الهجوم الإسرائيلي يكشف هشاشة التحالف الإيراني-الروسي

العلاقات الروسية الإيرانية معقدة، ففي حين تشترك روسيا وإيران في معارضة واسعة للنفوذ الغربي، إلا أن توازن المصالح المشتركة والمتداخلة والمتباينة بين البلدين، أكثر تعقيدا بكثير مما يبدو، فعلى الرغم من تعميق العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، إلا أن روسيا لم تقدم سوى دعم لفظي لإيران في مواجهة العملية العسكرية الإسرائيلية ـ الأمريكية، معطية الأولوية لاستراتيجيتها الإقليمية لتحقيق التوازن، بينما واجهت الجمهورية الإسلامية ما بدا تهديدا وجوديا، الأمر الذي كشف عن تناقضات ونقاط ضعف ليس فقط في العلاقات بين البلدين وإنما في العلاقات البينية لدول المحور المناهض للغرب بشكل عام.

و عبر علي مطهري، النائب السابق لرئيس البرلمان الإيراني، عن تنامي الشعور بالإحباط في منشور على موقع X وأشار إلى أن روسيا رفضت بيع نظام الدفاع الصاروخي S-400 لإيران. وجادل النائب السابق بأن تردد روسيا يعود إلى مخاوف من أن تستخدم إيران نظام S-400 ضد الهجوم الإسرائيلي، مما يكشف عن سطحية ما يسمى بالشراكة الاستراتيجية “التي يروج لها بوتين”.

كانت العلاقات بين البلدين قد وصلت إلى مستوى غير مسبوق من التطبيع، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا، وتم التوقيع على شراكة استراتيجية في وقت سابق من العام 2025، إلا أن محدودية الدعم الروسي لإيران كانت ملفتة، وكاشفة لنوعية العلاقات والتحالفات التي تعمقت خلال السنوات الأخيرة، وخاصة بين  إيران من جهة وروسيا والصين وكوريا الشمالية من جهة أخرى، لتبدو وكأنها أقرب إلى  التحالف المرن القائم على المصالح الآنية، وليس تحالفاً رسمياً استراتيجيا. كما تعثرت محاولات إيران لشراء معدات عسكرية روسية متطورة، بما في ذلك طائرات سوخوي-35 المقاتلة وطائرات الهليكوبتر الهجومية من طراز مي-28. وفقا لصحيفة “شرق” الإيرانية، مع الإشارة إلى مشاكل الإنتاج في روسيا والضغوط الدبلوماسية من دول الخليج العربي وإسرائيل والولايات المتحدة كأسباب رئيسية.

صعوبة تحقيق التحالف العسكري بين البلدين

على الرغم من كل خطاب التضامن المناهض للغرب، لا تزال العلاقة بين إيران وروسيا محدودة، مدفوعة بالمصالح، وخالية من أي التزامات حقيقية. لم يكشف التصعيد الإسرائيلي عن هذه القيود فحسب، بل أثار أيضا تساؤلات جدية حول ما إذا كان بإمكان طهران الاعتماد على موسكو عندما تكون مصالح النظام الأساسية، بل وحتى بقاءه، على المحك كما تشير إلى عدم التكافؤ في حاجة كلا الدولتين لبعضهما البعض، على اعتبار أن روسيا دولة عظمى بينما إيران دولة إقليمية كبيرة.

وكانت إيران من الدول القليلة التي دعمت روسيا بنشاط في حربها في أوكرانيا، حيث تُزودها بالطائرات بدون طيار والأسلحة والمعدات العسكرية. وقد وصف بعض المراقبين بالفعل هذه العلاقة بأنها محور ضد الغرب (إلى جانب الصين وكوريا الشمالية)، بالمقابل فإن العلاقات من وجهة نظر روسيا على الأقل، لم ترتقِ أبدا إلى تحالف حقيقي قائم على التزامات متبادلة.

