الوطنية السورية بين التشاركية والقطيعة

الأوطان والمجتمعات تبنى على الثقة فيما بين مكوناتها رغم اختلاف أيديولوجياتهم وطوائفهم ومذاهبهم؛ وعصرنا هو عصر التشاركية والتكاملية، وتتفكك وتتدمر الأوطان والمجتمعات بالقطيعة والكراهية والتخوين بين أبناء المجتمع الواحد. والحالة السورية بالصورة المأساوية التي وصلت إليها تحتاج إلى تضافر جهود الوطنيين كلهم، وهذا يعني أنها تحتاج كثيراً لنبذ ثقافة القطيعة؛ والعمل بثقافة التشاركية.

فقد ازدادت في الآونة الأخيرة حملات التخوين والتشويه والتكفير بين مكونات العمل الوطني إنْ على مستوى الأفراد الذين يتقدمون لعمل ما؟! أو على مستوى الكيانات السياسية؟! حتى اختفت بينهم أخلاقيات النبل الثوري؛ واستطاعت قوى مشبوهة تعمل في الخفاء استغلالَ أطراف ثورية؛ لتشوه هذا الشخص أو ذاك المكون أو ذلك التيار؛ كما بات الولاء للخارج معوقاً حقيقياً، فغاب الوعي الوطني وقلّ النبل الثوري؟.

تمثلُ حالة الاختلاف والتنابذ بين القوى الوطنية السورية مع بعضها بعضاً؛ دورَ المعرقل والمعوق في قيادة الثورة للوصول بها نحو أهدافها؛ ولذلك لم تستطع حتى اللحظة انتاج مشروع سياسي وطني يكون الخيمة التي يستظل بها أبناء الوطن كلهم، مما جعلها تبدو غير صالحة لقيادة المشروع الثوري، ولا قادرة على بناء سوريا المستقبل.

ونظراً لما سبق؛ لم يعد الشارع الثوري يثق كثيراً بالنخب السياسية للثورة؟ وهو محق في ذلك؛ لأن الأداء السياسي الثوري كان مخجلاً ومخيباً للآمال؛ ولم يرتقِ إلى مستوى تضحيات الشعب السوري الكبيرة؛ كما أن العديد من القوى السياسية؛ انشغلت بخلافاتها مع الآخر الثوري؛ وبات كل طرف ثوري ينظر إلى سوريا كما لو أنها كعكة؛ يريد كل فريق الحصول على الحصة الأكبر منها! وهذا ما يجعل النظرة إليه نظرة شك من قبل الشارع الذي عانى كثيراً خلال سنوات الثورة الماضية؟!.

لقد نجحت على مدار عقود خلت؛ عواملُ كثيرة ذاتية وموضوعية في تحقيق ثقافة القطيعة بين المكونات السورية على اختلاف أنواعها؛ وفشلنا حتى في الحالة الثورية أن نرأب الصدع الاجتماعي والمكوناتي؛ في الوقت الذي كان علينا أن نتوحد على الأقل في الأهداف العريضة للثورة، ولكن يا للأسف فشلنا في ذلك، فشلنا لأن الأنانية السياسية والطموحات التفردية سيطرت على أنفس الجميع؟! حيث ظن كل فريق أنه قادر أن يحقق نصراً بمفرده، فكانت الهزيمة للجميع.

إن ما نحتاجه اليوم هو ثقافة المشاركة الوطنية التي تنتج سلوكاً تشاركياً بين الجميع؛ لم نعد نريد توحداً فهذا بات بعيداً، لكننا نريد ثقافة تشاركية تنتج سلوكاً تشاركياً؛ خصوصاً ونحن مقبلون على استحقاقات كثيرة؛ فإن لم نعمل من أجل ذلك فلا نلومنَّ أنفسنا بالمستقبل؛ إذا ما فرض المجتمع الدولي علينا شخصيات ونظاماً لا نرضاه؛ ولكن نحن السبب فيما سيحدث؛ والمثال العراقي أمامنا حاضر.

للأسف الشديد كل مكون سوريِّ ما يزال يرى نفسه الأفضل من المكون الآخر؟! فأصابنا ما أصاب الفرق الإسلامية؛ حيث ترى كل واحدة منها نفسها بأنها (الفرقة الناجية) حتى هلك الجميع ثورياً في بحار الفشل والتخوين والتخلف والتشرذم.

وهذا يدفعني من جديد لكي أقول فلننطلق من منطلق إنساني قبل المنطلق القومي أو العقدي أو الطائفي؛ وفي الإنسانية نجد أننا جميعاً متساوون؛ وهذا ييسر هضم فكرة مدنية الدولة؛ لنصل إلى ثقافة وسلوك المواطنة التي يتساوى فيها أبناء الوطن كلهم أمام القانون؛ ولا أحد فوقه؛ والتميز بين الجميع هو الكفاءة وليس الولاء المكوناتي أو الديني او الطائفي.

إننا نريد ونطالب بدولة مدنية وعندما نعرفها نقول:

هي الدولة ذات المجتمع المدني المتعدد في كل شيء من المذاهب إلى الطوائف إلى القومية حتى اللغة والآراء العقدية والسياسية؛ وتتعدد السلطات فيها وتكون منفصلة.

