المرأة هي الضحية؟، زواج السوريات من أجانب مجهولين

وضحة عثمان: صحفية وناشطة اجتماعية

كان للسنوات السبع الماضية التي مرت على سوريا آثار كبيرة انعكست في مظاهر الحياة كلها، فكما أدت الحرب إلى دمار المدن والقرى وإلى دمار البنية الاقتصادية؛ فإن التطورات التي طرأت على الواقع الاجتماعي تركت لدى المجتمع السوري تغيراً واضحاً في جوانب كثيرة ودفعت بالأسرة السورية إلى التشتت تارة من خلال النزوح والتشرد والهجرة القسرية وإلى إعادة التشكل في بعض الأحيان بناء على أطر اجتماعية لم تكن معهودة في سوريا؛ أو ربما كانت محدودة وبنطاق ضيق ولا سيما موضوع الزواج من الأجانب والأجنبيات الذي كان له أثر سلبي وعلى وجه الخصوص الزواج من مجهولي الهوية أو الأسماء المستعارة الذي انتشر انتشاراً كبيراً نتيجة وجود عدد كبير من المقاتلين الأجانب سواء في مناطق سيطرة النظام أم مناطق سيطرة التنظيمات المتشددة، لتدفع نساء سوريات كثيرات وأطفال ولدوا من غير أن يسجلوا حتى الآن الثمن الأكبر.

  • لماذا الزواج من مجهول؟
  • خيار المرأة أم أولياء الامر؟
  • عقود الزواج من مجهول شرعنة للعلاقة الجنسية.
  • أبناء بلا نسب أو هوية.
  • المجلس الإسلامي يحرم الزواج بمجهول النسب.
  • المجتمع يعدّها أزمة ويواجهها بحملة (من زوجك).
  • الخاتمة.

مدخل

ظاهرة زواج السوريات من أجانب ظلت من الظواهر الدخيلة على المجتمع السوري التي لم تلقَ قبولاً إلا لدى شريحة قليلة، كان الدافع الأساس إليها مجموعة من العوامل وفي مقدمتها الأوضاع الصعبة التي مرت بها العائلات السورية من جهة، والتأثر بالمظاهر الحسنة التي اختبأ وراءها طالبوا الزواج من جهة أخرى، والإغراءات المادية لدى شريحة أخرى، وأياً كانت الأسباب فقد تبين في ما بعد أن لحالات الزواج تلك فاتورة كبيرة دفعتها في الأحوال معظمها الأسر التي زوجت بناتها على وجه الخصوص، ولا سيما بعد أن وصل الحال في نهاية المطاف إلى اختفاء الأزواج مخلفين وراءهم زوجاتهم وما لديهن من أطفال، من دون أن يعرفن شيئاً عن أزواجهن نظراً إلى أن كل ما يعرفنه عنهم كان أسماؤهم وألقابهم التي أتوا بها مخفين أسماءهم الحقيقة بحجة الدواعي الأمنية، وكان عدم مقدرة العائلات السورية المغتربة على العودة إلى سوريا لتزويج بناتها للمعارف والأقارب دافعاً إلى تزويجهن في الدول والمناطق التي يوجدون فيها ولم يكن ذلك الزواج أحسن حالاً من الزيجات التي جرت لمجهولي الهوية في داخل سوريا، إذ تعرضت النساء في بلدان المهجر إلى مضايقات كثيرة نتيجة عدم وجود القوانين الكافية التي تضمن للاجئين في بلدان اللجوء حقوقهم على أكمل وجه فكانت هذه العوامل مجتمعة سبباً ما يزال قائماً أمام الأسر السورية من أجل تغيير نظرتها إلى موضوع الزواج، ولا سيما زواج البنات الذي كان مقتصراً على الأقارب والمعارف من أبناء البلد، وفي ظل استمرار واقع السوريين على ما هو عليه فربما يتحول هذا الزواج إلى نمط سائد لدى العائلات السورية وتحديداً التي بدأت شيئاً فشيئاً بالاندماج في المجتمعات التي مضى على وجود السوريين فيها أكثر من خمسة أعوام.

