الولادة القيصرية لحزب الله

تقدم هذه الورقة السيرورة التي أنتجت لبنان بوصفه دولة، والصيرورة التي هيأت الولادة القيصرية لحزب الله ليكون ذراعاً لإيران منفذاً لأجندته الفارسية في الخاصرة الرخوة للوطن العربي؛ إذ تستعرض بالتحليل والدراسة تلك المراحل التاريخية التي جعلت حزب الله يسيطر على لبنان ويكون فرعاً للمشروع الإيراني من خلال المحاور الآتية:

  • ولادة دولة لبنان وأبعاد الولادة.
  • حركة التشيع في لبنان تذهب باتجاه إيراني.
  • شخصيات شيعية لبنانية تضع بذور المشروع الإيراني في لبنان.
  • المشروع الإيراني في لبنان ومقدمات ولادة حزب الله.
  • ولادة حزب الله في لبنان إيرانياً.
  • شعار المقاومة والممانعة في خدمة المشروع الإيراني.
  • لماذا رفض الخميني عرض الأسد بالإقامة في دمشق؟.
  • طائفية حزب الله تنكشف في الأزمة السورية.

المدخل

لم تخرج بدايات تأسيس (حزب الله) في لبنان عن البدايات التي أسست بها أغلب الأحزاب الدينية في المنطقة العربية الإسلامية من خلال الاتكاء على المنتج الفقهي الموروث، أو بشكل أدق انتقاء خط فقهي موروث محدد؛ وإن كان غير صاف في البدايات بل مشوباً بتداخلات فقهية من هنا وهناك؛ لا يعود سببها إلى التشوش العقائدي لدى النواة المؤسسة فحسب بل -ربما الأهم- إلى حالة التعمية التي تفرضها الخطوات الأولى التي تهدف إلى جذب المندفعين غير المستقرين عقائدياً سواء من المنتمين إلى العقيدة نفسها أم حتى منتمي العقائد الأخرى واستثمار النشاط العقائدي والاجتماعي للشخصيات الدينية المعروفة في محيطها القريب وبخاصة الأبعد حال توفره وأيضا استغلال الأوضاع السياسية والاجتماعية في بيئة التأسيس وتوظيفها لخدمة المشروع؛ ليأتي (التبني) تتويجاً لخطوات أولى بدأت تأخذ ملمحا مبشرا وأحيانا يكون (التبني) هو السابق والموجه والمموِّل من دون أن يقفز عن الخطوات السابقة كممهد ضروري للولادة.

أي يمكننا أن نصادف حالات تكون الولادة فيها طبيعية ثم يبدأ أصحاب المشروع بالبحث عن أب لمشروعهم وأحيانا تكون الولادة (قيصرية) أي يكون الأب أولاً ثم يجري البحث في ترتيبات الحمل والولادة، وربما كانت هذه أقرب إلى حالة (حزب الله) في حين كانت الحالة الأولى أقرب إلى (الإخوان المسلمين) مثلا.

ولادة دولة اسمها لبنان

أسس لبنان بموجب رغبة فرنسية وهذا ليس مجال الخوض في أولوية البيضة أم الدجاجة؟ أعني هل تَوَجتْ الرغبة الفرنسية واقعا بدأ يتمظهر وينفصل منذ القرن السابع عشر على يد إقطاعيات محلية أم أن تلك الرغبة حركت طموحات ما لدى العائلات الإقطاعية في جبل لبنان؟.

النتيجة الواقعية لهذا أو ذاك هو نشوء دولة في المنطقة لا تمتلك أيا من مقومات الدولة، ولا يمتلك أهلها أيَ تمايز عرقي أو ثقافي أو تطوري عن محيطهم، ولا عبرة في وجود دول مشابهة للبنان في أوروبا من حيث المساحة أو السكان فالتطور الاجتماعي والاقتصادي هناك يبعد آلاف السنين الضوئية، وهو مهم لتأمين سبل العيش واستمرار الحياة والأهم استقرار الفضاء الحضاري فائق التطور في أوروبا في مقابل استمرار الهمجية في ما يعرف بـ (الشرق الأوسط) بمكوناته كلها الإثنية والدينية والمذهبية وصعود مستمر للقوى الشريرة عسكرية ومدنية على حد سواء في المنطقة.

الأمر الذي يجعل من كل دولة في المنطقة تبحث عن (بلطجي/ فتوة) لحمايتها وفي مثل هذه الحالة فإن الدول بحجم لبنان لا تبحث عن بلطجي فحسب بل تصبح ملاذاً يأوي إليه شذاذا الآفاق كلهم، وهذا ما حدث بالضبط.