عندما يتعلق الأمر بدور طهران في المحور المناهض للغرب، يبدو أن تعاونها مع بكين وموسكو وبيونغ يانغ لا يهدف إلى بناء تحالف فعال بقدر ما يهدف إلى بناء علاقات تعاقدية بين الدول غير الديمقراطية،  تُعطي طهران وشركائها الأولوية للمرونة الاستراتيجية والغموض والاستقلالية على الالتزامات الملزمة أو الواجبات المشتركة. يجتمعون حول هدف مشترك: إضعاف النفوذ الأمريكي العالمي وترسيخ مكانتهم كجهات فاعلة رئيسية في عالم متعدد الأقطاب. ومع ذلك، فإن هذا لا يجعلهم حلفاء ملتزمين بالدفاع المشترك في الأزمات الوجودية.

 إذا كانت الحملة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران بمثابة اختبار حاسم، فإنها تُبرز محدودية هذا التحالف بدلاً من تعميقه. وبدلًا من أن تُحفز هذه الأزمة تنسيقاً مكثفا معادياً للغرب، فقد كشفت عن مدى هشاشة التعاون بين هذه الدول، وارتباطه بالمعاملات، وشروطه.

فيما يتعلق بإيران وروسيا، يشتركان بشكل أساسي في الرغبة في دحر النفوذ الغربي وتفكيك النظام الدولي القائم على القواعد الغربية. ويخدم تعاونهما – من نقل الأسلحة إلى التهرب من العقوبات في سياق حرب أوكرانيا – هذا الهدف المشترك. ولكن، علاوة على ذلك، يسعى البلدان إلى تحقيق أجندات متباينة، فروسيا لديها طموحات عالمية، تسعى إلى ترسيخ مكانتها كأحد الأقطاب في عالم متعدد الأقطاب. في المقابل، سعت إيران إلى الهيمنة الإقليمية في الشرق الأوسط الكبير خلال معظم العقود الماضية. وغالباً ما تتباعد موسكو وطهران في تلك المناطق التي تُعدّ محورية لأولويات إيران الجيوسياسية – بما في ذلك بلاد الشام والخليج العربي وجنوب القوقاز، حيث تفضل روسيا استراتيجية متوازنة، تنمي علاقات براغماتية مع خصوم إيران، بما في ذلك إسرائيل وتركيا ودول عربية رئيسية.

على الرغم من أن شحنات الطائرات المسيّرة الإيرانية إلى روسيا قد ارتقت بالعلاقات الثنائية إلى مستوى جديد، إلا العقوبات الغربية على موسكو، أجبرتها على الاعتماد بشكل متزايد على منافسي إيران الإقليميين، كأذربيجان كمعبر لصادرات الطاقة إلى أوروبا وإيران والهند؛ وإسرائيل في محاولة لثنيها عن توريد الأسلحة إلى أوكرانيا؛ وتركيا في تجارة الطاقة والالتفاف على العقوبات؛ والمملكة العربية السعودية في إدارة سوق النفط؛ والإمارات العربية المتحدة في الدبلوماسية والمالية.

على الرغم من نقل إيران للطائرات المسيّرة ومخططاتها، والذي منح موسكو ميزة استراتيجية في أوكرانيا، إلا أن شحنات الأسلحة الموعودة – مثل نظام الدفاع الجوي S-400 أو طائرات Su-35 المقاتلة – لم تتحقق. وتتردد روسيا في ترجيح كفة الميزان العسكري الإقليمي لصالح إيران، خشية أن يعرض ذلك علاقاتها مع الجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية للخطر. في الوقت نفسه، قلّلت موسكو من اعتمادها على الطائرات الإيرانية المسيرة من خلال إنشاء مرافق إنتاج محلية. وقد فاق حجم شحنات كوريا الشمالية الضخمة من الذخيرة والأسلحة، بالإضافة إلى الجنود، مساهمات إيران.

تراجع واضح في مكانة روسيا العالمية

تعد روسيا المورد الرئيسي للأسلحة لإيران، حيث تبيع لها أنظمة دفاع جوي وطائرات هليكوبتر وطائرات مقاتلة. ومع ذلك فإن اعتماد إيران على أنظمة الدفاع الجوي الروسية إس-300، التي يُقال إنها فشلت في إيقاف الصواريخ الإسرائيلية القادمة، يُضعف مصداقية التكنولوجيا العسكرية الروسية أكثر فأكثر. كما أن النقص الواضح في التماسك داخل التحالف، إلى جانب الأداء الدفاعي المخيب للآمال، يُلقيان المزيد من الشك على قوة وموثوقية الموقف العالمي لروسيا.

