المعادلات الجيوبوليتيكية شرق الفرات (التحديات والممكنات)

د.جمال الشوفي

طوال السنوات الثمانية الماضية تغيرت المعادلات السياسية شرق القرات مرات عدة، بدءاً من تراجع سيطرة النظام عن مساحاته الواسعة واكتفائه بمربعات امنية هنا وهناك، إلى تمدد فصائل المعارضة السورية فيه حتى شملت مناطق واسعة منه بين دير الزور والرقة في بدايات عام 2013، إلى أن ابتلت المنطقة معظمها بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في أواخر عام 2013، ليصبح نقطة استهداف رئيسة لقوى التحالف الدولي بقيادة أمريكا، ويتحول لاحقاً إلى سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الكردية المدعومة أمريكياً بشكل رئيس بعد تحرير معظمها من قوى داعش، وتعيد إنتاج سياستها المحلية بتوافق كردي عربي تمثل في مجلس سوريا الديمقراطية (مسد).

يأتي اليوم قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من سوريا بموجة من التناقضات والتباينات والإرباك أيضاً في مجمل الأوساط العسكرية والسياسية الفاعلة في سوريا، إذ تذهب كثير من التوقعات إلى سؤال مهم مفاده من سيملأ الفراغ الأمريكي؟ ليبقى السؤال معلقاً بين تنازعات متعددة تركية وإيرانية ويرقب المشهد عن قرب الروس وتصبح كامل المنطقة عرضة لمعادلات جيوبوليتيكية وجيوعسكرية من جديد يدفع ثمنها السوريون مرة أخرى.

في سياق الدراسة الحالية ثمة سؤال ضروري، لا حول اقتصاد المنطقة الغنية بثرواتها من البترول والغاز والأرض الزراعية الخصبة فقط، بل هل يمكن عكس مسارات التحول الجيوبوليتيكي في سياق المسألة الوطنية؟ وبالضرورة هل يمكن الاستفادة من التناقض بين المشروعين الروسي ومحوريه التركي والإيراني وفق تفاهمات آستانة، والمشروع الأمريكي، وبالضرورة إمكان إقامة تقارب وطني بين القوى الكردية والعربية في المنطقة مع مثيلاتها السورية تؤدي إلى تفاهمات مرحلية ضرورية في سياق المشروع الوطني السوري؟ أم ستبقى المنطقة، كما كامل الأرض السورية رهينة المعادلات الجيوبولتيكية الشائنة؟

مقدمة

شرق الفرات السوري الذي يضم ثلاث محافظات هي الرقة ودير الزور والحسكة، كان أحد أهم المحاور الرئيسة في كثافة الصراع الدولي والإقليمي. تباينت فيه المعادلات الجيوبولتيتكية مرات عدة بين مجموعة من التحالفات السياسية العسكرية سواء تلك المتمحورة حول أمريكيا أم تلك المتمحورة حول روسيا وذلك بأذرع الفاعلين فيها على الأرض من عرب وكرد، وقوى متعددة الأعراق والانتماءات من شركس وتركمان وغيرهم؛ وذلك بعد انحراف البوصلة الوطنية العامة ومشروع إنتاج الدولة العصرية وتحول كامل الجغرافية السورية إلى موضوعة صراعات دولية وإقليمية تهدد بانفجار كامل المنطقة من جهة، وتكاد تقرض آخر الفرص الممكنة لمشروع وطني بدايته هي التغيير الديمقراطي.

في دراسة موسعة سابقة نشرت على موقع مركز حرمون للدراسات[1]، حددت المرجعية العامة للجيبوليتيكا الروسية ومرجعيتها النظرية في ما يسمى بالنظرية السياسية الرابعة لمؤلفه ألكسندر دوغين[2] ومن خلفه مركز كاتخيون للدراسات الذي حدد على أساسه الآلية السياسية لاستعادة روسيا موقعها العالمي باستعادتها مركزية توازنها في محيطها الحيوي بين آسيا وأوروبا المسماة “أوراسيا”. ومن المفيد هنا التنبيه للقول إن نتائج هذه الدراسات تعدّ مجازفة سياسية وفكرية معاً، وذلك لأن الدراسات الجيبوليتيكة عُدّت شائنة مدّة طويلة من الزمن، إذ كانت العامل الأساس في إشعال حربين عالميتين كارثيتين من جهة، ومن جهة أخرى تقوم على دمج النزعة العنصرية التوسعية للدولة على حساب الجغرافية البشرية والتنوع السكاني واستقرار الدول الصغرى، ما أسماه دوغين بالأماد الصغرى[3]، بعنوان عريض مواجهة الجيبوليتيكا الأمريكية في العصر الحديث كما سوّغتها السياسة الروسية العنصرية اليوم من خلال سوريا التي هي موضوع دراساتنا الحالية العامة وشرق الفرات بخاصة.

