المرأة السورية في الحرب، مأساة الأرامل.

يرصد هذا التقرير معاناة تصل إلى حد المأساة للنسوة الأرامل في سوريا بعد أن فقدن المعيل نتيجة أوضاع الحرب الدائرة؛ ليعانين قهراً مضاعفاً بعد قهر التقاليد الاجتماعية، من خلال المحاور الآتية:

  • تحديات عمل الأرامل.
  • هل الزواج الثاني هو الحل؟.
  • استغلال أسواق العمل للمرأة الأرمل.
  • القهر المضاعف.
  • مساعدات خجولة للأرامل.
  • الأرقام تتكلم عن المأساة.

المدخل:

الحرب السورية التي أزهقت أرواح كثيرين، جعلت عدداً كبيراً من النساء وبخاصة في المناطق المحررة في موضع المعيل للأسرة، ليعانين قهراً مضاعفاً في ظل أوضاع معيشية صعبة يسودها انعدام الأمن والاستقرار وندرة فرص العمل، فضلاً عن عادات وتقاليد بالية تتحكم في المجتمع وتمنع المرأة من الخروج للبحث عن عمل.

معيلات أمام تحديات العمل

أمام واقع مرير اضطرت المرأة السورية إلى كسر الأعراف السائدة والخروج من القوالب الاجتماعية التي وضعت فيها، وانطلقت نحو أسواق العمل مرغمة لتوفير مطالب الحياة ورفع المستوى المعيشي لأسرتها.

تنوعت الأعمال التي أقبلت عليها النساء المعيلات، كالعمل في المهن اليدوية مثل الحياكة والتطريز أو الزراعة، أما الأكثر تعلماً فقد اتجهن إلى العمل في التمريض أو التدريس وغيرها.

اسودت الدنيا في عيني الـ (أرمل) أم حسن (٢٦سنة) بعد وفاة زوجها في الحرب الدائرة من دون أن يترك لها مصدر رزق يحميها وأولادها من شبح الجوع والعوز، فهي أم لأربعة أولاد أكبرهم سناً في التاسعة من عمره، لذلك لم تجد خياراً سوى الخروج والبحث عن عمل، وعن ذلك تتحدث أم حسن لـ (مينا) قائلة: (لم يكن البحث عن عمل أمراً سهلاً لأنني لا أملك شهادة تعينني على الحياة والعيش بكرامة). مشيرة إلى أنها لم تأبه لكلام الناس والمجتمع الذي يراقب الأرمل ويرصد تحركاتها ولم تستسلم لواقعها، لذلك قررت أن تتعلم مهنة تساعدها في تحمل أعباء المعيشة، لتتخلص من مد يد الحاجة، وانتظار المساعدات الإغاثية التي لاتسمن ولا تغني من جوع.

خضعت أم حسن لدورة تدريبية في الخياطة والنسيج وبدأت العمل، واستطاعت بإتقانها لعملها أن تستقطب عدداً من الزبن، الأمر الذي ساعدها في تحسين أوضاع أسرتها وتضيف: (لقد ساعدني عملي في الاستقلال مادياً ومعنوياً، ولم أعد ذلك المخلوق الضعيف الذي يشكل عبئاً على الآخرين).

تؤكد أم حسن بأن طريق العمل ليس مفروشاً بالورود لأن عملها جعل وقتها ضيقاً وغير كاف للاهتمام بالأطفال، ولكنها مضطرة إلى العمل للبقاء على قيد الحياة على حد تعبيرها.

وتلجأ بعض الأرامل إلى دفع أطفالهن إلى العمل، أو تزويج بناتهن في سن مبكرة كآلية للتكيف مع الواقع المعيش وتخفيف بعض الأعباء والمسؤوليات.

أم أيمن(٤٠سنة) من مدينة أريحا في ريف إدلب فقدت زوجها في غارة للطيران الحربي على السوق الشعبية في المدينة وتعرضت لبتر قدمها، من دون أن يكون لها من يعينها على النفقات سوى مساعدات متقطعة من بعض المتبرعين، الأمر الذي دفعها إلى إرسال اثنين من أبنائها إلى العمل على الرغم من صغر سنهما، وعن ذلك تقول: (أصبحت فجأة عاجزة ومسؤولة عن إعالة ستة أبناء، لذلك اضطررت إلى إرسال اثنين منهم إلى العمل بعد تركهما المدرسة وهما أيمن (١٠سنوات) ووليد (٨ سنوات) بهدف إعالة الأسرة، على الرغم من شعوري الدائم بالحزن لضياع مستقبلهما بعد تحملهما مسؤولية تفوق طاقاتهما، في الوقت الذي يُفترض فيه أن يكونا على مقاعد الدراسة).