بالنسبة للعديد من الخبراء فإن الموقف الروسي لم يكن مفاجئاً، وإنما كانت المفاجأة قبل ذلك، عندما وقع الطرفان اتفاقية استراتيجية، لا تعكس حقيقة طموحات إيران، فهي لم تشكل تحالفا عسكرياً ولم تتطلب أي التزامات مباشرة من أي من الطرفين. بدلاً من ذلك، يُضفي هذا الاتفاق طابعا رسميا على العلاقات بين إيران وروسيا. و ظهرت فكرة اتفاقية شراكة استراتيجية تحل محل آخر معاهدة رئيسية بين إيران وروسيا عام 2001 لأول مرة عام 2020. آنذاك، كان الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، يبحث عن مكاسب في السياسة الخارجية بعد فشله في تحسين العلاقات مع الغرب، وقرر السعي لعقد سلسلة من اتفاقيات التعاون الرئيسية مع شركاء بلاده الدوليين.

وُقعت أول هذه الاتفاقيات مع الصين في مارس 2021. وصاحبت هذه الاتفاقية، التي استمرت 25 عاما، ضجة إعلامية كبيرة، مما ولّد وعوداً ومزاعم  حول استثمارات صينية بقيمة 400 مليار دولار واستئجار الصين لجزر في الخليج العربي. في الواقع، لم تُحقق الاتفاقية الكثير، بل تراجعت التجارة بين البلدين في السنوات اللاحقة.

بعد أن وقعت إيران اتفاقيات مماثلة مع فنزويلا وسوريا، كانت روسيا الخيار المنطقي التالي. قبل بدء الحرب في أوكرانيا، كانت علاقة روسيا بإيران محدودة. مع ذلك، عندما وجد الجيش الروسي نفسه في حاجة ماسة إلى الدعم العسكري الإيراني – وخاصة الطائرات المسيرة – في السنة الأولى من القتال، تعمقت العلاقة بسرعة لدرجة أنها لم تعد تُعكس بشكل كافٍ في الوثائق الرسمية.

ونتيجةً لذلك، تبيّن أن المعاهدة التي وقّعها بوتين وبيزشكيان لم تكن سوى ملخص بيروقراطي للوضع الراهن، مع عشرات العبارات المجردة مثل “تأكيد الالتزام” و”التطلع إلى” و”التسهيل”. ما جعل الاتفاقية أقرب إلى صياغة الاتفاق القائم دون فرض أي التزامات إضافية.

كان موضوع معظم التكهنات هو نوع الأحكام الأمنية التي ستتضمنها المعاهدة. أثارت اتفاقية وُقِّعت العام الماضي بين كوريا الشمالية وروسيا، وتضمنت بندا للمساعدة المتبادلة في حال تعرض أي من البلدين لهجوم، توقعاتٍ بأن تكون المعاهدة الروسية الإيرانية مماثلة. لكن ذلك لم يتحقق. بل اكتفت الدولتان بالامتناع عن مساعدة أي دولة تُهاجم الأخرى.

هذا تأكيدٌ واضح على أن موسكو وطهران لا تنويان تشكيل تحالف عسكري. كما يُظهر أن الكرملين لا يزال غير مستعد لمساعدة إيران إذا تعرضت لهجوم من الولايات المتحدة أو إسرائيل. ويرجع ذلك من حقيقة أن موسكو لا تشعر بنفس الحاجة المُلِحّة للمساعدة العسكرية الإيرانية التي كانت عليها في السنة الأولى من الحرب في أوكرانيا، حيث قطعت روسيا بعد ذلك شوطا كبيرا في إنتاج الطائرات المسيرة محليا، وإضافةً إلى ذلك، يبدو أن روسيا الآن لها اليد العليا في أوكرانيا، مما يعني أن مساعدة طهران ليست بنفس الأهمية.