جرى تشكيل لبنان على أساس اقتسام السلطة بين المسلمين والمسيحيين (ربما لغياب التمايز العرقي الجدي فيه) وحَكَمَتْهُ عائلات خليط من الإقطاع التقليدي والنخبوي ذي المَسْحة الحداثوية الشكلانية والطائفية القروسطية فجاء (سلطة) لا مثيل لها في تاريخ الدول.

استمرار الانتماء الطائفي المسوَّر لا بالقوانين وحسب بل بالدستور أيضا جعل التطور الاجتماعي أشبه بالمستحيل وتشبه النخب العائلية الحاكمة بالغرب وامتلاكها تقاليد أرستقراطية جعل التعايش ممكناً، واحتياج الجميع في المنطقة والعالم إلى منصة شرق أوسطية غير مباشرة، أو مستترة وفَّر دخلاً لابأس به جعل العيش متاحاً، ووجود مساحة ما للنشاط السياحي جعل للبلد شهرة.

استمرت الأمور تسير على نحو (مُرْضٍ) نحو خمسة عقود نصفها كان بسبب السيطرة الأوروبية (الاستعمارية) على عموم المنطقة الأمر الذي خلق صمَّامات أمان نسبي وبعد رحيل الأوروبيين بدأت المنطقة تدريجيا تستعيد ارثها الاستبدادي فكان انقلاب حسني الزعيم 1949 في سورية وسلسلة الانقلابات التالية وصولاً إلى (البعث) 1963 وانقلاب عبد الكريم قاسم وما تلاه في العراق وحركة (الضباط الأحرار) (مصر23 تموز 1952).

هذا فتح الطريق واسعاً أمام شعوب المنطقة لاستعادة الإرث الاستبدادي وعودة الأحلام الإمبراطورية في المستويين العملي والثقافي فاشتد ساعد الإخوان المسلمين في الجانب السني وبدأت تطفو على السطح حركة عقائدية ارتدادية على الجانب الشيعي (مقرها إيران بشكل أساسي) وتغوَّل الحلم لدى الحركات القومية النرجسية الفاقدة للحامل الحضاري الاجتماعي والاقتصادي والأهم المعرفي (العربية وغير العربية) ولم ينجُ الشيوعيون من الغرق في بحر الأوهام.

حركة التشيع في لبنان تذهب باتجاه إيراني

في هذا الجو العقائدي المحموم كان من الصعب تصور كون دولة صغيرة مثل لبنان بمنأى عن التجاذبات. لكن المد الشيعي السياسي المؤدلج تأخر في الظهور في لبنان مثله مثل المنطقة كلها، ولهذا عوامل تاريخية ربما أبرزها أن الدولة الشيعية الإقليمية الوازنة (إيران) كانت تسير في طريق الحداثة الذي فرض صراعا داخليا بين النظام الشاهنشاهي مؤسس الدولة الحديثة وحاميها والبنى الاجتماعية التقليدية المحافظة التي وجدت في رجال الدين الشيعة سلاحًا مفيداً في المواجهة فدفعت بهم إلى الواجهة.

الأمر الذي حال دون استخدام الشاه المذهب أداة للتوسع الإقليمي. من دون أن يعني ذلك أن الشيعة كانوا بعيدين عن السلطة في لبنان ولكن عبر الأسر الشيعية التقليدية، في حين غلب التوجه اليساري على نخبها الثقافية وانخرط شبابها في الحركات القومية واليسارية وفي المقاومة الفلسطينية.

في نهايات ستينات القرن الماضي (العشرين) بدأت ظاهرة جديدة تطفو على السطح في لبنان تمثلت في ذهاب مجموعات من شباب الطائفة الشيعية اللبنانية إلى العراق (النجف) لدراسة المذهب ومع أن المسألة في تلك الحدود ليست هي الجديدة لكن الجديد فيها هو نوعية أولئك الشباب المتحدرين غالبا من بيئات فقيرة والمتعلمين تعليما بسيطا لا يكاد يتجاوز المرحلة المتوسطة في أحسن الأحوال والعائدين محملين -إضافة إلى الفقه الديني- بمشروعات اجتماعية وتنظيمية تهدف إلى تأسيس (بنية) مغايرة.

شخصيات ساهمت في هذا الاتجاه

يبرز هنا راغب حرب نموذجاً. الشاب الجنوبي (جبشيت) الذي تلقفته المجموعات الدينية حال وصوله إلى بيروت شابا صغيرا فاشلا دراسيا، وهاربا من الفقر والعوز، وحين وجدت فيه أملا أرسلته إلى النجف ليعود بعد خمس سنوات 1974 شخصية اجتماعية لا تقرِّر ما هو الدين الحق وما هو الضلال فحسب بل تُنشِئ مشروعات مالية وخدمية تستقطب عبرها الأتباع (بيت مال المسلمين الذي يقدم القروض للناس، مدرسة الشرقية الابتدائية، مؤسسة شهيد الثورة الإسلامية بدعم من إيران، المسجد الكبير في جب شيت، مبرَّة السيدة زينب).

