المرأة السورية؛ بين جحيم الاعتقال ومرارة رفض المجتمع

وحدة الرصد واستطلاع الرأي في مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي

كان للمرأة النصيب الأكبر من تبعات الحرب والعنف الدائر في سوريا وبخاصة العنف الذي عانته على أيدي قوات نظام الأسد أثناء وجودها في المعتقلات وسجل عدد من تقارير المنظمات الدولية شهادات لنساء ساعدهن القدر في الخروج من المعتقل فكانت تلك الشهادات صادمة إلى درجة لا يمكن أن يسعها العقل البشري، لتكمل النساء شهاداتهن عن الجحيم الذي يعشنه بعد خروجهن من المعتقل.

وسنتناول في ورقتنا هذه واقع الناجيات من الاعتقال ضمن النقاط الآتية:

  • معاناة المرأة السورية في المعتقلات مأساة أقرب إلى الخيال.
  • المجتمع في مواجهة المرأة المعتقلة.
  • العادات والتقاليد أقسى على المعتقلات من السجون.
  • الاندماج في المجتمع من جديد.
  • الخاتمة

 معاناة المرأة السورية في المعتقلات مأساة أقرب إلى الخيال

في مدى السنوات السبع من عمر الثورة كانت الفروع الأمنية المنتشرة في المناطق التابعة لنظام الأسد تشهد أوضاعاً مأسوية لا يمكن للعقل البشري تصديقها من موت ممنهج تحت التعذيب بأبشع الأساليب وكان الاعتداء الجنسي واحداً من الأساليب التي تستخدم في إذلال النساء وقهرهن وإهانة ذويهن من خلال إهانتهن ولا سيما الأشخاص المنخرطين في الثورة وقد وثقت التقارير الإنسانية والحقوقية مئات الاعتداءات الجنسية وأكدت استمرارها حتى الآن في سجون النظام، إذ وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان اعتقال أكثر من 5400 امرأة من قبل أجهزة الأمن السوري وضمن هذا العدد 1200 طالبة جامعية في المدّة ما بين آذار 2011 وونيسان 2013 ولم يتوقف الاعتقال حتى اللحظة وقد تعرضت المعتقلات معظمهن إلى اعتداءات جنسية متفاوتة وهو ما أكدته سحر التي فقدت زوجها بعد انشقاقه من صفوف النظام بأربعة أشهر وكانت تقيم في مدينة دمشق ودفعتها خشيتها من انتقام النظام إلى محاولة الخروج بأبنائها الأربعة إلى المناطق المحررة بمساعدة أحد أصدقاء زوجها إلا أن محاولتها باءت بالفشل لتعتقل أثناء وجودها في كراج الانطلاق في دمشق.

تعرضت سحر لأنواع التعذيب كلها من صعق بالكهرباء وشبح وعنف نفسي واضطرت إلى أن تشهد جولات تعذيب لعشرات الشباب والصبايا حتى فارق بعضهم الحياة أمام ناظريها، وأجبرت على رؤية عدد من الشابات وهن يغتصبن أمامها ولعل أكثر ما يترك أثراً في نفس سحر الاعتداءات الجنسية الجماعية التي تعرضت لها على أيدي عناصر الأمن من غير شفقة بها ولا رحمة، وتقول إن النساء يغتصبن بالتناوب وتجري عملية اغتصاب المعتقلة أمام بقية المعتقلات اللاتي يفرض عليهن ذلك والهدف الوحيد هو الإذلال والإهانة ولم يقتصر الأمر على اغتصاب النساء كما تؤكد سحر أنها شهدت أكثر من عملية اغتصاب بحق رجال من المعتقلين.

وترجع الذاكرة بسحر إلى أيام المعتقل والدموع تملأ عينها والغصة تخنق صوتها وتروي شيئاً من حياتها اليومية في المعتقل التي تبدأ فيها جولات التعذيب في الساعة التاسعة صباحا وتنتهي في الساعة الخامسة، تمر خلالها سحر وزملاؤها بأنواع شتى من العذاب والاعتداء ولا يكاد يمضي يوم إلا ويموت أحد من المعتقلين تحت التعذيب، ولعل أكثر المواقف التي تذكرها سحر زميلتها لمى ذات الخمسة عشر ربيعا التي لم يتحمل جسدها الغض الطري فنون العذاب وأصناف الإجرام والاغتصاب لتفارق الحياة على يد أحد الجلادين وهو يقوم باغتصابها، ولعل جسد سحر بعد خروجها من السجن كفيل بأن يشرح ما يعجز عنه لسانها فالبثور وآثار الجروح التي ما زالت مطبوعة على أنحاء جسدها تزيد من معاناتها اليومية.