روسيا لم تعد تحتاج إلى طهران كما السابق

إيران، على عكس كوريا الشمالية، ليست مستعدة لإرسال جنود للقتال في أوكرانيا وسد نقص القوى العاملة. حتى في حروبها الخاصة، تتردد إيران في المخاطرة بجنودها، مفضلة الاعتماد على وكلائها. ومع ذلك، فقد ازداد اهتمام طهران بالأسلحة الروسية نتيجةً الانتكاسات العسكرية، بدءا من هزائم حزب الله في لبنان ووصولًا إلى سقوط الرئيس بشار الأسد.

لجأت موسكو إلى كوريا الشمالية للحصول على دعم عسكري أكبر، كما قللت اعتمادها على الاسلحة المقدمة من إيران، حيث صرحت كارولينا هيرد، المحللة في معهد دراسات الحرب، لصحيفة “كييف إندبندنت” بأن “روسيا طوّرت الكثير من القدرات التي كانت تعتمد عليها بشدة في السنوات القليلة الأولى من الحرب، وطائرات “شاهد” خير مثال على ذلك”. وأضافت: “لذا، ليس من الواضح لي ما إذا كان سيحدث تحول جذري في قدرة روسيا على مواصلة حربها في أوكرانيا إذا تغير النظام في إيران”.

تشير المعطيات إلى قيام روسيا بإنتاج كميات كبيرة من طائرات “شاهد-١٣٦” بدون طيار، المصممة إيرانياً، في مصنع ضخم في ألابوغا، مما يُقصي طهران فعليا من العملية ويُحدث “صدعا” كبيرا بين الحليفين. ووفقا لمصدر استخباراتي غربي، فإن هدف روسيا هو إتقان دورة الإنتاج بالكامل، مما يترك إيران تشعر بالتهميش ونفاد الصبر بسبب غياب الدعم المتبادل من موسكو.

ويفاقم هذا التوتر المتزايد ضعف دعم روسيا لإيران خلال حربها الأخيرة مع إسرائيل، والادعاءات بأن موسكو ربما تلقت معلومات مُسبقة عن الضربات الإسرائيلية.

و تُظهر صور الأقمار الصناعية أن المصنع يكبر بشكل كبير لدرجة أن روسيا قد تُوسع إنتاجها من الطائرات المسيرة إلى حد تصدير طائرات “شاهد” المسيرة، حتى إلى إيران نفسها. وأشارت تقارير إلى أن هذا التطور أدى  إلى “شقاق” بين البلدين، حيث يبدو أن روسيا تُقصي إيران من العملية.

وتتحدث التقارير عن أن طهران بدأت تفقد صبرها بسبب قلة العائد الذي تتلقاه من روسيا، على الرغم من دعمها للمجهود الحربي لموسكو ليس فقط بالطائرات المسيرة، بل بالصواريخ وغيرها من المعدات.

كيف استفادت موسكو من الهجوم على إيران؟

قدم الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران، بعض المكاسب التكتيكية لروسيا، حيث حول الانتباه الدولي عن الحرب في أوكرانيا، ورفع أسعار النفط، وعطل إلى حد ما تدفق المساعدات العسكرية الغربية إلى كييف، كما مثل التصعيد الأخير فرصة أمام موسكو للاستفادة من علاقاتها مع جميع الجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية لإعادة تموضعها كوسيط – أو على الأقل لترويج صورة الوسيط.

علاوة على ذلك قدمت الحرب الأخيرة خدمة لروسيا أمام شعبها والمجتمع الدولي، حيث دعم الغرب إسرائيل في حربها على إيران رغم أنها تعتبر دولة معتدى عليها، ومن خلال الإشارة إلى التطبيق الانتقائي للمبادئ الغربية، تُعزز روسيا سرديتها بأن النظام القائم على القواعد ليس أكثر من مجرد أداة لتحقيق المصالح الغربية – وهي رسالة يتردد صداها في معظم أنحاء الجنوب العالمي.