المسألة السورية اليوم باتت وفقاً لمجريات الأرض العامة طوال ثماني سنوات خلت، وللخلفية الجيوبوليتيكة والتحالفات القائمة فيها، باتت مسألة عالمية كبرى، تحاول الأطراف الفاعلة الرئيسة فيها الاستفادة الكبرى منها في الموقع العالمي بين تنازع الهيمنة الكلية العالمية الأمريكية وحجز الروس موقعها العالمي على حساب سوريا ومشروع دولتها الوطنية؛ وتبدو منطقة شرق الفرات السورية إحدى أهم مواقعها اليوم وأكثرها تعقيداً، وما ستفضي إليه من مسارات وحلول قد يكون أحد أهم مؤشرات المرحلة المقبلة على الحالة السورية وسياقها.

في توزع المسارات الجيوبولتيكية

لا أحد يستطيع التكهن بآليات التغير في سياسة البلدين الخطيرين روسيا وأمريكا في المنطقة، وبخاصة أن بوتين الروسي يسعى لفرض نفسه في المقدمة العالمية، وترامب يمتهن القدرات المالية وجنيها العالمي الكبير، لكن أهم مؤشرات المنطقة وأوضحها اليوم في خطوط التماس المربكة بين البلدين التي كنا قد أشرنا إليها، ككثير من التوقعات السياسية العالمية، هو تجنب الصدام المباشر بينهما وخطورته العالمية، هذا مع اتفاق كليهما على تقاسم النفوذ العالمي في المنطقة. من هنا يبرز الرهان في شرق الفرات على كسب إقليمي متمثل في تركيا وايران، ومحلي متمثل في مكونات المنطقة من عرب وكرد.

ففي المسارات الحالية في منطقة محدودة من سوريا، تمثل نقطة التقاء جغرافي مهم بين تركيا وإيران عبر العراق بوساطة روسية من جهة، وموقع استراتيجي مهم للولايات المتحدة الأمريكية في فصل هذا الطريق، إضافة إلى غناه بالثروات الباطنية كالغاز والبترول والزراعة، تتعدد المسارات الجيبوليتيكية فيه.

الولايات المتحدة الأمريكية منذ بدأ الثورة السورية، عملت وفق خطوط متوازية في إدارة المسألة السورية بطريقة التحكم عن بعد، والتدخل المباشر المحدود عند لزوم الأمر، وربما تحتاج هذه النقطة إلى دراسات وأبحاث موسعة تتعلق بالاستراتيجية الأمريكية عموماً وآليات عملها في الشرق الأوسط وسوريا بعد العراق التي –ربما- تبدأ من كتاب “العالم كما هو” لبن رودس، مستشار الأمن القومي الأمريكي في مرحلة حكم باراك أوباما وموقفه من الربيع العربي فـ(السياسات الأمريكية لا علاقة لها وأنها غير مؤثرة في ما يحدث وكأن الشرق الأوسط “بتركيبته القبلية” غير قابل للإصلاح أو الديمقراطية)[4].

ومع هذا ذهبت الولايات المتحدة باتجاه تثبيت قواعد عسكرية لها في سوريا تجاوزت عشر قواعد في منطقة محدودة تشمل جغرافيا شرق الفرات السوري[5]، بما يضمن تفرد القوة الفاعلة فيه من الأكراد السوريين الذين شكلوا بداية قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لتتطور لاحقاً إلى مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) الذي مثل في هيئة سياسية تبحث في اللامركزية الإدارية وإمكانية الإدارة الذاتية للمنطقة بدعم أمريكي وتفاهم مع الروس والسلطة الحاكمة في سوريا؛ تلك التي رأى فيها عدد من المحللين والباحثين فائدة للكرد بخاصة وسوريا بعامة تضمن عدم عودة المركزية المطلقة إلى النظام كما أوردها معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (يمكن للولايات المتحدة المساهمة في إرساء نظام فدرالي في عموم سوريا وإقامة حكم ذاتي كردي في الشمال والشمال الشرقي ضمن إقليم اتحادي؛ لن يصب فقط، في مصلحة الولايات المتحدة والأكراد؛ بل سيصب أيضاً في مصلحة المكونات العرقية الأخرى، يضمن عدم عودة الدكتاتورية وسلطة الدولة المركزية)[6].

