المبيدات الكيماوية.. سلاح إسرائيليّ ضد الفلسطينيين

الزراعة في فلسطين

بدأت اسرائيل أول عمليات رش المبيدات ضد قطاع غزة، لهذا العام، في 14 يناير/ كانون ثاني الماضي، حيث شملت كافة المناطق الزراعية الواقعة في المنطقة الشرقية الحدودية من شمالي القطاع حتى جنوبه “السياج الحدودي”.

في تموز / يوليو من عام 2018، نشرت صحيفة “هآرتس” العبرية تقريرًا لها، قالت فيه إن السلطات الإسرائيلية تستخدم مبيدات ذات تأثيرات خطيرة، في منطقة السياج المحيط بقطاع غزة، لمنع النباتات من النمو، وإبقاء المنطقة فارغة كي يتسنى لقوات الجيش مراقبتها بشكل جيد.

وترش إسرائيل مع مطلع كل عام مبيدات كيميائية على طول السياج الأمني الممتد على طول نحو 40 كيلومترا شرق القطاع لاعتبارات أمنية، سعيا منها إلى منع نمو نباتات وأعشاب بطول يحد من قدرتها على مراقبة المنطقة الأمنية العازلة التي تفرضها بعمق أكثر من 300 متر عن السياج.

خطة ممنهجة

منذ عدّة سنوات وبشكل دوري، يعمل جيش الاحتلال الاسرائيلي على رش جوي مكثف لمبيدات الأعشاب الكيميائية على أراضي المزارعين في غزة، بشكل تسبب بتدمير تلك الأراضي وما تحويه من محاصيل، بذرائع أمنية.

وبات من المألوف مشاهدة الآليات العسكرية الإسرائيلية تجتث وتبيد الأشجار والمساحات الزراعية الخضراء داخل قطاع غزة؛ إلا أن ما لا يعرفه الكثيرون هو، التجريف الإسرائيلي المنظم للحقول الفلسطينية، منذ عام 2014، من خلال استخدام مبيدات الأعشاب التي يتم رشها من الجو.

الأراضي المستهدفة بالرش الكيميائي الإسرائيلي تقع تحديدا في المنطقة الحدودية شرق وجنوب شرق قطاع غزة، المنطقة المسماة بالعازلة.

وبحسب الإحصاءات الفلسطينية الرسمية تقدر مساحة الأراضي الزراعية الحدودية في قطاع غزة بـ 29 كيلو مترا مربعا، ما يعادل نحو 25% من مساحة الأراضي الزراعية في القطاع، وهي بغالبيتها أراضٍ مزروعة تمثل سلة غذاء أساسية لسكان القطاع، ويعمل فيها نحو 30 ألف مزارع. خلال السنوات الأخيرة رشت اسرائيل المبيدات على مئات الدونمات شرق مدينة غزة، وبالتالي أُتلفت معظم المحاصيل المرشوشة.

مبيدات خطيرة

تتكون المبيدات التي يتم رشها على القطاع، من الأوكسيجال والغليفوسات وديورون، وهي مواد مسرطنة، تجرد الأرض من غطائها النباتي، وتستقر في التربة لفترات طويلة، وتؤثر سلباً على صحة الماشية التي تتخذ من هذه الأراضي مراع لها، كما تؤثر على صحة الماشية الإنجابية بصورة خاصة، إضافة إلى تسرب هذه المواد الكيماوية الخطيرة إلى المياه الجوفية، وتأثيرها على النحل وإنتاج العسل.

وتتكون مادة الأوكسيجال من أوكسي فلوروفين، وهو مبيد عشبي يحول دون نموّ النباتات، بحيث يتخلص من الغطاء النباتي من أعشاب ومزروعات بصورة نهائية، ولا تعود التربة بعدها صالحة للزراعة، كما يتسبّب بتهيّج شديد إذا لامس الجلد أو العين، علماً بأن عمليات الرش الجوي تجري دون أن يتم إخطار المزارعين العاملين في أراضيهم.

أما مادة الغليفوسات، التي تعتبرها منظمة الصحة العالمية مادة مسرطنة، فيحظر رشها من الجو بصورة مطلقة، نظراً للمخاطر الصحية التي تسببها بانتقالها في الجو.

أسباب ودوافع

حدثت عمليات الرش الكيميائي الإسرائيلي بشكل أساسي في المناطق الحدودية “العازلة”. والحديث حول مصطلح (المنطقة العازلة) يتعلق بمساحات جغرافية غير محددة فرضتها إسرائيل داخل قطاع غزة وعلى طول ساحله البحري، حيث فرضت حظرًا أو قيودًا على الحركة والنشاط الاقتصادي (بالتحديد عمليات الزراعة والصيد).

مساحة وعرض المنطقة العازلة تتغير باستمرار حسب الاعتبارات الإسرائيلية “الأمنية”.

ويكشف تقرير لمؤسسة الدراسات الفلسطينية أن سلطات الاحتلال تقوم بإعادة ترسيم حدود قطاع غزة بواسطة المبيدات الكيماوية عدة مرات في العام.

وتسببت محصلة عمليات الرش الخمس الأخيرة في خسائر فادحة في المحاصيل الزراعية تقدر بـآلاف الدولارات. مما أجبر وزارة الزراعة الفلسطينية إعلان تلك المناطق وتصنيفها، مناطق منكوبة.

وبينما يبرر جيش الاحتلال الإسرائيلي عمليات الرش بأنها تتم لدواعٍ أمنية هدفها التخلص من الأعشاب التي تعيق الرؤية على طول السياج المتاخم لقطاع غزة توضح مؤسسة الدراسات الفلسطينية أن من غير الممكن الأخذ بهذا التبرير في ظل استخدامه معدات وأجهزة متطورة ودقيقة تعمل على الاستشعار الحراري للأجسام المحيطة، وأجهزة الرؤية الليلية، وأجهزة المراقبة الإلكترونية ومسدسات آلية قادرة على رصد وقتل كل من يتجاوز الحد الذي رسمته إسرائيل لقطاع غزة.

يرى البعض مما استطلع التقرير آرائهم، أنّ الاحتلال يهدف من وراء عمليّات الرشّ الجوي إلى تقويض صلاحية القطاع الزراعي، وتخريب البيئة، إذ يعمل الرشّ الجوي على إعاقة وتطويق المزارعين.

وخلصت مؤسسة الدراسات الفلسطينية للقول إنه -وخلافاً لادعاء الاحتلال الإسرائيلي- فإن الرش يتم لدواع أمنية، يرى البعض أن عمليات الرش المنهجية هي خطط استراتيجية وليس تكتيكاً، وتهدف إلى تشكيل حدود قطاع غزة عنوة ضمن الرؤية الإسرائيلية، وذلك بزيادة مساحة المنطقة العازلة للشريط الحدودي داخل الأراضي الفلسطينية في سياسة لفرض الأمر الواقع.

كما وتهدف عمليات إبادة الأعشاب إلى تقليص الأراضي الزراعية في القطاع وتحويل الجزء الأكثر خصوبة منها إلى أراض غير صالحة للزراعة، عارية من الغطاء النباتي، تكريساً للحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2006، وبغية زيادة اعتماده على الواردات الزراعية من إسرائيل.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©