الكنز المفقود.. غاز العراق هل ينقذه مؤتمر؟

أسدل الستار، في العاصمة العراقية بغداد على فعاليات اليوم الأول لمؤتمر ومعرض النفط والغاز في العراق، بمشاركة ممثلين عن الشركات النفطية والبنوك الأجنبية، والذي يناقش على مدار يومين واقع الصناعات النفطية واستثمار الغاز في العراق للسنوات المقبلة، إضافة إلى تطوير الاقتصاد العراقي باستخدام التقنيات الحديثة وتطوير قدرات القوى العاملة وتسهيل عمل ودخول الشركات الأجنبية للعمل في العراق.

في الكلمة الافتتاحية للمؤتمر أكد وزير النفط العراقي “إحسان عبد الجبار” مساء أمس الأحد، أن اتفاق “أوبك بلس” (+OPEC) لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) الخاص بخفض الإنتاج، يخدم مصالح العراق، ويسهم في تعزيز الأسعار لتتجاوز 50 دولارا للبرميل في أوائل 2021، علما ان موازنة العراق لعام 2021 تفترض سعرا للخام بـ42 دولارا للبرميل، موضحاً أن “الأسعار تتحسن لكنها ما زالت حساسة للتقلبات الناجمة عن تداعيات فيروس كورونا”.

وأشار الوزير العراقي إلى أن وزارة النفط ماضية باتجاه توسيع استثمار الغاز وفتح نقاشات وصفها بالإيجابية مع الشركات العالمية لاستثمار الغاز وفق أساليب حديثة، وأبرزها شركة “شيفرون” الاميركية ومتعددة الجنسيات العالمية، مؤكدا أن “وزارته تعمل على تعظيم الاستثمار في قطاع البنى التحتية للصناعات النفطية، بالتعاون مع شركات متخصصة”.

بدوره، نفى “عبد الجبار”، الأنباء التي تحدثت عن نية شركة «إكسون موبيل» الأمريكية بيع حصتها إلى شركائها في حقل غربي القرنة الأول والانسحاب من العمل في محافظة البصرة، وقال للصحافيين في بغداد «العراق ماض بتطوير استثمارات الغاز بالاستعانة بالشركات العالمية في مناطق متفرقة من البلاد”.

كنز لا يُستغل..

العراق الذي بدأ بإنتاج النفط في عشرينيات القرن الماضي، عندما تدفق النفط من حقل “بابا كركر” في كركوك، يهدر منذ ذلك الحين الغاز المصاحب دون الاستفادة منه.

وتؤكد التقارير أن السلطات العراقية تهدر مليارات الدولارات لعدم الاستفادة من هذه الثروة بالشكل الكامل، اذ يمتلك مصدرين للغاز الطبيعي، أولهما الغاز المصاحب للنفط كناتج طبيعي والذي يتميز استثماره بقلة التكاليف، ولا يحتاج إلى عمليات تنقيب وحفر واستخراج كونه يأتي مصاحبا لـ”النفط المستخرج” ، موضحة أن” 70 بالمئة من الغاز الطبيعي العراقي هو من هذا النوع”.

أما المصدر الثاني لغاز العراق، هو الغاز الحر الذي يتميز استثماره بالتكاليف العالية وذلك للحاجة لعمليات التنقيب والحفر والاستخراج، ويشكل 30% من الغاز العراقي.

أرقام واحصائيات..

مصادر مطلعة أفادت لـ”مرصد مينا ” بأنه بسبب خسارة العراق لمنشآت استثمار الغاز الطبيعي على خلفية الحروب التي شهدتها في العقود الأخيرة، وما تبعها من أزمات وضعت حكومة “مصطفى الكاظمي” الجديدة على رأس أولوياتها ملف الغاز الطبيعي، لإنقاذ العراق المستباح من قبل إيران والولايات المتحدة الاميركية.

تقرير حديث صدر عن البنك الدولي نشر في يوليو/تموز الماضي، احتل العراق المركز الثاني عالميا بعد روسيا للسنة الرابعة على التوالي بين أعلى الدول إحراقا للغاز الطبيعي، وتبعته الولايات المتحدة ثم إيران، حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن العراق أحرق عام 2016 ما مجموعه 17.73 مليار متر مكعب من الغاز، ثم ارتفع ذلك عام 2019 ليصل إلى 17.91 مليار متر مكعب يحرق في الأجواء.