لكن على الرغم من ذلك فقد أضرت الحرب على إيران بصورة روسيا كجزء أساسي ضمن التحالف المناهض للغرب، فبينما دعمت أوروبا، والولايات المتحدة أوكرانيا كحالة اختبار للدفاع عن أوروبا والتحالف الغربي، أظهرت مواقف الدول المناهضة للغرب، هشاشة تحالفها وعدم جدية الدول الرئيسية في الدفاع عن الدول الأضعف ضمن هذه التحالف، ما يخلق شكوكاً لدى العديد من الدول الأخرى الحليفة لروسيا، بمدى جدية وقدرة موسكو وأيضا بكين على تقديم الدعم لها عندما تتعرض لهجوم أو خطر وجودي مماثل.

قبل مدة خسرت روسيا حليفها في سوريا، يضغط هذا التطور على المبادئ الأساسية للنهج الإقليمي الروسي، الذي لم يعتمد فقط على الحفاظ على توازن القوى من خلال علاقات براغماتية مع جميع الجهات الفاعلة الرئيسية، ولكن أيضا على تقديم نفسه كشريك موثوق للأنظمة المناهضة للغرب وللديمقراطية والتي تتعرض للحصار الغربي. كانت هذه الاستراتيجية بمثابة مضاد متعمد للنفوذ الأمريكي، خاصة بعد أن دفعت الانتفاضات العربية في 2010-2011 العديد من القادة الأقوياء في المنطقة إلى استنتاج أنه لم يعد من الممكن الوثوق بواشنطن لضمان بقاء الأنظمة، نظرا لتخليها عن مبارك في مصر وبن علي في تونس. أثار سقوط الأسد بالفعل شكوكًا حول قدرة موسكو هي الأخرى، على القيام بدورها كضامن للاستقرار السلطوي. و من الواضح أن حرب روسيا في أوكرانيا أضعفت قدرتها على التدخل في مناطق أخرى، وغيرت من أولوياتها.

روسيا تريد المحافظة على الوضع الراهن

البرود الروسي حيال ما واجهته إيران لا يعني أنها لا تهتم بمصير النظام الإيراني، لأن ضعف إيران وامتداد الصراع في جنوب القوقاز لا يصب في صالحها، حيث لا يزال  قيام أذربيجاني بشن هجوم للسيطرة على ما يُسمى بممر زانجيزور أو أجزاء من منطقة سيونيك الجنوبية في أرمينيا احتمالاً قائماً. في هذا السياق، يُعد ضعف إيران ذا أهمية بالغة، فهي القوة الإقليمية الوحيدة التي دعمت بشكل قاطع وحدة أراضي أرمينيا. وإذا ما تآكلت قدرة طهران على ردع باكو أكثر، فقد تواجه موسكو تحدياً خطيراً في منطقة لطالما اعتبرتها جزءاً من دائرة نفوذها. إن أي تحول في التوازن الإقليمي لن يُقوض سلطة روسيا فحسب، بل سيُبرز أيضاً حدود قدرتها على التأثير على مسار الأحداث في محيطها ما بعد الاتحاد السوفيتي. علاوة على ذلك، فإن أي تقدم أذربيجاني – بدعم ضمني أو صريح من تركيا – يُهدد بفتح الباب أمام ترسيخ تواجد الناتو في جنوب القوقاز، مما يُشكل تهديدا مباشرا لموقف روسيا الإقليمي.

التوقعات بالنسبة لموسكو محفوفة بالمخاطر، فإذا حافظت الجمهورية الإسلامية على استقرارها بعد التصعيد الأخير، فربما تُقرر المضي قدما نحو إنتاج السلاح النووي. إن احتمالية إطلاق سباق تسلح إقليمي لا تصب في مصلحة روسيا. لن يؤدي هذا فقط إلى زيادة خطر زعزعة الاستقرار، بل قد يدفع أيضا القوى الإقليمية الرئيسية – وخاصة دول الخليج – إلى السعي مجددا إلى توثيق علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة. من شأن هذا التطور أن يقوّض جهود روسيا الأوسع نطاقا لإزاحة واشنطن عن صدارة الشركاء الأمنيين في الشرق الأوسط، ويُضعف استراتيجيتها طويلة المدى الرامية إلى تقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة.