ومع وصول الخميني إلى السلطة أعلن مبايعته له أميراً على عموم المسلمين ليُظهِر قدراً من الاستزلام لا قرار له (هذه الراية النبوية ستبقى مرتفعة حتى يتسلمها المهدي) وفي خطبة أخرى له أمام أتباعه قال: (إن العمامة التي لا تقول نعم للخميني سنسقطها) قبل أن ينتهي به المطاف مضرجاً بدمه برصاصة قناص مجهولة المصدر في بلدته 1984.

عباس موسوي شاب آخر. فقير، ضائع، وفاشل دراسياً أحد مواليد الضاحية مأوى الفقر في تلك الأزمنة انتسب طفلاً إلى المنظمات الفلسطينية وتدرب على السلاح في صفوفها قبل أن يحتضنه موسى الصدر ويدخله (معهد الدراسات الإسلامية/ صور) 1968 المملوك من الصدر نفسه وبعد إعداد أولي أرسله إلى النجف موصياً به محمد باقر الصدر الشخصية الدينية العراقية المعروفة الذي جعل منه (صندوق بريد) آمناً وأمينا لمراسلاته السرية مع موسى ثم عاد إلى لبنان 1973 ليؤسس مركزا دينيا (بعلبك) حوله في ما بعد إلى مأوى لعناصر الحرس الثوري الخميني ويعتبر من أهم الشخصيات التي أسست (حزب الله) اللبناني على الرغم من أنه لم يُسمَّ أميناً عاماً إلا عام 1991 ليقتل هو الآخر بعد تسعة أشهر فقط في أوضاع غامضة، إذ أعلن الحزب أن موسوي قضى وزوجته وطفلته في غارة لمروحية إسرائيلية وأن جثته تفحَّمتْ تماماً 16 شباط 1992.

حسن نصر الله أحد أبناء الضاحية المُعْدمين أرْسِل إلى النجف صبياً (16 سنة) ليوكله الصدر (محمد باقر) إلى عباس موسوي ويتكفل بنفقاته كافة، وبعد نجاح الخميني ترك (أمل) وانتسب إلى حزب الله وأخيراً صار أمينه العام (إلى الأبد) على الرغم من صغر سنه 32 عاماً.

لسنا هنا بصدد الترجمة الشخصية لأولئك الأفراد، لكننا نريد أن نستكشف التبدلات الحاصلة في البنية الاجتماعية الجنوبية والشيعية بعامة في لبنان عبر نماذجها الواقعية التي قادت التغير، وأول ما يلاحظه الدارس هنا هو بدء ظهور طبقة من رجال الدين الشيعة من منابت مُعْدّمة (وهذه ليست سبَّة بالطبع) لكن تطور هذه الطبقة من محض أشخاص يقومون على الخدمة الدينية للمؤمنين إلى أصحاب مشروعات دخلت في تنافس حاد مع الطبقة الدينية التقليدية، يدفع ذاك الدارس إلى البحث في إمكان وجود مشروع جديد منظم وهادف يتجاوز الخدمة الدينية إلى القيادة السياسية خارج الإقطاع التقليدي الذي طبع قادة شيعة لبنان مثلما طبع قيادات الطوائف الأخرى في هذا البلد المركب بطريقة فيها كثير من الغرابة والكوميديا السوداء.

أمر آخر يجب أن نلاحظه هنا وهو غياب القامات الفقهية بين الجيل الجديد، بل حافظوا على مستواهم الثقافي شديد التواضع إن لم يكن معدوماً تماماً. تتبعْ مثلاً أبرزَ تلك الشخصيات ولا تجد سوى مادحين. طبالين؛ أشبه ما يكونون بالشعراء المرتزقة ولا نَحُطُّ من قدرهم إذا قلنا إنهم (بلطجية) مأجورين وأبرز شخصين يمثلان المستوى المعرفي والثقافي هنا هما عباس موسوي وحسن نصر الله.

هذا التطور في البنية الاجتماعية لأبناء الجنوب اللبناني حصل في بيئة محلية وإقليمية عملت على الاستفادة منه وحاولت ضبطه بالقدر الممكن.

محلياً ساعد انتقال المقاومة الفلسطينية بدءاً من أحداث أيلول واتفاقية القاهرة 1969 إلى تخلخل في تلك البنية وتنمية لإمكاناتها المالية والمعاشية جعلها في غنى نسبي عن الإقطاع التقليدي وإعاشاته وأعطياته وشجعها على الخروج إلى عوالم أرحب استشعرت فيها القوة.

