“النطاف المهربة”.. فرصة الأسرى الفلسطينيين للإنجاب

تبقى روح الأمل والتفاؤل حاضرة في نفوس الأسرى الفلسطينيين القابعين خلف جدار الأسر خاصة منهم ذوي الأحكام العالية والمؤبدة، وذلك في ظل إصرارهم على كسر جبروت السجان رغم كل محاولات التنكيل والحرمان بحقهم, فسنوات الأسر الطوال لم تفلح فيقطع أنسال أعداد من الأسرى، ولا بحقهم في الإنجاب كغيرهم من باقي البشر،الذين تركوا زوجاتهم في ريعان أعمارهن,،حيث باتت عمليات تهريب النطاف والإنجاب من داخل عتمات السجون رغم الإجراءات والعقوبات، إنتصاراً معنوياً يتمتع به الأسرى,،حاملين روح الأمل متجاوزين قسوة السجن والسجان، وبحسب مركز أسرى فلسطين للدراسات، فإن حوالي 62 أسيراً نجحوا في تهريب حيواناتهم المنوية من الزنازين، وأنجبوا 88 طفلاً منهم 17 حالة ولادة لتوائم, حيث أطلق على هؤلاء المواليد مصطلح سفراء الحرية.

وكانت باكورة هذه الفكرة واردة من قبل الأسرى مع بدايات إنتفاضة الأقصى في العام 2001, حيث كانت الحركة الأسيرة أمام عدة تحديات قد واجهتها للإلمام بأبعاد وتفاصيل هذه القضية، فتمكنت من تهريب رسالة إستفسار وتوضيح حول مدى نجاح وشرعية هذه القضية خاصة مع التقدم الطبي، وبعد الرد الإيجابي لهم أصبحت القضية محل إهتمام كبير لدى عدد من السجناء، حيث سجلت أول قصة نجاح على يد أحد الأسرى من الضفة الغربية والمحكوم عليه بالسجن 27 مؤبداً، والذي أقدم على تهريب أول نطفة في تاريخ الحركة الأسيرة في العام 2012, ورزق بمولوده الأول وكانت هذه الخطوة ولادة معركة جديدة لدى الأسرى في السجون الإسرائيلية .

وفى أخر الإنجازات وليس أخر المحاولات، تمكن الأسير وائل أبو جلبوش 45 عاماً والمحكوم عليه بالمؤبد و30 عاماً، من تهريب نطفة حيوانات منوية من داخل الزنزانة القابع بداخلها في سجن نفحة, ليتمكن فريق طبي من نقل العينة إلى خارج السجن إلى مركز إخصاب بنجاح، حيث تعتبر هذه المحاولة نموذجاً متواصلاً من النصر والتحدي يتفاءل به الأسير وائل وباقي الأسرى، الذين يحاولون تكوين أسرهم بهذه الطرق رغم كل محاولات التقييد والتفتيش من قبل إدارة السجون.

وفي بيان صحفي صادر عن مركز أسرى فلسطين للدراسات، أوضح الباحث في شؤون الأسرى رياض الأشقر بأن قضية الإنجاب من خلف القضبان عبر تهريب النطف، ظلت أملاً وحلماً يراود الأسرى لسنوات طويلة، وخاصة القدامى منهم وأصحاب المحكوميات العالية، حيث تنقضي أعمارهم داخل السجون ويتلاشى حلم الأبوة مع تقدم العمر، إلى أن قرروا مطلع العام 2012 خوض المغامرة, مبيناً أن الإحتلال لا يزال عاجزاً عن إكتشاف طرق تهريب النطف داخل السجون، وإن كان قد تعرف على بعض الطرق، إلا أن الأسرى يبدعون في إيجاد بدائل لإستمرار هذه المعركة، والتى يحاول من خلالها الإحتلال الإسرائيلى قتل روح الأمل بالحياة وإبقائهم داخل عتمات السجون.

