلت “الكاظمي” في حيرة من أمره، فهو يريد الإصلاح ويسعى لمكافحة الفساد والقضاء على الإرهاب إلا أنه لا يستطيع تنفيذ ذلك لوجود العديد من المعرقلات التي تُحجم خطواته، وكل هذا سيدفعه هذه المرة لمواجهة الميليشيات حلى آخر الأنفاس، لي لا يظهر في عداد الخاسرين وتحترق ورقته شعبيا.

يشار إلى أن “الكاظمي” كان قد قال إنه هو شخصيا من أصدر الأوامر للقوات الأمنية “بإلقاء القبض على أحد المتهمين”، في إشارة إلى “قاسم مصلح”.

تأييد إقليمي ودولي

حظي قرار “الكاظمي”، بتوقيف القيادي في ميليشيات الحشد الشعبي بتأييد واسع من أطراف إقليمية ودولية، إذ عبرت مستشارية الأمن القومي الأمريكي، الخميس، دعمها لإجراءات الحكومة العراقية بفرض سيادة القانون والتمهيد لإجراء الانتخابات المبكرة.

وقالت المستشارية في منشور على “تويتر”، “ندعم بقوة التزام رئيس الوزراء الكاظمي والحكومة العراقية بدعم سيادة القانون تمهيدا لانتخابات حرة ونزيهة”، مشددة على ضرورة التحقيق مع أي شخص يستهدف مواطنين عراقيين وفقا للقوانين العراقية، ومنددة بالذين يسعون إلى تقويض استقرار العراق بأعمال عنف، في إشارة إلى الحشد.

في السياق، أعلنت السفارة البريطانية لدى بغداد، وقوفها إلى جانب الحكومة العراقية وتحقيقاتها في أعمال “الجماعات المسلحة”، حيث قالت في بيان إن “العراقيين طالبوا ويستحقون دولة يحاسب فيها من يخالف القانون، لا ينبغي لأحد استخدام القوة والتهديد لعرقلة التحقيقات الجنائية”.

وأضافت: “تقوم الديمقراطية على احترام سيادة القانون” معلنة تأييدها بالكامل تحقيق الحكومة في أعمال الجماعات المسلحة.

كذلك، علق السفير الكندي في بغداد “أولريك شانون”، على انتشار جماعات مسلحة في المنطقة الخضراء، وقال في “تدوينة” إنه “لا يمكن احترام الحقوق الأساسية للمواطن ومحاسبة مرتكبي الجرائم ضد الناشطين وسط انتشار جماعات مسلحة تعتبر نفسها فوق القانون”.

وأضاف، أن “استعراض الأسلحة اليوم ضد مؤسسات عامة هو تهديد واضح لهيبة الدولة، يجب السماح للقضاء العراقي بالعمل دون التهديد بالعنف، وتطبيق القانون على الجميع”.

من جهتها قالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة “جينين هينيس بلاسخارت”، في “تغريدة” لها عبر “تويتر” إن “أي قضية اعتقال يجب أن تأخذ مجراها كما هو الحال مع أي عراقي. وبالتأكيد، لا ينبغي لأحد أن يلجأ إلى استعراض القوة ليشق طريقه”.

وأضافت: “مثل هذا السلوك يضعف الدولة العراقية ويزيد من تآكل ثقة الجمهور” مشددة بالقول: إنه “يجب احترام مؤسسات الدولة في جميع الأوقات. لا أحد فوق القانون”.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.