الزواج الثاني خيار بعض الأرامل

أم حسن وأم أيمن ليستا وحدهما في هذه المعاناة، فحالهما مشابهة لقصص كثيرات في إدلب وريفها، لكن مرارة الواقع تفرض أحياناً على بعض الأرامل خيار الزواج الثاني هرباً من تحمل الأوضاع الصعبة التي تنوء الرجال بحملها في ظل الحرب، فكيف بإمرأة ضعيفة لا حول لها ولا قوة، ومنهن عبير(٢٥سنة) من بلدة تلمنس في ريف إدلب التي فقدت زوجها خلف قضبان سجون النظام تاركاً لها ولدين، فكانت تتردد إلى بيت أهلها تارة وأهل زوجها أخرى لأنها لا تمتلك منزلاً يؤويها مع أطفالها، وعن ذلك تتحدث قائلة :(وصلني خبر وفاة زوجي في معتقلات النظام، فتجمع أهلي وأهل زوجي حولي لمشاركتي في الأسى والحزن، فشعرت بأنني لن أبقى وحيدة، لكن ما لبث أن تفرق الجمع وانشغل كل منهم بهموم الدنيا ومصاعب الحياة، من دون أن يتذكرنا أحد أو يمد لنا يد العون، فأجبرني أهلي على الزواج من رجل آخر لأكون في عهدة رجل يعينني وأولادي على العيش الكريم).

استغلال أسواق العمل للمرأة الأرمل

ومع زيادة عدد النساء الأرامل وندرة فرص العمل أصبحت المرأة العاملة عرضة للاستغلال من خلال قلة الأجور المدفوعة وطول عدد ساعات العمل علماً بأن المرأة العاملة لا تقل مهارة وإنتاجاً عن الرجل العامل، وقد تصبح عرضة لقسوة أرباب العمل وبخاصة بعد وفاة الأزواج أو اختفائهم، تشكو أم وليد (٣٥سنة) من تدني أجرتها في عملها مستخدمة في إحدى المستشفيات الخاصة في إدلب والتي لا تتناسب مع الارتفاع الجنوني للأسعار، وعن ذلك توضح قائلة: (لدي سبعة أبناء أكبرهم معوق، وأعمل أكثر من ثماني ساعات يومياً وأتقاضى راتباً شهرياً لا يتجاوز ٥٠ دولاراً، ولكن على الرغم من ضآلته أراه أفضل من لاشيء، وهذا ما يحملني على الصبر والتحمل والشكوى لله).

القهر المضاعف

تكتمل معاناة كثير من النساء عند اجتماع الترمل مع قسوة النزوح والتشرد، إذ تعيش الأرامل النازحات في إدلب أوضاعاً صعبة للغاية في ظل حياة الخيام وغياب الخصوصية وانتشار الفقر، إذ إن أغلبهن يعشن وحيدات في المخيمات ينتظرن المعونات دائماً فلا يوجد سوق للعمل أو مساعدات دورية.

الـ أرمل أم علي (٣٠سنة) من ريف حماة الشرقي من آلاف النساء اللاتي وجدن أنفسهن في مواجهة صعوبات حياة الحرب في ظل النزوح وعن معاناتها التي لا تنتهي تتحدث قائلة: (اضطررت إلى النزوح من منزلي في ريف حماة إلى المخيمات العشوائية في معرة النعمان، حيث نعاني فيه قلة المياه مع ارتفاع درجات الحرارة، لذلك أنتظر سيارات المياه التي تمر من المنطقة مصادفة لتعبئة بعض الماء، ونعاني انتشار الأمراض والأوبئة نتيجة تراكم النفايات وانعدام شبكات الصرف الصحي).

كذلك خلود(٣١سنة) من مدينة التمانعة في ريف إدلب ليست أفضل حظاً فقد اختفى زوجها في ٣/١٢/٢٠١٥ أثناء سفره إلى مدينة حماة لاستخراج وثيقة جواز السفر، لتنزح مع أولادها الخمسة بعد سنة من هذا التاريخ إلى مدينة معرة النعمان، وهي الآن تكافح لتوفير نفقات بيتها وحيدة، وعن معاناتها من السكن داخل خيمة مهترئة تقول: (نحتمل برد الشتاء، ليأتي الصيف ويحرقنا بناره، لذلك أتوق إلى العيش في منزل له جدران، وإلى أن يرسل لي القدر خبراً أطمئن به على أن زوجي ما يزال حياً وسوف يعود إلينا يوماً).