إقليمياً لا نستطيع إلا أن ننتبه إلى التبدل الحاصل من خلال نفي (خميني) من إيران وإقامته في النجف وهو شخصية دينية تحمل مشروعاً (ولاية الفقيه) يقوم على نقض التصورات السياسية التقليدية لدى الشيعة ويسعى إلى خلق توليفة عقائدية تسمح بالوصول إلى السلطة عبر البوابة الدينية.

صحيح أن الفكرة ظهرت في عهد الدولة الصفوية نتيجة تواطؤ بين الشاه (طهماسب 1514 – 1567) والفقيه (علي الكركي) نتج منه مصطلح (نواب الإمام) لخلع شرعية دينية على الحكم الصفوي لكنها بقيت بسيطة وموضع نزاع حتى جاء (خميني) وتبناها وطورها من محض (نائب إمام) ليس له إلا السلطة المعنوية إلى حاكم مطلق باسم (الإله) ونائباً له ومفوضاً باسمه يقول: (للفقيه العادل جميع ما للرسول والأئمة مما يرجع إلى الحكومة والسياسة) أي إنه أسس لأسوء الأشكال التاريخية في الحكم الثيوقراطي، وبعد طرده من إيران ومجيئه إلى النجف ظل على ما هو عليه وفي تقديرنا ساهم وجوده في تبدل الغاية من الإرساليات التعليمية إلى النجف وتبدل نوعها أيضا بسبب الموقف السلبي لرجال الدين التقليديين من النظرية وهنا يبرز (موسى الصدر) الشخصية الإشكالية.

المشروع الإيراني يظهر في لبنان

موسى الصدر: إيراني (مواليد قم 1928) نسل عائلة دينية انتقل إلى العراق (النجف) 1954 وبنى صداقة مع محمد باقر الحكيم ثم أرسِل إماما إلى صور 1958 ودخل في صراع مع القوى الدينية التقليدية بسبب محاولاته تنظيم المجتمع الجنوبي (الشيعي) على أسس مختلفة. الأمر الذي فُسِّر بحثاً عن (زعامة) وهو ما أكدته الأحداث اللاحقة، إذ أسس (المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى) الذي أخذ الصفة الرسمية 1967 ثم دفع الأمور إلى الأمام بتشكيل (حركة المحرومين) التي غاب عنها اللون المذهبي ليتوج نشاطه بـ (أفواج المقاومة اللبنانية/ أمل) قبل أن يختفي نهائيا 25. 8. 1978 وتتهم ليبيا باختفائه.

العلاقة بين الحكيم والخميني والصدر ربما تشكل كاشفاً في هذا النفق يضيء بعض النقاط ويسمح بالتقدم إلى الأمام في عملية (نبش) الطبقات المتراكمة على التبدل الذي حصل.

تُعَدُّ حركة (أمل) أهم تطور نوعي في المسار السياسي المؤدلج في الوسط الشيعي اللبناني لا لكونها حركة عسكرية قائمة على بنية طائفية فشقيقاتها في لبنان كُثْر ولكن لأنها خليط غير متجانس من العلمانيين والدينيين وربما كانت في أصل الفكرة محاولة بديلة من (المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى) الذي لم يستطع الانخراط في السياسة اللبنانية فجاء هذا الجسم ليقوم بهذا الدور فاستَخدَمت كل الأساليب السياسية من دعم مشروعات أسد (الأب) في لبنان إلى قتال منظمة التحرير والقوات الفلسطينية والدخول في مفاوضات مع إسرائيل.

أي إن غياب الصفة الدينية أو المذهبية عن اسم الحركة (أفواج المقاومة اللبنانية) سمح لها بممارسات لا تتحمل الطائفة الشيعية تبعاتها لكن غياب الصدر الذي ما زال موضع تساؤل وتسلم نبيه بري الشخصية غير الدينية وانخراط الحركة أكثر في المستنقع السياسي والأهم وصول الخمينية إلى السلطة في إيران قاد إلى عملية فرز اضطرارية بين رجال الدين وغيرهم ففي حين يصرُّ بعضهم على بقاء التحالف مع (الأسد) والمحافظة على الطابع اللبناني للحركة.

يسعى العقائديون الذين أشرنا اليهم سابقا من خريجي النجف للانخراط في المشروع الإقليمي (الخميني) بسبب من التربية التي تلقوها وبسبب من منابتهم التي ولَّدت لديهم عقد النقص والحقد والكراهية فوجدوا في الدعم الإيراني فرصة لإفراغ كبتهم والثأر من تاريخ الحرمان والإذلال.

