
تُعد مشكلات الهجرة غير الشرعية والتهديدات الإرهابية المحتملة ظواهر جديدة نسبيًا في بولندا. حتى وقت قريب، كانت بولندا بلدًا مصدِّرًا للهجرة. وقد نتج ذلك عن انهيار الدولة البولندية في نهاية القرن الثامن عشر وتقسيمها بين ثلاثة جيران: روسيا والنمسا وبروسيا التي أصبحت لاحقًا ألمانيا. يُعرف هذا العصر في التاريخ البولندي بفترة التقسيمات، التي شهدت موجات هجرة جماعية لسكان الكومنولث البولندي الليتواني السابق.
خلال القرن التاسع عشر ومعظم القرن العشرين، غادر الملايين من البولنديين واليهود البولنديين البلاد المحتلة بحثًا عن حياة أفضل. اليوم، بعد أكثر من ثلاثين عامًا على استعادة الاستقلال، أصبح البولنديون أقل ميلًا لمغادرة وطنهم بحثًا عن ظروف معيشية أفضل، بل إن الاتجاه المعاكس بدأ بالظهور. فالغربيون، الذين يشعرون بالإحباط من سياسات الهجرة المتخبطة في بلدانهم ومن صعود الحركات الإسلاموية، بدأوا بالهجرة إلى دول أوروبا الوسطى والشرقية مثل بولندا.
لا يظهر الإسلام السياسي كأيديولوجيا في بولندا، إلَّا أن تدفق المهاجرين الذين يحتاجهم الاقتصاد يجلب أيضًا مسلمين. حاليًا، يأتي معظمهم من جمهوريات سوفياتية سابقة مثل أوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان. لا تتسم ممارساتهم الدينية بسمات تطرفية، غير أنّ محاولات استقطابهم نحو التطرف حدثت سابقًا، مثلما جرى أثناء الحروب في الشيشان وأفغانستان.
تُجدر الإشارة إلى أنّ علاقات بولندا مع العالم الإسلامي تعود إلى القرن الرابع عشر على الأقل، حين استقرّت قبائل التتار الليبكا في الدوقية الليتوانية الكبرى. وخلال القرون اللاحقة، خدموا في جيش الكومنولث البولندي الليتواني حتى عام 1939.
كما أقامت بولندا والدولة العثمانية علاقات دبلوماسية رسمية منذ القرن الخامس عشر. ولقرون طويلة، اعتُبرت بولندا إحدى دعائم المسيحية في مواجهة التوسع الإسلامي في أوروبا. وقد كان الساسة البولنديون، وعمومًا النُّبلاء، خصوصًا في جنوب الكومنولث، على دراية واسعة بتقاليد وثقافة الإسلام، ممّا ترك أثرًا على رؤية النخب البولندية للعالم. أسهمت هذه القرون من الصلات التجارية والصراعات في تشكيل الثقافة البولندية، كما أنّ العديد من روائع الأدب البولندي تدور أحداثها خلال الحروب مع الإمبراطورية العثمانية وتتار القرم.
يمتلك هذا السياق أهمية خاصة لأنّ بولندا، نتيجة الحرب العالمية الثانية والشيوعية، أصبحت عمليًا دولة أحادية القومية، رغم أنّها كانت سابقًا عكس ذلك تمامًا. فقد كانت تضم جميع الديانات السماوية الكبرى، فضلًا عن طوائف مسيحية فرعية وديانات أقل شأنًا. يُعد هذا الطابع الأحادي القومي اليوم ميزة في مواجهة التحديات المرتبطة بالهجرة والإرهاب. على عكس السويد التي انفتحت دون دراسة كافية على ثقافات مغايرة تمامًا. كما أنّ الفقر الذي ساد البلاد في القرنين التاسع عشر والعشرين دفع البولنديين للهجرة إلى أنحاء العالم، ممّا جعل لديهم وعيًا جيدًا بالمخاطر المحتملة للنموذج الجديد من التعددية الثقافية الذي تروّج له النخب الليبرالية اليسارية.
يشهد الغرب أزمة هوية وإيمان، فيما تواجه دول أوروبا الغربية تحديات خطيرة في دمج ملايين الوافدين من إفريقيا وآسيا، إضافة إلى موجات المهاجرين غير الشرعيين الذين اجتاحوا الغرب منذ ما يسمى بالربيع العربي عام 2010، مما تسبب في صعوبات كبيرة للدول المستضيفة. تجد بولندا نفسها مجددًا بين المطرقة والسندان. فمن جهة، تسعى المفوضية الأوروبية والمنظمات غير الحكومية ذات الطابع الإنساني إلى فرض آليات لإعادة توطين مهاجرين غير مرغوب فيهم في بولندا. ومن جهة أخرى، يمارس نظاما بوتين ولوكاشينكو ضغوطًا على الحدود الشرقية لبولندا عبر خلق أزمة هجرة مصطنعة في أواخر عام 2021. فقد استدرجت أجهزة الأمن الروسية والبيلاروسية سوريين وأفغانًا وعراقيين وغيرهم بوعد إدخالهم بسهولة إلى الاتحاد الأوروبي عبر بولندا، مع ابتزازهم ماليًا واحتجازهم في المنطقة الحدودية. وحين وصلوا، اتضح أنّ بولندا لم تكن تنوي فتح أبوابها لهم.