سعاد الخلف مدرِّسة في ريف إدلب الشمالي تحدثت عن الزواج من الأجانب في داخل سوريا قائلة إنه استغلال لواقع المرأة السورية أوقعها في خصومات كثيرة مع رجال الدين من جهة وأولياء الأمور الذين يحاولون الترويج له من جهة أخرى، وتقول سعاد كيف تكون الخطوة الأهم في حياة أي فتاة -وهي بناء الأسرة- مبنية على مجهول وعلى واقع ليس فيه أي عنصر من عناصر بناء الأسرة الصحيحة، فلا مكاناً ثابتاً ولا شخصاً معروف الهوية, من يحمل مسؤولية تلك الزوجة التي سوف تجد نفسها وحيدة مع أطفال ليس لديهم نسب ولا أحد من أهل الزوج؟ يجب محاربة هذه الظاهرة وكل من يشرعن لها فالزواج لا يمكن أن يجري من دون معرفة كاملة بالزوج، وهذا ما لم يكن متاحاً في عدد كبير من الزيجات التي سجلت في أكثر من منطقة.

لماذا الزواج من مجهول؟

إن حالة النزوح الداخلي وتهجير كثير من المدن والبلدات السورية والأوضاع الاقتصادية المتردية التي مرت بها العائلة السورية وازدياد أعداد الأرامل والفتيات في المجتمع السوري وفي مخيمات النزوح والتحديات الصعبة التي يمر بها السوريون، أجبرت عشرات العائلات على تزويج بناتهن من أول الأشخاص الذين يطرقون بابهم، وما تبعها من استغلال الواقع من الشباب الأجانب الذين أتوا للجهاد في سوريا معتمدين على الفتاوى الشرعية التي روجها كثير من رجال الدين وحضت على الزواج المبكر وتعدد الزوجات، ولاقت للأسباب آنفة الذكر قبولاً لدى شريحة كبيرة من السوريين والقاعدة السورية التي تقول بأن ستر الفتاة بيت زوجها، وما رافقها من استقرار مؤقت وانخفاض تكاليف الزواج مقارنة بما كان سائداً في سوريا يسر من أمور الزواج، ويرى المحامي سعد الابرش أن بعض حالات الزواج جرت كأنها صفقة تجارية تلقى الأهل المال مقابل زواج بناتهم من أجانب، غير أن هذا الزواج لم يكن ليخضع لأي ضوابط أو قوانين تحمي حقوق المرأة وأبنائها في المستقبل، لتجد كثيرات من النساء أنفسهن في بيوت أهلهن بعد مدّة من دون أن يتمكنَّ المطالبة حتى بأدنى الحقوق المترتبة على الزوج، بل بعض الحالات انتهت باختفاء الأزواج ولا سيما بعد انتقالهم إلى محافظات أخرى أو اختفائهم عن الوسط بشكل كامل، ونتيجة عدم معرفة أهل الزوجة بأي تفاصيل عن هؤلاء الأزواج انتهى الأمر ببناتهم إلى أرامل فاقدات لأي حق من حقوق الزوجية، المأساة الكبرى كانت لدى النساء اللواتي أنجبن أبناء.

 يقول (س.ع) اضطرتني الأوضاع إلى تزويج ابنتي من مهاجر مصري وابنة أخي من مهاجر روسي فأنا أب لخمس بنات وأكفل ثلاثاً من بنات أخي بعد استشهاد أبيهم، نزحنا من قريتنا إلى منطقة الغاب في ريف إدلب فلم يعد بمقدوري تزويجهن من أقاربي أو معارفي ولم أعد قادراً على القيام بأعبائهن المادية، فلم يكن أمامي إلا تزويجهن غير أني لم أكن أتوقع أن تكون النتيجة عودتهن بعد مدّة قصيرة وأنا لا أعرف شيئاً عن أزواجهن الذين تعددت الأنباء بين مقتلهم أو انتقالهم إلى شرق سوريا لأنهم عناصر من تنظيم الدولة.

خيار المرأة أم أولياء الأمر؟

في حالات الزواج معظمها التي جرت في الشمال السوري لم تكن المرأة أو الفتاة صاحبة الخيار، إذ جرت العادة في الأسر السورية معظمها أن يكون الأهل هم المسؤولون عن تزويج بناتهم، وكانت هذه الحالات معظمها بدافع المال أو دافع التأثر بالأفكار التي بثتها التنظيمات الغريبة ذات الأيديولوجيات الدينية في المنطقة، ليعتبر الآباء أن تزويجهم لبناتهم واجب ديني من منطلق الستر عليهن، وكان في حالات أخرى بهدف التقرب إلى هذه التنظيمات التي أصبحت المسيطر وصاحب القوة في المناطق التي يوجدون فيها.