ليس من السهل معرفة حقيقة موقف (موسى الصدر) من الصراع داخل أمل في تلك الفترة، لكن الإهمال العملي لقضيته والاكتفاء بالإتجار بها إعلامياً ودعائياً يتيح للمرء الاستنتاج أنه لم يكن إلى جانب هؤلاء الصِّبْية متعجلي الوصول إلى الزعامة وإن كان لا يعارض مشروعهم في العمق. لكنه أكثر خبرة ودراية وربما أقل طموحاً وطمعاً، وبخاصة أن العلاقات بين الأسد والخمينية لم تكن قد استقامت بل ما زالت حينها في طور المواجهة وخبرته تعلِّمه أن الأسد مستعد لفعل أي شيء يبقي لبنان ساحة لنفوذه ومزرعة لضباطه.

لكن إذا كان من الصعب معرفة الموقف الحقيقي للصدر فإن نموذج الشيخ الطفيلي يوفر للباحث إضاءات مهمة يمكن القياس عليها والاستنتاج منها لحقيقة الصراع داخل أمل بداية وضمن صفوف حزب الله لاحقاً.

صبحي الطفيلي التحق بحزب الدعوة (العراق) 1966 – 1974 والتقى هناك الموسوي ثم صار من أنصار خميني بعد 1979 ونسق مع الإيرانيين وصول الحرس الثوري إلى لبنان وسمِّي امينا عاما للحزب 1989 – 1991 ليُعزل ثم ليطرد من الحزب 1998 لقيادته ثورة الجياع (البقاع 1997) وأيضاً بسبب اختلافات الرؤية حول بنية الحزب ودوره مع المجموعة الخمينية التي سيطرت تماماً على قيادة الحزب وسمَّت (موسوي) أميناً عاماً وأهم نقاط الخلاف خروج الأمور عن نطاق (الشورى) والتفاهم داخل الحزب، إذ صار القرار إيرانياً ينفذه أزلام الخميني وهو ما قرأه الطفيلي على أنه بداية تحول إلى عصابة مرتزقة وصدقت نبوءته.

هكذا انسحب عدد منهم من أمل التي اصطفت نهائيا إلى جانب الأسد وأسس المنشقون عنها العقائديون (حزب الله) التنظيم السياسي العسكري الطائفي من دون أي غطاء، والأهم المؤمن علناً بولاية الفقيه والمجنَّد من دون حياء في خدمة المشروع الإمبراطوري الإيراني/ الخميني.

بين التأسيس 1982 والانسحاب الإسرائيلي من الجنوب 2000 انشغل الحزب بترتيب البيت الداخلي فالأعضاء المؤسسون ليسوا جميعهم على خط واحد. صحيح أن الجميع مؤمن بولاية الفقيه ولكن دور الحزب ومهماته لم تكن موضع اتفاق، وآلية (الشورى) ربما تعرقل في لحظة مقاولة مغرية ولا ننسى أيضا أن (الكعكة) وازنة وتسيل اللعاب فالمال الإيراني نبع متدفق ويستحق خوض المعارك.

هكذا تدريجياً جرى التخلص من مسببات الخلل كلها داخل الحزب ومنغصات الشبق الإيراني إلى كتيبة عمياء تنفذ من دون أي اعتراض. إن مثل هذا الأمر تطلب وقتاً ليس بالقليل. عشر سنوات من الصراعات الداخلية انتهت بتولي شخصية مثيرة للجدل مستعدة للقيام بأي مهمة مهما كانت لنيل الرضى إنه حسن نصر الله الذي أطلق عليه السوريون لقب (زميرة).

خارج الصراعات الداخلية ظهر الحزب باعتباره (حركة مقاومة) ضد الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني ومناطق في البقاع الغربي ومشارف بيروت. لكن البرامج التي اعتمدها الحزب لا تشير إلى أنه محض (حركة مقاومة) بل هو أحد النماذج الأولى لتصدير الهمجية الخمينية. غير أن الواقع اللبناني لا يسمح بالاندفاع بعيداً في تنفيذ المشروع، ولبنان ليس البيئة الملائمة للانطلاق إقليمياً. لذلك بقي مشروع حزب الله الحقيقي أي تحويل لبنان إلى ولاية خمينية مؤجلاً ومغطى ببعض السياسات العملية التي تعطي الطمأنينة في أيام الرخاء وتحسم المعركة بسرعة وحزم في لحظات الأزمة (ورقة التفاهم مع التيار العوني والخميس الأسود 1. 6. 2006 واجتياح بيروت 2008 نماذج معبرة عن السلوكين).

