المعارض «سليمي» يفضح النفوذ الإيراني في كردستان العراق عبر بوابة السليمانية

روحاني وبرهام صالح

هيئة التحرير

كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، في تقرير لها، أواخر 2019 عن وثائق مسربة للاستخبارات الإيرانية، التي جاءت في 700 صفحة، تتحدث عن مخططات طهران للتوسع على الصعيد الإقليمي ومخططاتها الكبيرة داخل العراق، من أجل بسط نفوذها عن طريق الجواسيس والموالين لها داخل المؤسسات العراقية المختلفة، التسريبات المهمة نشرها أولاً موقع «إنترسبت» الأمريكي، ومن ثم قامت «نيويورك تايمز» بعرضها لاحقاً. ونظراً لضخامة التسريبات شارك في كتابة التقرير أكثر من صحفي لإلقاء الضوء على الحرب والعمليات السرية لإيران في مختلف دول المنطقة وخاصة العراق وسوريا ولبنان واليمن، بالإضافة لخفايا الصراع الدائر في المؤسسات الأمنية الإيرانية ذاتها. وعلى الرغم من نشرها لم تصل جميع الجهات التي نشرت التقرير لمصدر التسريب الرئيس.

كردستان ليست بمنأى

في التقرير الذي بين أيدينا، نسلط الضوء على إحدى تلك الجزئيات، ولكن من بوابة كردستان العراق، التي هي الأخرى لم تفلت من جواسيس إيران وأعمالها الإرهابية، وفق شهادات نشطاء حقوقيين في الإقليم الكردي وفق تقرير لموقع «صوت أمريكا» وأعاد نشره وتسليط الضور عليه موقع «الحرة» تحت عنوان «أقتل نفسي ولا تسلموني لإيران… كيف توسع نفوذ طهران في إقليم كردستان؟» بعد إثارة قضية المعارض السياسي الكردي الذي فرَّ من السجن مع عشرات السجناء الآخرين بعد أعمال شغب في مدينة «سقز» الإيرانية لتجنب الإصابة بالفيروس التاجي؛ ولجأ إلى إحدى المدن الكردستانية التي تحت سيطرة الطرف الكردي الآخر المشارك في رئاسة الإقليم ونقصد به حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي كان يرأسه سابقاً الرئيس العراقي الأسبق جلال الطالباني، خاصة وأن كردستان العراق استقبلت في السنوات الأخيرة المئات من قادة المعارضة الكردية من الأجزاء الأخرى.

تفاصيل اللجوء الحزينة

يعرض التقرير مأساة المعارض الكردي «مصطفى سليمي، آخر ضحايا طهران، في الجزء الكردي من العراق، الذي اعتقد أنه سيكون بعيداً عن النظام القضائي الإيراني سيئ السمعة، بمجرد وصوله إلى مناطق أبناء جلدته، إلا أن ظنه لم يكن في محله، وإقامته القصيرة لم تدم طويلاً هناك، عندما اعتقلته قوات الأمن الكردية المحلية، ورحلته إلى إيران، ليتم إعدامه بسرعة، ودون أيّة محاكمات الشهر الماضي.

وفق التقرير، فإنه اختار الذهاب إلى أحد المساجد عند وصوله إلى محافظة السليمانية، لكن بعد ثلاثة أيام فقط، اعتقلته قوات الأمن المحلية، التابعة لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وبطريقة مخادعة قيل له إنها مجرد إجراءات تتخذ مع أي زائر بسبب قرار الحجر الإلزامي ضد الفيروسات التاجية، إلا أنها خانت العهد وفي غضون ساعات، تم تسليمه إلى إيران، دون أيّ حساب لخطورة هذا التصرّف على حياته، خاصة وأن محكوم بالسجن 17 عاماً لاتهامه «بشن حرب ضد الله»، بصفته عضواً في جماعة كردية إيرانية مسلحة.

نفي لم يقتنع به أحد

على الرغم من التأكيدات على التي جاءت على لسان أفراد من عائلته، من سماح القضاء الإيراني لهم بمقابلته قبل تنفيذ عملية الإعدام، وإعطائه تفاصيل عملية فراره ومن ثم تسليمه، نفى مسؤول في الاتحاد الوطني الكردستاني أن يكون «سليمي» قد عبر إلى كردستان العراق، وقال «سعدي أحمد بيرا»، أحد كبار قادة الحزب: إنه «لم يزر كردستان العراق على الإطلاق»، حسب تصريحاته لـ«صوت أمريكا»، والتي كانت مختلفة عن رواية الأهل الذي قالوا بدورهم إن «سليمي» ناشد ضباط الأمن الأكراد بعدم تسليمه لطهران، وقال لهم بالحرف: «اسمحوا لي أن أقتل نفسي، لكن لا تسلموني إلى إيران».

لا أمان مع الوجود الإيراني

تقول المنظمات الحقوقية العاملة في الإقليم، إنه ومنذ عام 2016، واجه أكثر من 12 لاجئاً إيرانياً تهديدات بالقتل والاعتداء الجسدي ومحاولات الاختطاف والاغتيال في كردستان، بالإضافة لحرب الإيران المستمرّة المعارضة الكردية الإيرانية التي اختارت الحدود الفاصلة بين الجهتين ملجأً لها، والتي تتلقى بين الفينة والأخرى عشرات الصواريخ على مقراتها، ومعظمها تنتمي للحزب الديمقراطي الكردستاني، وحزب «كوملة» إيران، الأكثر شعبية واللذين يرى في نفسهما ممثلين لأكثر من خمسة ملايين كردي إيراني.

من جانبها؛ قالت نائبة رئيس لجنة حقوق الإنسان في برلمان كردستان، «كوليستان محمد»، للموقع ذاته: «لا تبت المحاكم بأيّ شكل من الأشكال بهذه القضايا»، موضحة أنه «ليس لدي أيّ أمل حقاً في أن تقوم المحاكم بعملها، وأن يكون القانون فوقنا جميعاً في الواقع، لا المحاكم ولا القضاة مستقلون هنا».

أذرع إيران

يؤكد المحللون والمختصون بالشؤون الإيرانية، أن ما تقوم به طهران ليس غريباً، لا بل من ضمن سياساتها ومخططاتها الإرهابية في المنطقة، وما يسمح لها بذلك التوّسع والنفوذ في العراق ككل، رغم العلاقة الجيدة التي تربط قيادة إقليم كردستان العراق بالولايات المتحدة. فيما يفسرها الباحث في جامعة بنسلفانيا الدكتور محمد صالح، أن ذلك «يرجع إلى أسلحة إيران المختلفة في المنطقة وضغوطها على السلطات المحلية».

تجدر الإشارة هنا إلى أن إقليم كردستان يحكمه حزبان رئيسان يشتركان في القوى السياسية والعسكرية، حيث يسيطر الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يرأسه مسعود البارزاني، بشكل كبير على مدن مثل أربيل ودهوك، في حين يعتبر الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يرأسه كلاً من بافل جلال الطالباني، نجل الرئيس العراقي الراحل، ولاهور شيخ جنكي، كرئيسين مشتركين للحزب، والذي يسيطر على محافظة السليمانية، التي تعتبر معقلاً لنفوذ إيران، ويوجد بين الحزبين توترات طويلة الأمد حول التأثير والإيرادات، رغم التفاهم والاتفاق الظاهري بينهما.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©