شكل ذلك إعدادًا لغزو أوكرانيا، عبر محاولة خلق حالة فوضى وافتعال أزمة إنسانية تُشل بها أجهزة الأمن البولندية. وقد ردّت حكومة القانون والعدالة (PiS) المحافظة حينها بحزم، من خلال إرسال الجيش والشرطة لدعم حرس الحدود. في البداية، ترددت مؤسسات الاتحاد الأوروبي بين دعم الحكومة البولندية وإدانتها بسبب ما اعتُبر معاملة غير إنسانية للمهاجرين. غلب المنطق في النهاية. وأظهر الهجوم الروسي واسع النطاق على أوكرانيا في فبراير 2022 حقيقة ما كان يحدث عند الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي.
تستمر الأزمة الحدودية، ولسوء الحظ قُتل جندي بولندي طعنًا على يد مهاجر عدواني وجُرح 63 آخرون. يوضح هذا حجم المشكلة. واضطرت بولندا لتشييد جدار بطول 185 كيلومترًا على الحدود مع بيلاروسيا. في البداية، حاولت المعارضة الليبرالية تقويض إجراءات الحكومة المحافظة والإدارة البولندية، عبر العزف على المشاعر الإنسانية وتصوير هؤلاء المهاجرين غير العاديين كضحايا لحكومة بولندية فاشية وقاسية. اليوم، أصبحت المعارضة السابقة هي الحاكمة، ولا أحد ذا عقل رشيد يحمّل وارسو مسؤولية الوضع الحالي.
ظهرت مشكلة أخرى مرتبطة بالهجرة غير الشرعية خلال صيف هذا العام، هذه المرة على الحدود الغربية. تحاول المفوضية إجبار بولندا على قبول مهاجرين غير شرعيين من إفريقيا والشرق الأوسط، مما أثار جدلًا واسعًا في البلاد. كما تكررت حالات قامت فيها الشرطة الألمانية بنقل مهاجرين إلى الحدود البولندية وإجبارهم على عبورها نحو الجانب البولندي.
ضغط الاتحاد الأوروبي لسنوات على بولندا، منذ انضمامها إلى الاتحاد عام 2004، لتشديد حدودها الشرقية، مما صعّب دخول المواطنين العاديين من أوكرانيا وبيلاروسيا. اليوم، وبعد 20 عامًا، تُجبر الدول الأعضاء غالبًا، ولو بالابتزاز السياسي، على إضفاء الشرعية على سياسات الهجرة غير القانونية. يُذكر هنا أنّ بولندا، نتيجة العدوان الروسي على أوكرانيا، استقبلت اللاجئين الأوكرانيين طوعًا، حيث فتح البولنديون منازلهم لهم دون أي إكراه بيروقراطي. وقد مرّ عبر بولندا ملايين المواطنين الأوكرانيين الفارين من الحرب، وبقي أكثر من مليون منهم في البلاد.
أظهر استطلاع أجرته إذاعة RMF FM في فبراير 2025 أنّ 75 بالمئة من البولنديين يعارضون ميثاق الهجرة الأوروبي المقترح وآلية إعادة توطين المهاجرين من الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
إنّ مجمل هذه التهديدات المرتبطة بالهجرة غير المنضبطة من خارج أوروبا وتصاعد خطر التطرف الإسلامي يدفع الغالبية الساحقة من المجتمع البولندي، بغض النظر عن اتجاهاتهم السياسية، إلى الاتفاق على أمر واحد: تريد بولندا أن تظل دولة تشكل فيها الهوية البولندية عنصرًا مركزيًا في الثقافة الوطنية، وأن يندمج المهاجرون من خلال العمل.
أخيرًا وليس آخرًا، ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، أرسلت روسيا عناصر تخريب إلى جميع أنحاء البلاد. خلال السنوات الثلاث الأخيرة، أُحرقت مبانٍ صناعية عبر عمليات تخريبية نفذها مهاجرون أجانب جرى تجنيدهم، معظمهم من الأوكرانيين والبيلاروسيين. ومن المؤكد أنّ روسيا ستستغل كل وسيلة ممكنة لزعزعة استقرار بولندا، وقد يشكل تدفق مهاجرين إضافيين، خصوصًا من البلدان الإسلامية، تهديدًا خطيرًا وغير مرغوب فيه للأمن القومي.