ولليوم لم تكلل مساعيهم بالنجاح في تحقيق أدنى شروط الاستقرار في ذلك، وبخاصة مع وجود مؤشرات التخلي عن الدعم الأمريكي غير المحدود المتوقع، بعد قرار الانسحاب الذي أقره ترامب مؤخراً في أواخر عام 2018 وبدايات هذا العام.

فعلى الرغم من تباين التصريحات الأمريكية حوله مرة بالانسحاب الكلي، ومرة بضرورة التخلي عنه وإقامة منطقة آمنة في الشمال السوري، وأخرى بجدولته زمنياً بالترافق مع إنهاء داعش كلياً من المنطقة، إذ صرح ترامب بحسب رويترز (إن الولايات المتحدة ستسحب قواتها من سوريا “على مدى مدة من الوقت” وأضاف في البيت الأبيض، أنه “لم يحدد أبداً 4 أشهر جدولاً زمنياً” للانسحاب)[7].

اليوم لمحض التلويح بالغياب الأمريكي، تقع كامل المنطقة في ارتباك متعدد الاتجاهات:

  • فـ”مسد” تجد نفسها بلا سند فعلي، أعلنته وصرحت به على العلن، وعلى لسان رياض درار الذي صرح من باريس، إذ إن قسد لا يمكنها مواجهة جيوش منظمة كالجيوش التركية التي تعتزم دخول شرق الفرات بعد الانسحاب الأمريكي الكامل.
  • تركيا، التي تحاول المحافظة على موقعها الجيوسياسي بالقرب من أمريكا وروسيا معاً من دون خلافات جذرية مع كليهما. فقد شابت العلاقات بين الترك والأمريكان كثير من الاختلافات، سواء بعد محاولات الانقلاب العسكري صيف 2016 الذي لم تزل تركيا تدين أمريكا فيه باحتضانها لفتح الله غولن المتهم الرئيس من أردوغان بالتخطيط له؛ كما بمضيها باتجاه التقارب الروسي وتنفيذ عدد من التفاهمات معها بخصوص الترتيبات الجيوبوليتيكية التي أبرمتها معها في ما يتعلق بتوزيع السيطرة العسكرية الجغرافية على واقع الشمال السوري من خلال ملفات آستانة المتعاقبة التي كان آخرها لقاء سوتشي بين بوتين وأردوغان في أواخر عام 2018 حول موضوع إدلب وشمال حلب ومنع تقدم النظام وميليشياته الحليفة من دخولها، الاتفاق الذي رحبت به أمريكا كثيراً، ودعت إلى التمسك به. ترافق هذا مع محاولات أمريكية عدة للتفاهم مع الأتراك في مسألة منبج والوجود الكردي فيها، كما شرق الفرات، وعقدها صفقة لبيع أسلحة باتريوت[8] لها بديلاً لصفقة S-300/400 الروسية، لتأتي أخيراً موضوعة التنسيق الكبرى بين الدولتين الأمريكية والتركية حول كامل منطقة شرق الفرات ومنبج أيضاً.
  • إيران التي تحاول التمسك بمنفذ بري لها إلى العمق السوري، بعد تشديد التفاهمات الدولية الأمريكية الروسية الإسرائيلية حول ضرورة إخراجها من سوريا، مع قدرتها على التمرجح حول الوجود الروسي والاستفادة منه بعد تغللها في قوات النظام الكبير، ما يجعلها تمتلك قدرة على المناورة بضرورة بقاء قواتها البرية سنداً برياً للقوات الروسية، لكنه غير كاف ما لم تلتزم بخطوط التفاهمات الدولية بشأنه، ما يجعل الروس يغضون النظر عن ضرب تمركز قواتها في سوريا في دمشق وجنوبها من سلاح الجو الإسرائيلي، هذا عدا خلافهما في مواقع السيطرة على الأرض مع الروس. لتأتي فرصة الفراغ الأمريكي شرق الفرات فرصة سانحة للهيمنة على منفذ بري عريض عبر البوكمال ودير الزور مستفيدة من مقولة الجيوبوليتيك الروسي بضرورة وصل آسيا بأوروبا عبر اتفاقات آستانة التي ربطت ايران بتركيا عبر روسيا من خلال سوريا، وكان هذا عنوان تصريح عريض لمركز كاتخيون للدراسات عند معركة كسب البوكمال 2017 واستكمال الطريق البري عبرها من موسكو إلى بيروت (البوكمال هي النقطة الاستراتيجية التي يجب أن يصل الجيش السوري إليها لفتح بولفار موسكو، طهران بغداد، دمشق بيروت. وهو من الممرّات القوية التي تلجم العدوانية الأمريكية بأساليب عسكرية واقتصادية وسياسية، لأنّ بوسعه تطوير حركة اقتصادية كونيّة تجعل من سكك حديد موسكو وخطوط المترو فيها تصل إلى بيروت، بعد اجتيازها الخطوط الحليفة)[9]. واليوم تحاول ما يسمى بالقوات الرديفة والميليشات الإيرانية حشد صفوفها في جوار المنطقة القريبة من منبج، في محاولة ترقب لمفعولات القرار الأمريكي ما قد ينذر بتوريط الجميع في حرب متعددة الأطراف فيها.