تقول (ق. ل) كنا ننظر إلى المقاتلين على أنهم نماذج من الأخلاق، إذ إنهم تركوا أوطانهم وجاؤوا للقتال إلى جانب الشعب السوري في حربه ضد النظام المجرم، غير أن هذا الأمر لم يكن بالحد الذي ظنناه، فما إن تقدم لي أحد الأشخاص إلا أن وافقت العائلة كلها على هذا الخيار ولم نكلفه أي شيء بافتراض أنه رجل مهاجر ولا يملك من نفقات الزواج إلا ما تيسير، بل ساعده أبي في النفقات معظمها، ثم بعد مدّة قصيرة من زواجنا قال لي إن لديه مهمة وأنه مضطر إلى السفر إلى منطقة أخرى وسيعود لأخذي حين يتدبر أموره هناك، ولم أكن أعرف عنه إلا أنه من تونس وأن اسمه عمر وبعد ذهابه بمدّة قصيرة استمر تواصلنا على الوتس أب ثم أغلق رقمه بعد ذلك وانقطع التواصل معه ولم أعرف عنه منذ ذلك اليوم شيئاً.

وما يزيد من ألم (ق. ل) أن ابنتها الوحيدة التي ولدتها بعد اختفاء زوجها لا تعرف إلى من تنسبها فهي لا تعرف شيئاً عن أبيها أهو حي أم قتل، وهل من الممكن أن تراه أم لا، ولا تعرف ما هو الخيار الذي ستفعله في ما يخص ابنتها ولا سيما عندما تكبر وتسألها عن أبيها.

(ق. ل) تعتبر أن هذا الزواج من الأخطاء القاتلة التي ارتكبتها في حياتها ولا تتمنى لأي فتاة مهما كانت أوضاعها أن تقع في مثلها، وتقول يكفيني أني كنت أشعر نفسي سبية رخيصة قدمت نفسي بنفسي، ويحز في نفسي أكثر شعوري أمام ابنتي التي ستكبر يوماً وتسألني عن أبيها ولا أملك لها جواباً.

عقود الزواج من مجهول شرعنة للعلاقة الجنسية

لا يحمل المقاتلون أوراقاً ثبوتية لشخصياتهم، يحملون ألقاباً فقط ولا يعلم أحد أسماءهم الصريحة ولا أي تفاصيل عنهم، ومن ثم فإن عقود الزواج باطلة وارتباطهم بزوجاتهم لا يكون إلا إشباعاً لرغباتهم، ثم ما إن ينتقل إلى منطقة أخرى حتى يترك زوجته من غير أن يخبرها أو يطلقها ويذهب باحثاً باسم آخر عن زوجة أخرى، رشا عبد الرحمن باحثة اجتماعية وناشطة في ريف إدلب تقول سكان ريف إدلب الجنوبي يرفضون قطعياً تزويج بناتهم من المقاتلين الأجانب ويعدّون هذا النوع من الزواج وصمة عار تلحق بالعائلات التي زوجت بناتها لهم، وينظرون إلى هذا الزواج على أنه إعطاء شرعية للمقاتلين من أجل إقامة علاقات جنسية وليس الهدف منه بناء أسرة صحيحة، فهناك حالات كثيرة تثبت أن الهدف منها تلبية الحاجات الجنسية لهؤلاء المقاتلين.

كانت ريم التي تعمل ممرضة في مستشفى ميداني ضحية لهذا النوع من الزواج وبدأت قصتها بزواجها من مهاجر روسي استمرت العلاقة إلى أن جاءت زوجته من روسيا، وكانت ريم قد أنجبت منه طفلاً ثم بدأ يتغير في تعامله معها كلياً، وأصبح يسيء إليها باستمرار ثم استطاع وزوجته الروسية أن يأخذا الطفل منها ولم تعد تعرف عنهم أي شيء إلا أخباراً تفيد بعودتهما إلى روسيا.

وترى ريم أن هذا الزواج كان جريمة في حقها ستدفع ثمنها مدى الحياة، معتبرة أن المرأة ليست إلا كالمنزل المستأجر يأتيه المستأجر متى رغب ثم ينتقل منه متى شاء، أضف إلى ذلك ما تشعر أنها دفعته من نفسها ومن فقدان ولدها الذي لا تظن أنها ستلتقي به في يوم من الأيام.