ووفق آخر إحصائية لوزارة النفط العراقية، فإن إنتاج الغاز المصاحب في عموم العراق لشهر سبتمبر/أيلول الماضي، بلغ 2.319 مليار قدم مكعب قياسية يوميا، بينما بلغت الكمية المحروقة منها 1.150 مليار قدم مكعب قياسية يوميا.

في المقابل يدفع العراق مبالغ كبيرة لاستيراد الغاز الطبيعي من إيران، بينما يحرق 10 أضعاف الكميات التي يستوردها منها، وذلك بحسب معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، وبهدر يصل إلى 2.5 مليار دولار سنويا.

وتفيد تقديرات بأن العراق يمتلك مخزونا يقدر بـ 112 تريليون قدم مكعب من الغاز، ويحل بالمرتبة 11 بين دول العالم الغنية بالغاز الطبيعي، بحسب بيانات رسمية.

الغاز الإيراني..

تشير مصادر “مينا” إلى أن العراق يخسر من خلال إحراق الغاز مبالغ أكبر بكثير من التي قدّرها معهد واشنطن، فضلا عن التبذير الضخم لشراء الوقود السائل المشغل لمحطات توليد الكهرباء، بسبب شح الغاز في البلاد.

ووفقا لبيانات وكالة الطاقة الذرية، فإن كمية الغاز التي يحرقها العراق يوميا، تكفي لإمداد ما لا يقل عن 3 ملايين منزل بالطاقة الكهربائية التي يعاني العراقيون من شحها منذ سنوات.

بحسب مسؤولين في قطاع الكهرباء العراقي ينتج العراق 19 ألف ميغاوات من الطاقة الكهربائية، بينما الاحتياج الفعلي يتجاوز 30 ألف ميغاوات، وفقا لمسؤولين في قطاع الكهرباء.

وفي السياق، قال المتحدث باسم وزارة الكهرباء العراقية “أحمد العبادي” في تصريح له الشهر الماضي، إن بلاده فقدت أكثر من 3.5 آلاف ميغاوات من الطاقة الكهربائية، بسبب تراجع في إمدادات الغاز الإيراني المخصص لتشغيل محطات الطاقة في البلاد، دون إيضاح أسباب إيران، “العبادي” أضاف أن المنظومة الكهربائية فقدت ما يقارب الـ 3565 ميغاوات من الطاقة التوليدية في المنطقة الوسطى والجنوبية وأجزاء من المنطقة الشمالية.

وينتج العراق 19 ألف ميغاوات من الطاقة الكهربائية، بينما الاحتياج الفعلي يتجاوز 30 ألف ميغاوات، وفقا لمسؤولين في قطاع الكهرباء.

وأوضح العبادي أن ضغط الغاز في المناطق المذكورة تراجع إلى 10 ملايين متر مكعب باليوم، بعد أن كان 25 مليون متر مكعب، ما أسفر عن تراجع الطاقة المنتجة من محطات التوليد.

مساعي وشركات..

وفي آخر خطوات الإنقاذ الحكومي، دشن رئيس الوزراء العراقي “مصطفى الكاظمي” بداية نوفمبر الفائت، أضخم برج محلي لإنتاج الغاز المصاحب لاستخراج النفط، من حقول الخام العملاقة جنوبي البلاد في شركة غاز البصرة بطاقة تصل إلى 400 مليون قدم مكعب قياسية يوميا، وتوقع وزير النفط العراقي إنجاز المرحلتين من المشروع الجديد بنهاية 2022 ضمن خطة الوزارة للتخلص من ظاهرة حرق الغاز في حقول النفط وإدارته.

وشركة غاز البصرة هي مشروع مشترك قيمته 17 مليار دولار بين شركة النفط “رويال داتش شل” متعددة الجنسيات بريطانية وهولندية الأصل، وشركة غاز الجنوب التي تديرها الدولة و”ميتسوبيشي”.

وآخرها قد يكون مؤتمر ومعرض النفط والغاز الذي أعلن فيه وزير النفط العراقي أن بلاده ستعمل لأول مرة خلال العام المقبل على تصدير ثلاثة أنواع من النفط الخفيف والمتوسط والثقيل لتعظيم الإيرادات، وأنه اتجه إلى أسلوب الدفع المسبق لبيع النفط الخام، لافتاً إلى أن العديد من الشركات الأجنبية قدمت عروضا للعراق لشراء كميات من النفط الخام في إطار آلية الدفع المسبق.

ويبقى سؤال العراقيين عن بحر من النفط المستباح لتجار السياسة من شأنه القضاء على بطالة طالت كثيرين في البلاد وكهرباء تكاد تفنى من غالبية المناطق العراقية.

حقوق النشر والطباعة ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©