الجانب الروسي رمم خلافاته مع الأتراك بعد إسقاط الطائرة الروسية في أوائل حملته على سوريا، واستفاد جيوبوليتيكاً من خلافها مع الأمريكان، ليمرر سياسياته المتعلقة بسوريا وفق مرجعيته النظرية في إقامة ما يسمى أوراسيا بحسب دوغين ذاته، متجهة إلى تمتين الاتفاق الروسي/ التركي عبر مفعولات اقتصادية عدة منها سياحية ومنها مد خطوط الغاز الأوروبية عبرها بما يعرف باتفاقية “ترك ستريم، أو السيل التركي”[10]، وما تلاها بانضمام تركيا إلى اتفاقات آستانة في بداية عام 2017 بعد معارك حلب الشهيرة التي أفادت عسكرياً بالتمركز الروسي ومن بعده التركي والإيراني في توازع أدوارهم داخل سوريا بعد إضعاف المعارضة السورية عموماً.

اليوم وفي مواجهة موضوعة الفراغ الأمريكي الممكن والمنطقة الآمنه المزمع قيامها، ذهبت روسيا إلى إخماد مفعولات التقارب الأمريكي التركي هذا بطرحها اتفاقية أضنة عام 1998 بين النظام السوري وتركيا كما نشرتها شبكة شام الإخبارية[11] التي تسمح ببنودها -إضافة إلى التخلي عن لواء إسكندرون سورياً- بإمكان دخول تركيا بعمق داخل الأراضي السورية لملاحقة أعضاء حزب العمال الكردي PKK، ما يعطي تركيا مسوّغاً قانونياً لدخولها في العمق السوري لمحاربة الأكراد من جهة، ويعيد فتح الصلات الأمنية وربما السياسية مع النظام بصلة روسية بعد انقطاعها منذ عام 2011.

التحديات الجيوبوليتيكة الروسية الأمريكية

يحاول الطرفان الأمريكي والروسي تجنب الصدام المباشر واستقدام المواليين الإقليمين لهم، في محاولة لتثبيت تحالفاتهم الجيوعسكرية والجيوسياسية، هذا ما يضع تركيا في منطقة اللعب الحذر بعد محاولاتها استعادة موضوعتها السياسية “صفر مشاكل مع الجيران”[✥] التي دفعت بعجلة التنمية الاقتصادية والحركة التجارية والصناعية التركية مترافقة مع نمو وازدهار في الحركة الفنية والثقافية والأدبية حتى اختيرت إسطنبول العاصمة، عاصمة للثقافة الأوروبية عام 2009. اليوم تعود المعادلة إلى الطرح مرة أخرى عبر البوابة الروسية لتحقق من خلالها تركيا أهدافاً عدة:

  • تقويض أي وجود كردي مستقل يشكل خطراً عليها.
  • التخلص من عبء اللاجئين السوريين والعمل على نقلهم إلى الشريط الحدودي السوري.
  • إشغال العسكر التركي خارج الحدود التركية وتصفية الخلافات الداخلية الناجمة عن محاولة الانقلاب الفاشلة.
  • فتح الخطوط الأمنية وربما السياسية لاحقاً مع النظام السوري عبر الوسيط الروسي للتنسيق حول الوضع الكردي أولاً وهيئة تحرير الشام في إدلب ثانياً، وبالضرورة الذهاب بعيداً في الحل السوري الذي مفاده القرار 2254/2015 القاضي بحكومة انتقالية تشمل المعارضة والنظام معاً.
  • البقاء على سياسة عدم العداء لكل من روسيا وأمريكا والاستفادة من أهمية الموقع التركي في المنطقة بعد الانتهاء من ملف الوجود الإيراني العام في سوريا.