روسيا غير راغبة، بل غير قادرة، على تقديم أي دعم ذي معنى لإيران من شأنه أن يُغيّر موازين القوى لصالحها. في المقابل، من شأن انهيار إيران أو انحيازها للغرب أن يشكل معضلة جيوسياسية عميقة لموسكو. سيجرد هذا موسكو من شريك رئيسي في تحدي الهيمنة الأمريكية، ويُفكّك شبكة التحالفات الإقليمية الهشة التي رسختها روسيا – ليس فقط مع الدول، بل أيضا مع جهاتٍ فاعلةٍ غير حكومية مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. والأسوأ من ذلك بالنسبة لموسكو، أنه قد يُمهّد الطريق لتجدد النفوذ الغربي على الجناح الجنوبي لروسيا، مما يُقوض مباشرةً طموح موسكو في تشكيل نظام ما بعد أمريكا في الشرق الأوسط.

في النهاية، روسيا غير راغبة وعاجزة أيضا، عن تقديم أي دعم ذي معنى لإيران يُرجح كفة طهران في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. ورغم أن لموسكو مصلحة واضحة في منع تفاقم الوضع، إلا أنها لا تملك أدوات تذكر للتأثير على مسار الأحداث، لا سيما فيما يتعلق بإسرائيل أو الولايات المتحدة، ولذلك يراهن الكرملن على مرحلة مطولة من عدم الاستقرار، تكون المنطقة فيها غير مستقرة ولكن مُحتواة، وهي نتيجة لا تُتيح لموسكو الوقت والمساحة على الجبهة الأوكرانية فحسب، بل تحول أيضا انتباه الولايات المتحدة والغرب وموارده بعيداً عن كييف.

اللجوء إلى الصين كبديل عن روسيا

ومع تشتت انتباه روسيا وعدم موثوقيتها، تزعم تقارير غير مؤكدة في وسائل الإعلام الإيرانية والغربية أن إيران لجأت إلى الصين أملاً في الحصول على معدات عسكرية متطورة، وخاصةً طائرة تشنغدو J-10C المقاتلة متعددة المهام.  لكن مع توجه طهران نحو بكين، تواجه عقبات وتشكيكا جديدا، يكشف عن محدودية خياراتها وعمق عزلتها الاستراتيجية.

تُعد J-10C طائرة مقاتلة أحادية المحرك من الجيل الرابع والنصف، ومجهزة بإلكترونيات طيران متطورة، ورادار AESA، وقادرة على نشر صواريخ PL-15 بعيدة المدى. وتُعتبر منافسا قويا، إن لم يكن مساويا، لأسطول طائرات F-35I الإسرائيلية المتقدمة.

ومع ذلك، فإن تردد الصين في إمداد إيران واضح، وفقًا لأندريا غيزيلي، المحاضرة في جامعة إكستر ورئيسة قسم الأبحاث في مشروع ChinaMed :  “تحاول بكين استقرار علاقاتها مع واشنطن لكسب بعض الوقت لتعزيز اكتفائها الذاتي التكنولوجي والاقتصادي. وهذا أهم من إعادة بناء القوات الجوية الإيرانية”.

 ويتفق الخبراء أيضا على أن علاقات الصين مع خصوم إيران الإقليميين تُسهم في عزوفها عن تعزيز الجيش الإيراني، خاصة أن الصين تُقدر علاقاتها مع جيران إيران العرب في مجلس التعاون الخليجي – قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة – الذين يُمثلون موردي طاقة أساسيين وشركاء تجاريين، لكنهم يُحافظون على علاقات حذرة مع طهران.

 ويرى الخبراء أن أن الطريقة الأكثر فعالية التي تتبعها الصين لدعم إيران هي من خلال استمرار شراء النفط، الذي يُوفّر لطهران عائدات حيوية في ظل العقوبات. فمن وجهة نظر الصين يمثل الوصول إلى الطاقة وتجنب زعزعة الاستقرار الإقليمي يفوقان أي فوائد محتملة من بيع أسلحة متطورة لإيران.