ما زلتُ أرى أننا بحاجة ماسة لميثاق شرف وطني؛ فقد بات ضرورة ملحة؛ ليكون ناظماً لعمل القوى السياسية؛ وضابطاً سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً ووطنياً لها، وعنوان تفاهمها المفتوح مع جميع القوى والفعاليات الأخرى الملتزمة به، بما يسهم في تحقيق أهداف الثورة التي دفع من خلالها مجتمعنا ثمناً غالياً لتجسيدها.

كما أن ميثاق الشرف وثيقة توافقية؛ تنطلق من روحية الشعب السوري وحضارته، وتنوّعه، وخصائصه، وأخلاقية ثورته؛ وتسعى لتكريس ثقافة التشاركية والوحدة الوطنية التي عاشها أبناء سورية عبر تاريخهم بكل مكوناتهم الفكرية والسياسية والدينية والأثنية والمذهبية، وبما يعزز أسس الطمأنينة لمستقبلهم في وطن يحترم حقوق مواطنيه وانتماءاتهم بكل تنوعاتها. ويكون المعيار في التقييم الفردي لسلوك شخصية سياسية ما؛ أو كيان سياسي ما، بدلاً من حالة الفوضة والخلافات والمعارك الدونكيشوتية التي نراها ليل نهار على وسائل التواصل الاجتماعي.

وممكن أن تكون هذه الوثيقة التي تتفق عليها القوى السياسية؛ وتوقع عليها؛ ممكن أن ترسل إلى اللجنة الدستورية لتكون مقدمة الدستور الجديد القادم؛ ومنها تنطلق وتُكتب مواده.

إن الثورة التي قامت من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ضد استبداد ألغى حقوق الجميع؛ واضطهد الجميع؛ وهدر كرامتهم؛ لا يمكن أن تمارس سلوكاً استبدادياً أو استئصالياً ضد أحد من أبناء الوطن؛ ولابد لهذا الميثاق أن يلحظ ذلك في بنوده.

كما أن ميثاق الشرف الوطني وثيقة أخلاقية ووطنية وثورية وإنسانية؛ تؤكد على رقي الشعب السوري وحضارته وأخلاقية ثورته؛ تجعل أبناء سورية بكل مكوناتهم الدينية والقومية والطائفية مطمئنين لمستقبلهم في وطن يحترم حقوق مواطنيه وانتماءاتهم بكل تنوعاتها.

وعليه فإن ميثاق الشرف الذي ندعو إليه يدعو الجميع إلى ما يلي:

  • لا للتكفير ولا للتخوين: فلا يكفر سوري على أساس معتقده ولا يُخَوَّن سياسي لرأيه مادام ملتزماً بتحقيق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لكل أبناء الشعب السوري.
  • أبناء الوطن كلهم متساوون في الحقوق والواجبات؛ فلا يحق لجماعة أو طائفة أو حزب الاستفراد بالقرار الوطني تحت أية ذريعة كانت.
  • سوريا وطن لكل مواطنيها فلا يحق لأحد تقسيمه على أساس ديني أو طائفي أو قومي لأي سبب كان. وتبقى صيغة إدارة الدولة (لا مركزية، أو لا مركزية موسعة) يتم التفاهم والاتفاق عليها بين الجميع.
  • حماية المواطنين المدنيين على مختلف طوائفهم وانتماءاتهم على كامل الجغرافية السورية أمانة في أعناقنا جميعاً ومن الواجب علينا حماية أرواحهم وأملاكهم ومقدساتهم؛ وهذه ثقافة السوريين عبر تاريخهم.
  • الحفاظ على التراث الحضاري والثقافي والإنساني والتاريخي واجب على الجميع وأصحاب القرار السياسي وكل من يقود الوطن.
  • وقف هدر الدم السوري فريضة مستعجلة وملحة؛ يحتاجها المواطن السوري في الداخل؛ أكثر من أي وقت مضى.
  • حرية التفكير والتعبير والابداع مكفولة لكل المواطنين ضمن الضوابط الأخلاقية والاجتماعية التي تحترم مشاعر الآخرين ومقدساتهم.
  • الحفاظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً ودولةً. والتأكيد على حقوق كافة مكونات الشعب السوري.
  • التأكيد على الطابع الوطني واستبعاد كافة المشاريع الطائفية والدينية والإيديولوجية.
  • الالتزام بتحقيق دولة المواطنة بمعناها العميق الذي يُشعر كل فرد في هذا الوطن أنه يتمتع بكراكته وحريته؛ وأن حقوقه مقدسة.
  • الدين لله والوطن للجميع.

إن ثقافة القطيعة هي التي أوصلت الوطن وأبناءه إلى ما وصلوا إليه؛ حينما رفض النظام المستبد أن يسمع لقوى المعارضة والشباب؛ وهي ذاتها التي أوصلت المعارضة إلى هذا الحال غير المرضي للجميع؛ وهي ذاتها أيضاً التي جعلت المجتمع الدولي لا ينظر إلينا باحترام.

ولا بد من العودة إلى ثقافة المشاركة؛ فهي حبل النجاة للجميع؛ وليبقى كل فريق يعمل ضمن أطره الحزبية والسياسية؛ لكن هناك ضابطان لعمله يقيمانه ويحددان مصداقية سلوكه؛ هما ثقافة المشاركة مع الآخرين في الخطوط العريضة، والالتزام بميثاق الشرف الوطني.

هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المركز

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©