التحدي الجيوبوليتيكيي الآخر يكمن في كيفية تقاسم الأدوار في منطقة شرق الفرات، وبخاصة أن كلاً من الأتراك والإيرانيين متفقان على عدم القبول بالوجود الكردي المستقل فيه، ويؤجلان لليوم خلافهما على مواقع السيطرة في العمق السوري بضابط الإيقاع الروسي، وعين كل منهم على الدور الأمريكي المركزي في هذا بصورة رئيسة.

التحدي الأكبر في هذا هو الجانب الكردي وقدرته على التعامل مع اللوحة السورية وفق هذه المتناقضات المتعددة، والأهم من هذا كيفية إرسائه للحلول المحلية مع العرب السوريين في المنطقة ذاتها ومع النظام السوري ايضاً. وسواء تعاملوا مع النظام الحالي أم مع حكومة انتقالية تبدو مسألة الحكم الذاتي، وبحدها الأدنى اللامركزية الإدارية الموسعة والفعلية مطلباً رئيساً للكرد، ما يجعل موضوعة التقارب من كل من قوى المعارضة السورية والنظام معاً موضوعاً بالأهمية ذاتها لهم، وهذا ما يفسر التصريحات المتباينة لإلهام أحمد، رئيسة مسد الحالية، بضرورة التقارب مع النظام بينما رياض درار يحاول من فرنسا طرح حلول مختلفة بالانفتاح على المعارضة السورية و(يمكن أن تكون هناك تفاهمات مع المعارضة لنصبح صفاً واحداً في التفاوض في جنيف، وأن نشارك بالعملية السياسية)[12]، ليبقى التفاهم الروسي الأمريكي هو المقرر في مدى جدية هذه التفاهمات لليوم.

الخاتمة

شرق الفرات تبدو اللوحة الأكثر تعقيداً في المسألة السورية جيوبوليتيكيا ما يجعلها عقدة مركبة الأبعاد سياسياً وعسكرياً، وذلك لكم التداخلات والتباينات فيها بين القوى الموجودة فيه وكل طرف فيها يحاول التنسيق مع آخر ويكن له العداء في الوقت نفسه، الكرد والنظام والميليشات الطائفية الإيرانية، الكرد وفصائل المعارضة السورية، وهذه باتت قيد مفترق طرق بين نوعية الداعمين سواء كانوا تركاً أم أمريكيين، وتبقى كل من داعش والروس في موقع المراقب لمجريات الحدث فيها؛ وبالضرورة وفق اللوحة المعقدة لمعطيات الواقع الحالي ثمة سيناريوهات عدة:

  • تضارب المصالح الكبير في النفوذ والسيطرة وبالضرورة إعلان حرب إقليمية متبدلة التحالفات في زمن قصير عنوانها الأكبر: لا إيران في سوريا، لا حكم ذاتي للأكراد.
  • تبريد الموضوعات العسكرية من روسيا وذلك بالالتفاف على موضوع المنطقة الآمنة[13] بشرعية اتفاقية أضنة، والدفع بمؤتمر جديد للمسألة السورية وفق نموذجها السياسي المؤسس في سوتشي.
  • تكثيف التقارب مزدوج الأطراف: التركي السوري، والسوري الكردي وإنهاء كامل ملفات التفاوض الممكنة حول الحل السوري وفق 2254/2015 وبالضرورة تصفية موضوع إدلب عسكرياً باتفاق روسي تركي سوري.
  • تمتين التقارب الكردي السوري المعارض، والتركي الأوروبي ومنه الأمريكي والدفع بحل سوري عام وفق مرجعية 2254 وتضمين اللامركزية الإدارية فيه كحالة عامة سورية تبدأ خطواتها من شرق الفرات، وهذا ما يحقق اتفاقاً روسياً أمريكياً وبدعم أوروبي مشروط بتوزيع الأدوار الفعلية داخل سوريا، باستثناء إيران، وذلك بعد استغناء روسيا عن ممر البوكمال بممر حلب إدلب إلى العمق السوري، ما يحقق مصلحة مشتركة أمريكية روسية إسرائيلية.