سحر التي خرجت من المعتقل بصفقة تبادل للأسرى مع النظام ظنت أن خروجها وما مر بها من قتل وظلم واعتداء واغتصاب سيكون صفحة محفوفة بألم في ماضيها المعذب، غير أن مأساة أشد وقعا على نفس سحر بدأت من جديد إذ تخلى عنها أهلها وإخوتها بشكل كامل وليس أشد على الإنسان من أن يتخلى عنه أهله وينبذوه من غير ذنب اقترفه “فهذا ليس قدري” تقول سحر “إنما قدر مئات النساء السوريات اللواتي دفعن أبهظ الأثمان” وتضيف “عانيت كثيرا للوصول إلى أولادي في مجتمع ليس أكثر رحمة من سجون النظام ومن جلاديه”.

المجتمع في مواجهة المرأة المعتقلة

مأساة المرأة السورية التي تعرضت للاعتقال لم تنتهِ حال خروجها من المعتقل بل لعل الجزء الأشد سوءاً بدأ فور الخروج من المعتقل فليس أشد ألماً على المرأة التي عاشت جحيم سجون الأسد وخرجت ولم تجد في كل من حولها من يطيب لها خاطراً أو حتى يقول لها حمداً لله على سلامتك بل الجميع ينظر إليها وكأنها عاهرة تحمل العار والإثم والرذيلة أو كأنما هي التي اختارت أن تمضي حقبة من الزمن في أكثر الأماكن رعباً وخوفاً وقذارة على وجه الأرض (سجون الأسد).

كثير من العائلات السورية تعتبر أن ما تعرضت له المرأة في السجن من اغتصاب أو تحرش جنسي هو عار يلازمها فيكون عليها أن تفقد الزوج والأب والأخ والقريب والصديق لتبدأ رحلة المعاناة في البحث عن مكان للسكن ومصدر للرزق وحيدة في مواجهة الحياة وفي ظل ما يمر به المجتمع السوري من تهجير وتشرد ونزوح وشتات بين الداخل والخارج لترمى عشرات النساء ويتركن إلى مصير بائس ممتلئ بالألم والحرقة والقهر والعذاب لا يمكن للعقل تصوره.

كثيرات من المعتقلات اللاتي خرجن من المعتقل إما بعملية تبادل أسرى أو إخلاء سبيل تمنين لو أنهن قضين تحت التعذيب والاغتصاب الجنسي في المعتقلات ولم يتعرضن لما تعرضن له من تخلي الأهل والأزواج والأصدقاء، وما تزال كثيرات منهن يرفضن الإفصاح عن أنفسهن خشية قمع المجتمع والعادات والتقاليد التي تبدو وليدة غياهب السجون وعلى أيدي الجلادين المغتصبين بحسب ما وصفته هناء إحدى المعتقلات السابقات.

مرح الزير مرشدة نفسية تقول إن الخارج من سجون النظام يحتاج في الأحيان معظمها للخضوع إلى علاج نفسي ولمدد طولية حتى يتمكن من العودة إلى حالته الطبيعة لما تعرض إليه من أهوال السجون وصنوف العذاب النفسية والجسدية التي لا يمكن أن يحتملها بشر، بينما الواقع الذي تلقاه المرأة مختلف تماماً بل سبب في زيادة بؤسها وعذابها ولو كانت خالية من أي مرض فحالما ينبذها أهلها ومجتمعها يصبح ذلك كفيلاً بأن يقضي عليها، علاوة على ما تعرضت إليه من أشد أنواع القهر في الدنيا.

وفي دراسة لمنظمة نقطة بداية المهتمة بالمعتقلات أظهرت من خلال عينة من المعتقلات استهدفن أن 62 في المئة خسرن الزوج بعد الخروج من المعتقل في حين إن 18 في المئة خسرن الأصدقاء و 12 في المئة خسرن الخطيب و6 في المئة خسرن الأهل وحالة واحدة خسرت زميل العمل لظنه أنها هي من اعترفت عليه الأجهزة الأمنية أثناء التحقيق، وهو ما وصفته مرح الزير بأنه قصور كبير في عقلية المجتمع وآلية تفكيره، وكذلك ما يمكن اعتباره الشبه الكبير بين الجلاد والضحية وهو ما يمكن أن ينطبق على البلدان كافة التي يحكمها الاستبداد، إذ كيف يمكن للمجتمع أن يحمل المرأة التي تعرضت لشتى أنواع الاعتقال والقهر والاعتداء الذنب في ما حل بها وينبذها ويتخلى عنها في أوج محنتها بدل أن يسعى إلى احتوائها والعمل على تقديم الدعم اللازم لها وإعادة تأهيلها في المجتمع بشكل فعلي، فلا يمكن لمجتمع صحيح سليم معافى فكرياً وعقلياً أن يحاسب الضحية على ما حل بها.