وتوضح خلود أن أكثر ما يؤلمها هو بعد مكان سكنها عن المدارس والمراكز التعليمية وبقاء أبنائها من دون تعلم.

مساعدات خجولة لأرامل الحرب

وعلى الرغم من انتشار المنظمات الإنسانية التي تقدم الدعم للأرامل في إدلب، من خلال افتتاح بعض مراكز التدريب المهني إلا أن الحرب السورية التي فاقت كل تقدير جعلت الحاجات تزداد مع استمرار الحرب وانسحاب أغلب الداعمين من المشهد، الأمر الذي جعلهن لا يحصلن على الدعم المطلوب بسبب الأعداد الكبيرة والحاجات المتزايدة.

أحمد الأصفر (29 سنة) موظف في إحدى الجمعيات الإغاثية التي تهتم بالأرامل والأيتام في إدلب تحدث عن معاناة الأرامل بقوله: (لا توجد مشروعات كافية لخدمة هذه الفئة التي تواجه مشكلات اقتصادية واجتماعية جمة، لذلك نحاول في الجمعية أن نوزع ما يصل إلينا من مساعدات بشكل متساو على الأرامل الأكثر تضرراً وحاجة، إذ إن العائلات معظمها في المحافظة باتت تقبع تحت خط الفقر، إضافة إلى كثرة النازحين والمهجرين).

كذلك المرأة الأرمل في إدلب التي واجهت نظرة المجتمع وتحديات الحرب لم تسلم أيضاً من بعض القرارات التعسفية التي أُصدِرت من الجهات الفاعلة في إدلب التي طالت الأرامل وكانت مجحفة بحقهن، إذ أصدرت حكومة الإنقاذ تعميماً في الثالث عشر من كانون الأول من عام ٢٠١٧ يقضي بإلزام كل أرمل بالسكن مع محرم شرعي لها أو بجانبه، وذلك من خلال الانتقال إلى مكان إقامته أو نقله بحسب الإمكانات المتاحة، بذريعة المحافظة عليهن وصونهن من أحاديث الناس، كثير من الأرامل رفضن تطبيق القرار واعترضن عليه بسبب وحدتهن وقسوة حالهن.

وعن ذلك تتحدث أم عمر (39 سنة) التي كابدت عناء النزوح من ريف حماة الشرقي إلى أحد مخيمات أطمة الحدودية وعن رحلة نزوحها تقول ودموعها تملأ عينيها :(فقدت زوجي الذي قضى متأثراً بجراحه بعد إصابة حربية تعرض لها، لأبقى من دون سند أو معيل مع أبنائي الخمسة، اثنين منهم معوقين، قررت النزوح بعد اشتعال المعارك في المنطقة فانتقلت إلى هذا المخيم، نعاني فيه الفقر وافتقاد أدنى متطلبات العيش، ولكنه يظل أفضل من البقاء في العراء).

وتضيف مستنكرة 🙁 إلى أين سأذهب إذا طُبق القرار وأهلي كلهم داخل تركيا ولا أستطيع اللحاق بهم مع أولادي، فليدعونا وشأننا من دون أن يتدخل أحد في حياتي). والجدير بالذكر أن أعداد النساء المعيلات في إدلب تزايدت بعد الحرب إلى 40 في المئة، وفي إحصاء لأعدادهن في بعض القرى والمدن التابعة لمحافظة إدلب وبحسب مجالسها المحلية فإنه بلغ عددهن في مدينة إدلب 6067 امرأة، بينما وصل في مدينة كفرنبل إلى 4000 امرأة، أما في جرجناز فقد تجاوز 287، بينما في احسم فقد بلغ العدد حوالى 200 أرمل والأعداد تتزايد مع استمرار الحرب.

ما زالت الحرب التي تعصف بسوريا تخلف وراءها كثيراً من الأرامل من دون دخل أو عمل، حتى أصبحن عرضة للفقر والعوز في ظل أوضاع اقتصادية صعبة وانعدام فرص العمل والإنتاج، وتراجع في مجالات الحياة كافة.