الانسحاب الإسرائيلي وطرد الأسديِّين يسقط الأقنعة الزائفة

دخلت إسرائيل أول مرة إلى لبنان آذار 1978 وانسحبت من جنوب لبنان 25. أيار 2000 من دون اتفاق علني مع الأسد الأب وتلك هي (القصيدة التي قالها عمرو بن كلثوم وألْهَتْ بني تغلب) لكن من المفيد الانتباه هنا إلى:

أن حجم العمليات التي نفذها (حزب الله) ضد إسرائيل ليست كافية لإرغامها على الخروج من لبنان فما قامت به المقاومة الوطنية اللبنانية والفلسطينية سواء قبل الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان أم بعده أكبر كثيراً وأشد ايلاماً للإسرائيليين، والمواجهات الواسعة لم تؤدِّ إلى نتائج سياسية لمصلحة القضية الوطنية اللبنانية أو الفلسطينية. على العكس قادت إلى إجبار منظمة التحرير على مغادرة لبنان 21 آب 1982

ومن المفيد استذكار تاريخ الوجود الإسرائيلي في لبنان فقد بدأ أصلاً رداً على عمليات المقاومة الفلسطينية واللبنانية عبر الحدود أو داخل فلسطين ذاتها ولم تخرج إسرائيل إلا بعد توقف النشاط العسكري المعادي كله من لبنان.

أيضاً النشاط العسكري لحزب الله توقف هو الآخر عبر الحدود بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب وانحصر في عمليات محدودة جداً في (مزارع شبعا) هدفها سياسي للتغطية على استمرار سلاح حزب الله بعد الانسحاب الإسرائيلي وأخطر تلك العمليات كان خطف جنديين إسرائيليين فردت إسرائيل بهجوم وحشي (حرب تموز 2006) دمَّر البنى التحتية اللبنانية وقتل آلاف الناس وأعاد تثبيت قواعد التفاهم من جديد: إسرائيل ليست (مكسر عصا). حلُّوا مشكلاتكم بعيدا عنا. ذلك أن عملية خطف الجنديين صُممت لتكون مخرجاً لحزب الله بعدما وُضِع سلاحُه على طاولة البحث في الحوار اللبناني.

كذلك يشير عدد من الاعترافات إلى وجود مفاوضات أسدية إسرائيلية سبقت الانسحاب الإسرائيلي وكانت تركز على مصير سلاح حزب الله وجنود (جيش لبنان الجنوبي) غير أن أحدا من الإسرائيليين أو الأسديين لم يعترف صراحة بنتائج تلك المفاوضات وبناء على النتائج العملية يستطيع الباحث أن يتكهن أن تفاهما إيرانيا، أسديا، إسرائيليا جرى عبر الأمريكيين أو جهة أخرى يتضمن تعهداً إيرانياً بحصر نشاط حزب الله داخلياً بعيداً عن إسرائيل كما تتعهد ميليشيا الأسد التي كانت في أوج قوتها بردع أي محاولة للخروج على التفاهم.

من بين الوقائع التي يستند إليها الباحث للخروج بتلك النتيجة المفترضة أن حزب الله شنَّ أربع عمليات فقط ضد مواقع إسرائيلية وفي مزارع شبعا المتنازع عليها حصراً بين الانسحاب الإسرائيلي وحرب تموز أدت إلى مقتل جندي إسرائيلي واحد (كانون الثاني 2004)، وربما تفهمت إسرائيل تلك العمليات واكتفت بالرد الموضعي لكن تجاوز الحدود التبريرية في عملية تموز 2006 التي أدت إلى أسر جنديين ومقتل ثمانية دفع إسرائيل إلى الرد الحازم الذي أجبر الأسد وإيران على الوفاء بتعهداتهما.

بالعودة إلى معزوفة (التحرير) التي تاجر بها الحزب طويلا فمن المهم القول إن الجنوب اللبناني لم يكن أصلاً جزءاً من (إسرائيل)، ولا نعثر على تصريح لمسؤول إسرائيلي بهذا المعنى كما هي الحال بالنسبة إلى كامل فلسطين ومرتفعات الجولان وكان بإمكان إسرائيل احتلاله بسهولة في حرب حزيران 1967 ولكنها لم تفعل والنتيجة واحدة سواء كان المانع عدم وجود الرغبة الإسرائيلية أم الموقف الأوروبي الذي يعطي لبنان موقعاً مميزاً في سياساته شرق الأوسطية، وإنما اندفعت إليه بسبب حجم ضربات المقاومة الفلسطينية والوطنية اللبنانية، الأمر الذي هدد استقرار الحياة في الجليل، أي إن السلوك الإسرائيلي أو السياسة الإسرائيلية هي بالأساس اندفاعية هجومية في ما يتصل بأمنها وهذا هو السلوك الطبيعي لدولة صغيرة المساحة قليلة السكان لا تنتمي إلى المنطقة تاريخياً وبشرياً وحضارياً. إنها حتما ستكون مسكونة بالخوف.

أما (جيش لبنان الجنوبي) فهو في أصله كتيبة لبنانية نظامية أنشئت لضمان الأمن في الجنوب وضبط المقاومة وتحجيمها تجنباً للصدام مع إسرائيل وحين فشلت في مهمتها دخلت إسرائيل بجيشها لضمان الأمن وتعاونت مع الكتيبة اللبنانية التي ظلَّ جنودها يتقاضون رواتبهم حتى عام 1990 من الحكومة اللبنانية.