في سياق ذلك, أكد مدير مكتب إعلام الأسرى عبدالرحمن شديد في حديثه لـ”مرصد مينا”: أن فكرة تهريب نطفة الحرية والتحدي، ولدت من داخل معتقل هداريم على يد الأسير عباس السيد المحكوم عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة، وذلك من باب سد حاجة الأسير وزوجته التي تغيب عنها منذ سنوات طويلة وحرمه الاحتلال من نصيبهما في الإنجاب، حيث كانت هذه بمثابة خطوة تحدي وكسر للقيد في وجه السجان، تضاف إلى سلسلة تحديات أخرى.

وأضاف شديد إلى أن مصلحة السجون الإسرائيلية، تعتبر هذه القضية شيء ممنوع ومرفوض قانونياً بالنسبة لها، وتحاول وضع العديد من العقبات في طريق هذه المعركة، ويتعلق ذلك بمنع الجانب الإسرائيلى إصدار بيانات شخصية للمواليد، إضافة إلى منع الأطفال من زيارة آبائهم داخل السجون، وفى حال تم كشف أى من طرق التهريب، يعاقب الأسير ويعاقب أهله وذووه من خلال منعهم من الزيارة لفترات طويلة، ومن العقبات أيضاً مماطلة حركة تنقل أهالي الأسرى عبر المعابر، وذلك لإبطال مفعول أي من النطف المهربة .

وحول مدى الرفض والقبول الاجتماعي لهذه القضية، بيّن شديد إلى أن بدايات طرح القضية كان مرفوض لبعض العائلات من الناحية الاجتماعية، والمتعلقة بتربية الطفل والوصول إلى سن البلوغ بينما لم ير الطفل والده، إضافة إلى بعض النظرات الاجتماعية السلبية، فمن هنا إختلفت القضية في أوساط الأسرى بين مؤيد ومعارض.

قصص النجاح المتواصلة لم تتوقف عند محاولة إنجاب واحدة فقط، ولكن عزيمة الزوجات وصمودهن ما تزال تنتظر تهريب نطف أخرى لإنجاب مزيداً من الأطفال، وذلك لرفع معنوية أزواجهن خلف القضبان، حيث تتعدد طرق التهريب والتي حيرت الاحتلال، فبعض الأسرى يستخدمون الكبسولات الفارغة، ومنهم من يستخدم نواة حبة التمر وبعض آخر يستخدم أكياس شفافة، وبحسب خبراء في ذلك، فإن العينة تبقى صالحة لقرابة 12 ساعة إن كانت محفوظة في مكان أمن.

في السياق ذاته، قال رئيس وحدة الإحصاء والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى عبد الناصر فروانة، أن قضية تهريب النطف وتحقيقها لنجاحات، شكلت انتصاراً كبيراً على كل الإجراءات القمعية والتكنولوجية من قبل الاحتلال للنيل من مسيرة هذه المعركة.

وأشار فروانة في حديثه لـ”مرصد مينا”: إلى أن عدد من الأسرى من مختلف المحافظات الفلسطينية، قد نجحوا في تهريب نطاف الحرية، وسجلت هذه المعركة ولادة أكثر من 70 طفلاً من الذكور والإناث، وذلك في خطوة للتصدي لقرارات السجون العنصرية التي تمنع الأسرى الفلسطينيين من ممارسة الخلوة الشرعية للأسرى.

موضحاً أن إسرائيل حقاً غير قادرة على الإطلاق من مواجهة تلك المعركة، وتكتفي فقط بمعاقبة كل أسير يسجل نجاحاً في هذه المعركة، من خلال العزل الإنفرادي له ومنع زوجته وعائلته من زيارته، ورغم كل هذه الإجراءات التعسفية، إلا أن روح الأمل والعزيمة تبقى حاضرة ومستمرة في نفوس الأسرى

وبحسب هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية، فإن إسرائيل تعتقل قرابة 7500 أسير فلسطيني من كافة محافظات الوطن، من بينهم 543 أسيراً محكوم عليه بالمؤبد، بالإضافة إلى وجود 250 طفلاً أسيراً، فيما يعاني قرابة 630 أسيراً من أمراض مزمنة وخطيرة ترفض إسرائيل تقديم العلاج الكامل لهم، ما فاقم من معاناتهم وتدهور أوضاعهم الصحية ومفارقة بعضهم الحياة نتيجة الإهمال الطبي.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©