قد يكون الاقتصاد الناجي الوحيد!

التعاون الاقتصادي هو الشيء الوحيد القابل للاستمرار والنمو بشكل جيد بين البلدين، حيث تمكن  النظام الإيراني، الخاضع لعقوبات دولية بسبب برنامجه النووي، من الصمود بفضل تعاونه الاقتصادي مع روسيا ودول أخرى غير غربية مثل الصين والعراق والإمارات العربية المتحدة وتركيا. وفي عام 2024، ارتفع حجم التجارة الروسية الإيرانية بنسبة 16% على أساس سنوي ليصل إلى 4.8 مليار دولار، مما جعل روسيا خامس أكبر شريك تجاري لإيران.

لكن من غير المرجح أن تشغل إيران يوما ما الدور الاقتصادي الحيوي الذي تلعبه دول مثل تركيا والإمارات العربية المتحدة بالنسبة لروسيا. فحجم التجارة السنوية بين البلدين، وحجم الاقتصاد الإيراني، بالإضافة إلى افتقاره إلى التطور التكنولوجي وعزلته، يعنيان أنه لن يصبح شريكا رئيسيا.

بالمحصلة فإن للتعاون الإيراني الروسي هدف جيوسياسي أوسع من مجرد التعاون الاقتصادي، فهو يهدف إلى تحدي الهيمنة الغربية والحد من آثار العقوبات وتقليل اعتمادهما على المؤسسات المالية الخاضعة للسلطة الغربية. يتجاوز تعاونهما مجال الطاقة ليشمل النفوذ الجيوسياسي، وقنوات التجارة البديلة، وأطر الاستثمار. ويحاولان بنشاط تقويض النظام أحادي القطب الحالي الذي تُهيمن عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها من خلال استخدام منصات مثل منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EEU)، ومجموعة البريكس (BRICS).

الاستنتاجات:

ـ من المرجح أن يستمر التعاون الروسي الإيراني، لكن قدرة إيران وعزمها على مساعدة موسكو سيتضاءلان، بالمقابل لا تملك روسيا، التي لا تزال منخرطة بقوة في أوكرانيا، سوى موارد محدودة لمساعدة إيران. في العلن، ستستمر العلاقات الروسية الإيرانية كالمعتاد، لكن خلف الكواليس، تزعزعت ثقة إيران بروسيا، وهذا بلا شك سيُضعف العلاقة. لقد تعلمت طهران، على حسابها، أن روسيا لم تعد حليفا يُعتمد عليه.

ـ لا تمثل الصين بديلاً عن روسيا بالنسبة لإيران، من أجل الحصول على الأسلحة، لأن الصين حذرة في دعمها لطهران بسبب علاقاتها المهمة مع منافسي طهران في منطقة الشرق الأوسط، وعدم رغبتها في إثارة غضب إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر، كما أن الجهود الصينية وحدها غير كافية لبناء جيش إيراني قوي، فحتى لو تمكنت طهران من شراء طائرات مقاتلة من الصين، فستحتاج إلى مبلغ يفوق قدرتها المالية بكثير للحفاظ على التفوق الجوي في النزاعات المستقبلية، على الأقل في أجوائها.

ـ أظهر التصعيد الأخير ضد إيران والدعم المحدود الذي حصلت عليه طهران من حلفائها، هشاشة التحالف المناهض للغرب وعدم وصوله إلى مرحلة النضج اللازمة للوقوف بوجه الولايات المتحدة وحلفائها.

ـ خيارات إيران أصبحت أكثر محدودية في الحصول على الدعم السياسي والعسكري، في مواجهة خصومها، وستحتاج إلى سنوات طويلة من أجل اعادة ما خسرته

المصادر:

  • موقع (DGAP) في 8 يوليو 2025
  • موقع (national security journal) في 13 أغسطس 2025
  • موقع (kyiv independent) في 30 يونيو 2025
  • موقع (politics today) في 12 أغسطس 2025
  • موقع (carnegie endowment) في 21 يناير 2025
  • موقع (Radio Free Europe) في 1 يوليو 2025
زر الذهاب إلى الأعلى