تبقى الخيارات كلها مفتوحة وتنتظر الإشارات الأمريكية وآلية عملها المقبلة في سوريا والشرق الأوسط برمته وفق ماهية اتفاقية القرن وشروطها المزمع الإفصاح عنها قريباً.

يخطر في بال مواطن سوري سؤال مفاده: ماذا لو خُرقت معادلة الاستقطاب الحالية بين مع وضد، خصوصاً بين السوريين الكرد والسوريين في فصائل المعارضة، والتوجه إلى معادلة توافق وحوار وطني ينتج منه في أقل تقدير:

  • تفويت الفرصة على قوى داعش أو الميليشيات الطائفية الإيراينة في محاولة ملء فراغ المنطقة والهيمنة مجدداً عليها.
  • إلغاء مفهوم الحرب والأخذ السياسي بالقوة العسكرية الويلات ذاتها والتبعات الجسام على كامل المنطقة.
  • تضيف حلقة مهمة في مسألة إمكانية تحقيق الحوار السوري بشعار المصلحة السورية أولاً، وضرورة الانتقال من الخصوصيات المحلية الحاكمة العرقية، إلى الهوية العامة الممكنة وضرورة البحث في الانتقال السياسي الديمقراطي العام السوري.

ليبقى هذا المحور هو السؤال السياسي الأبرز على كامل الخريطة السورية الذي وإن كانت كل من روسيا وأمريكا هما اللاعبان الأساس في تقرير مصيره بحكم القوة، يمكن للسورين تفعيله وتغليب جهة على حساب أخرى فيها، هذا ما أخذنا بالحسبان في المسألة التركية والحدود الشمالية السورية وموضوعة الكرد فيها، وبخاصة أن تركيا تسعى لإعادة سياستها “صفر مشاكل مع الجيران”، ما قد يساهم في وقف استنزاف الحل السوري العام ومنطقة شرق الفرات بالخصوص الغنية ببترولها وغازها وموقعها الجيوسياسي المهم للامتداد الإيراني البري داخل سوريا الذي بات موضع العقدة في السياسة الدولية وبخاصة الأمريكية/ الروسية.


المراجع

[✥] صفر مشاكل سياسة اعتمدها حزب العدالة والتنمية منذ توليه الحكم التركي أوائل هذا القرن التي “بدأت بكثير من المصالحات في الداخل التركي مع التركمان والجيش ونبذ خطاب الكراهية الديني والالتزام بعدم الاقتراب من المؤسسة العسكرية التي أسسها أتاتورك سابقاً، ليتفرغ للعمل الاقتصادي والسياسي مع دول الجوار بالعقلية والدينامية ذاتها، ليسوي كامل خلافات تركيا مع محيطها الحيوي، ويقيم أفضل العلاقات الاقتصادية فيها، سواء مع الدول الآسيوية الشرقية وبوابتها سوريا والعراق وإيران، ومع الدول الآسيوية الغربية الناتجة عن تفكك الاتحاد السوفياتي السابق، والذهاب غرباً باتجاه تحسين العلاقات مع الدول الأوروبية.

[1] -جمال الشوفي، جيوبوليتيكا الدوائر المتقاطعة: سوريا في عالم متغول، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 3/2018.

[2]– Alexander Dugin, “The Fourth Political Theory”, Translated by: Mark Sleboda & Michael Millerman, ARKTOS MEDIA LTD, London, 2012.

-[3] ألكسندر دوغين، “المشاكل الجيوبولتيكية وقوانين المدى الكبير والعولمة والمفارقة الروسية”، مركز كاتخيون للدراسات، 14/10/2016.

[4] -ابتسام عازم، عالم بارك أوباما كما هو بعيون بن رودس، العربي الجديد، 22/6/2018.

[5]https://arabi21.com/…/موسكو-تكشف-عدد-القواعد-الأمريكية-بسوريا

[6] – زارا صالح، فائدة حكم ذاتي كردي في سوريا، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 21/2/2018.

[7]https://www.skynewsarabia.com/middle-east

[8]https://arabic.rt.com/world/989772

[9] – مركز كاتخيون للدراسات، الطريق إلى سوتشي يمر من البوكمال، 3/11/2017.

[10]https://www.turkey-post.net/p-162818/

[11]http://www.shaam.org/news/syria-news/

[12]https://www.alsouria.net/content/

[13]http://www.syriahr.com/?p=302788


هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.