أبناء بلا نسب أو هوية

من أكثر المشكلات التي نتجت من الزواج من مجهولي الهوية الأطفال الذين بقوا من غير قيود ولا سيما بعد اختفاء آبائهم أو مقتلهم، فحالات الزواج معظمها نتج منها أطفال وبقي هؤلاء الأطفال مجهولي النسب في الشرع والقانون، وتتحدث الإحصاءات المحلية عن وجود 1735 حالة زواج من بينهم 1142 حالة أنجبت أطفالاً، ليبلغ عدد الأطفال نحو 1850 طفلاً بلا أي أوراق قانونية تبثت انتماءهم إلا إلى أمهاتهم، والقسم الأكبر لا يعرف شيئاً عن آبائهم بسبب مقتل بعضهم واختفاء بعضهم الآخر، وهذه المشكلة ستتفاقم مع الأيام عندما يكبر هؤلاء الأطفال فبحسب الشريعة الإسلامية ينسَب الأطفال إلى آبائهم، وهذا الأمر لم يعد متاحاً في هذه الحالات ما سينعكس سلباً على هؤلاء الأطفال وسيكون كارثة أمامهم في المستقبل، والمحاكم القانونية التي تعمل في المناطق السورية غير قادرة على تسجيل هؤلاء الأبناء نظراً إلى غياب بيانات آبائهم، وبحسب المصادر المحلية فإن الأعداد الحقيقة للأطفال الذين يعانون هذه المشكلة تفوق كثيراً ما جرى توثيقه، إذ إن عشرات الأسر تتكتم على وجود هؤلاء الأطفال.

المجلس الإسلامي يحرم الزواج من مجهولي النسب

في ظل غياب المرجعيات الدينية والقانونية في المناطق المحررة أصبح لمروجي هذا الزواج مقدرة كبيرة على تسويق أفكارهم، إذ إن أغلب الناس لا يملكون خبرة دينية أو قانونية تمكنهم معرفة العقبات والمعوقات التي تترتب على هذا النوع من الزواج، غير أن بعض الهيئات والجهات القانونية والشرعية تنبهت في وقت متأخر إلى حجم الكارثة التي تترتب عليه، وبادرت إلى القيام بحملات توعية تشير إلى خطورة الزواج من مجهولي النسب، عمل مجلس الإفتاء التابع للمجلس الإسلامي السوري على إصدار فتوى في هذه القضية وجاء فيها (لا يجوز لولي الأمر تزويج الفتاة من رجل يخفي اسمه ونسبه لما يترتب على ذلك من أضرار ومفاسد شرعية واجتماعية، وكذلك لمخالفته مقاصد الشريعة في المحافظة على الأعراض واستقرار المجتمع).

المجتمع يعدّها أزمة ويواجهها بحملة (من زوجك)

تنبه المجتمع إلى المخاطر الكبيرة التي ترتبت على هذا الزواج وحاول عبر فاعلياته المدنية والاجتماعية العمل للحد من انتشار هذه الظاهرة في سوريا، فأطلق عدداً من حملات التوعية التي ساهمت في توضيح المخاطر المترتبة على ذلك في تفكك المجتمع والآثار السلبية الكبيرة على المرأة والأطفال، وكانت حملة من زوجك واحدة من أشهر الحملات التي انطلقت في الشمال السوري، ويقول عاصم زيدان المنسق الإعلامي للحملة: (نظراً إلى انتشار ظاهرة زواج السوريات من مقاتلين أجانب في مناطق سيطرة التنظيمات التي يوجد فيها هؤلاء المقاتلون، وتزايد عدد الحالات بصورة ملحوظة، قررنا نحن مجموعة من الناشطين المدنيين والإعلاميين والحقوقيين إطلاق حملة توعوية باسم (مين زوجك؟) للحد من انتشار الظاهرة). شارك في الحملة ناشطون مدنيون وبعض مراكز دعم المرأة والمنظمات المهتمة بشؤون المرأة ومحامون من نقابة المحامين الأحرار، وبدأ فريق الحملة عمله بإحصاء عدد الحالات في منطقة عمل الحملة في (إدلب وريفها، ريف حماه الشمالي والغربي، ريف حلب الغربي)، تبع ذلك جلسات تركيز من ناشطات في المجال المدني ومدافعات عن حقوق المرأة ومختصات في علم النفس في مراكز دعم المرأة في بعض مناطق عمل الحملة. وأردف الفريق كل ما سبق بحملة توعوية من خلال توزيع بوسترات وبروشورات تحذر من مخاطر هذا الزواج، وما يعكسه من سلبيات على المجتمع السوري عموماً وعلى عائلات تلك الزوجات خصوصاً. وحملة إعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي وقنوات التلفزيون والراديوهات والصحف. لاقت الحملة قبولاً كبيراً من المجتمع في منطقة عمل الحملة ولاقت رواجاً كبيراً في وسائل التواصل الاجتماعي حتى وصلت إلى العالمية. من خلال متابعة عمل الفريق لوحظ بشكل كبير الحد من انتشار الظاهرة، والآن يعمل الفريق ما بوسعه لاستكمال عمله وتوسيع نشاطه واستهداف الأطفال الذين نتجوا من هذا الزواج. قرابة ثلث الفريق من العنصر النسائي.


هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.