بعد الاجتياح الإسرائيلي الأول انخرط في الكتيبة متطوعون لبنانيون جلُّهم من المسيحين وناهز عددها ألفاً، وبعد عام 1990 حاولت إسرائيل تطويرها للتحول إلى قوة قادرة على ضبط الأمن بمفردها وهنا لعبت الديموغرافية الجنوبية دورها فصار أكثر من نصف القوة من الشيعة اللبنانيين.

يستطيع المرء أن يقول: إن انخراط هؤلاء بتلك القوة لم يكن عفوياً بل للسيطرة عليها من الداخل مع أنه مرة أخرى يعتمد الحدس لا الوثائق.

هكذا تصاعد فشل الجيش الجنوبي بالاضطراد مع تزايد عدده ما أجبر إسرائيل على التدخل المباشر والمتكرر للردع وظَّفته السلطة اللبنانية ذات العلاقة الخاصة مع الأوروبيين (رفيق الحريري تحديداً) في الضغط على إسرائيل لإيجاد حل للمعضلة يحافظ على الكيانية اللبنانية حتى ولو كانت هشة ويضمن أمن الجليل.

واقع (حيص بيص) هذا انتهى بتفاهم غير معلن يستبدل دويلة (سعد حداد) الفاشلة والمكلفة لإسرائيل سياسياً ومالياً وبشرياً بدويلة (حسن نصر الله) التي تتكفل إيران بتكاليفها كافة، ويتعهد الأسد بضبطها وتجني إسرائيل ثمارها فكان الانسحاب الإسرائيلي 25 أيار 2000 وربما ساعدت الأوضاع الإقليمية أيضاً على الدفع بهذا الاتجاه، فإيران تريد الظهور أمام أمريكا وأوروبا بمظهر الصديق الوفي والقادر على الإبقاء على الزخم الغربي المعادي للعراق والأسد (الأب) كان يعدُّ أيامه الأخيرة ويتأهب للرحيل تاركاً خلفه غرَّاً ساذجاً لا يكاد يفقه قولاً، ومن الافضل ألا يورثه أزمة بحجم أزمة الجنوب اللبناني لا يستطيع إدارتها.

لسنا من أنصار (نظرية المؤامرة) ولسنا من القائلين إن التاريخ يسير وفق (تصميم مسبق وذكي) وأيضا لسنا من السذاجة بحيث تأخذنا الشعارات حتى ولو كانت تلك الشعارات تدغدغ أحلامنا.

لا نحفظ التاريخ لنردده عن ظهر قلب في مجالسنا بل نتتبع الوقائع. نربطها ببعضها، ونستنطقها منطلقين من قاعدة: الوقائع تخلقها الحاجة القائمة أو المأمولة وبعد تجسد الواقعة ربما تتحول إلى رأس مال يوظف في استثمارات لاحقة قد لا تكون في بال الجيل الأول، بناء عليه لا نرى أن ما جرى في نهاية الستينيات في لبنان وشرحناه آنفاً، وأعني تبدل طبيعة الإرساليات الدينية للطائفة الشيعية كان الهدف منه محدداً سلفاً أي الوصول إلى الوضع الذي عليه لبنان الآن بل ربما كان الهدف حينها بسيطاً وفي إطار الصراعات الداخلية/ الطائفية اللبنانية ومحاولة بعضهم تغيير المعادلات داخل الطائفة ومجاراة التبدل الاجتماعي في عموم المنطقة تأثرَ في سياق الأحداث بالنشاط السياسي العقائدي في إيران الذي وفَّرت له الرغبة العراقية في استخدامه أداة في المواجهة مع الأطماع الشاهنشاهية (1965 – 1978) فرصة للنمو والتنظيم. ثم جاءت تطورات الأوضاع أي وصول الخمينية إلى السلطة مثقلة بأحلامها التوسعية ووجود ميليشيا الأسد في لبنان والتفصيلات اللاحقة كلها ليحوَّل تدريجياً من مشروع تنظيمي بسيط (المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى) إلى أهم أداة تدميرية في المنطقة العربية.

لماذا رفض الخميني عرض الأسد للإقامة في دمشق

العلاقات بين الأسد (الأب) والخميني لم تكن يوماً علاقات تحالف ولا مبنية على الثقة، وفي تقديرنا لم يلعب العامل العقائدي أي دور لا في بنائها أساساً ولا في استمرارها. إنها علاقة العصابات التي تعيش الأوضاع الصعبة فتعمل على تقديم الخدمات المتبادلة ومن يبحث عن شاهد فليسأل نفسه بداية: لماذا فضل خميني الإقامة في باريس ورفض العرض الذي قدمه الأسد لاستضافته إثر ترحيله من العراق تنفيذاً لاتفاق الجزائر 1975 بين البلدين.