العادات والتقاليد أقسى على المعتقلات من السجون

التقاليد والأعراف التي ما زالت تنظر إلى المرأة على أنها جزء قاصر في المجتمع على الرغم من الدور الكبير الذي أدته النساء على مدار الأعوام الماضية في سوريا والعقلية التي تتعامل مع قضية الاغتصاب على أن المرأة هي من يتحمل نتائجها على الرغم من أنها هي التي كانت الضحية فيها فقط لأنها امرأة جعلت التعاطي مع المعتقلات في بعض الحالات في المجتمع يكون بطريقة همجية لا يمكن أن تتخيلها كثير من المعتقلات، فبعض العائلات رفضت استقبال بناتهن المعتقلات ونبذتهن بشكل كامل والعائلات الأخرى تكتمت على الأمر وحاولت إبقاءه طي الكتمان بعكس ما يلقاه الرجل المعتقل عند خروجه من السجن، إذ يعامل معاملة أخرى تختلف بشكل كامل.

تقول إحدى الناجيات من الاعتقال وهي من مدينة حمص إن المحيط الأسري والاجتماعي واجهها بأبشع المشاعر وجرت مقاطعتها من قبل أهلها وإخوتها وحملوها ذنب الاعتقال واتهموها بأنها جلبت إليهم العار بعكس ابن عمها الذي كان معتقلاً أيضاً وخرج في الفترة ذاتها واستقبل بالزغاريد وإطلاق الرصاص وأقيمت له الحفلات وقرعت الطبول وضربت الدفوف وكأنهم يستقبلون بطلاً، وهناك عدد من الأزواج الذين طلقوا زوجاتهم بعد خروجهن من المعتقل مباشرة من غير أن يلتقوهن.

الاندماج في المجتمع من جديد

الناجيات من مقابر آل الأسد وجدن صعوبات كبيرة في العودة إلى حياتهن الاجتماعية السابقة وقد يكون تغيير مكان الإقامة والبيئة الاجتماعية التي كانت في أغلب الأحيان ناتجة من الهرب من النظرة السلبية للمحيط الاجتماعي المقرب وقد أظهرت نتائج الدراسة الميدانية التي قامت بها منظمة نقطة بداية وجود علاقة بين التغيرات التي طرأت على حياة الناجيات اليومية بعد الإفراج عنهن، ولا سيما اللواتي تعرضن للاغتصاب والعنف الجنسي في المعتقل، فكان التعرض الجنسي سبباً للانسحاب الاجتماعي لنسبة 80 في المئة من الناجيات، وفي المقابل فقد انسحبت من الحياة الاجتماعية نسبة 74 في المئة ممن لم يتعرضن للعنف الجنسي، وأصبح لدى نسبة 74 في المئة من المعنفات جنسياً قلق المستقبل مقابل نسبة 48 في المئة لغير المعنفات، وأصبح لدى نسبة 63 في المئة من المعنفات جنسياً تبدل في المزاج مقابل 61 في المئة لغير المعنفات، وأصبحت نسبة 51 في المئة من المعنفات جنسياً أكثر اعتماداً على الذات مقابل 56 في المئة لغير المعنفات، وأصيبت نسبة 41 في المئة من المعنفات جنسياً بحالات اكتئاب مقابل 50 في المئة لغير المعنفات، وأصيب 48 في المئة من المعنفات جنسياً بإحباط من الآخرين مقابل 35 في المئة لغير المعنفات، وأصبحت نسبة 18 في المئة من المعنفات جنسياً أكثر جرأة في طرح الآراء مقابل 37 في المئة لغير المعنفات، وأصبح لدى 15 في المئة من المعنفات جنسياً شعور بالندية مقابل 22 في المئة لدى غير المعنفات، ومن ثم هناك معاناة كبيرة وتحديات أكبر تعيشها الناجيات من المعتقل لبدء حياة جديدة ضمن واقع اجتماعي صعب وأوضاع اقتصادية صعبة وغياب جهات دولية أو مؤسسات محلية تعمل بشكل جدي وحقيقي للوقوف معهن ليظل مستقبلهن غامضاً ومشوشاً كحاضرهن البائس.

الخاتمة

 تبقى قضية المعتقلات في سجون نظام الأسد واحدة من المشكلات المعضلة التي تدفع ثمنها شريحة واسعة من النساء اللواتي أجبرن على أن يكن ضحية على أيدي نظام مجرم يسعى لإذلال السوريين بالسبل والطرائق الممكنة كلها من جهة، ومن جهة أخرى ضحية للعادات والتقاليد المغلوطة التي جر نظام الأسد المجتمع السوري إليها وصار لزاماً على الشريحة الواعية والمثقفة في المجتمع وعلى منظمات المجتمع المدني التوجه إلى المجتمع من خلال نشاط متواصل وحملات توعية ومن خلال وسائل الإعلام وذلك بهدف تسليط الضوء على هذه المعضلة وشرحها وتقريبها إلى عقلية العائلات والأهالي الذين ما زال كثير منهم يحمل المرأة تبعة اعتقالها وتعرضها للاغتصاب على أيدي نظام الأسد، ويجب العمل جدياً على كثير من النساء اللواتي بقين خارج إطار المجتمع واللواتي تعرضن للنبذ وإعادة تأهيلهن وتأمين فرص عمل لهن حتى يعتمدن على أنفسهن ويخرجن من الحالة النفسية التي فرضتها الأوضاع الصعبة التي مررن بها.


هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.