لا جواب عن التساؤل السابق سوى أن الخميني يدرك طبيعة الأسد وخبثه وسعيه لتحيُّن الفرص وأن الأسد لم يربط وجوده يوماً بجهة أو واقعة بذاتها فكان يفتقد الإستراتيجية لكنه يمارس التكتيك بحرفية عالية، ونظن أنه على قناعة تامة أن الأسد سيظهره في القناة التلفزيونية الأسدية حال وصوله إلى دمشق شاكراً الأسد على مكرمته باستضافته وأنه سيؤمم حتماً الخميني والخمينية وممتلكاتهما المعنوية كلها، وسيوظفها لخدمة مشروع ما أو سيقايضها بمشروع آخر في المنطقة.

إن إدراك الخميني هذا هو ما جعله يرفض العرض الأسدي ولم تكن العلاقات بين الجانبين سوية في أي مرحلة. لكنها الحاجة (لعنها الله) حين لعب الأسد دورا مهماً في حصر الحرب العراقية الإيرانية بين البلدين والحيلولة دون تحولها إلى حرب إقليمية وأيضا توظيف قدرات سورية الاقتصادية والعسكرية لدعم إيران. ومع ذلك لم يبنِ ثقة ولم يوحد سياسات الجانبين فظلت الخمينية تسعى إلى تنفيذ مشروعها في لبنان وظل الأسد يقاتل من أجل التفرد بالوضع اللبناني وخاض الجانبان صراعاً دموياً عبر أداتيهما اللبنانيتين (أمل وحزب الله).

بعد الانسحاب الإسرائيلي ورحيل الأسد الأب لم يلعب حزب الله دوراً أساسياً في الوضع اللبناني واستثمرت إيران انشغال وريثه بترتيب البيت الداخلي لترفع درجة الاهتمام بأداتها اللبنانية وتنمية قدراتها ولو في ظل سيطرت ميليشيا الأسد وتحكمها بالوضع اللبناني إلى أنْ ارتكب الأسد الخطأ القاتل عندما لم يجد طريقة يتخلص بها من ضغط رفيق الحريري والقوى اللبنانية الأخرى لدفعه إلى الخروج من لبنان سوى تصفيته جسدياً بعملية تكشف كثيراً من الرعونة واللامبالاة والرغبة في زرع الرعب في قلوب اللبنانيين جميعهم، فثارت ثائرة اللبنانيين واندلعت ثورة الأرز وصدر القرار الدولي بإرغام أسد على سحب ميليشياته من لبنان فكانت ليلة القدر بالنسبة إلى حزب الله وإيران التي دفعت الحزب إلى إعلان الولاء للأسد عبر مسيرة (8 آذار 2005) بعنوان: شكرا سوريا. الأمر الذي استفز اللبنانيين فردوا بتظاهرة مليونية تهتف للاستقلال وخروج ميليشيا الأسد (14 آذار 2005). إن تلك اللحظات تكشف على نحو فاقع الدور الحقيقي المنوط بتلك الميليشيا المرتزقة.

طائفية حزب الله في الأزمة السورية

لم يكن الصراع مع المحتل الإسرائيلي سوى غطاء لكسب الوقت وتمرير اللعبة ولم يكن حزب الله أو إيران معنيان بالسلم الأهلي اللبناني بل بتنفيذ مشروع تصدير (الهمجية) الخمينية اعتمدت فيه إيران أسلوب النفس الطويل ومداراة الأوضاع واصطياد الفرص وحين حان الوقت الملائم كشفت حقيقة تلك الأداة: ذراعاً طويلة تستخدمها لتهديد العدو العربي ولتوفير الدعم الإيراني غير المباشر للعصابات الشبيهة الناشئة في الدول العربية وقد تجلى ذلك أكثر ما تجلى في تدخل حزب الله في سوريا لدعم عصابة الأسد.

سياسة النفس الطويل وتحمل الصعوبات مهما بلغت وانتظار تبدل الأوضاع وانعدام الموقف المبدئي أي الميكيافيلية العارية والوقحة قاسم مشترك بين الأسد والخميني، لكن الأوضاع جاءت في خدمة إيران أكثر مما خدمت الأسد الابن فكانت الانتفاضة السورية (التي سيرتبط باسمها في تقديرنا التبدلات شرق الأوسطية كلها طوال القرن الواحد و العشرين) فرصة إضافية لتبديل مركز القيادة الفرعية من دمشق إلى الضاحية الجنوبية فدفعت حزب الله إلى الاشتراك الفعلي والواسع في القتال ضد الشعب السوري.

دور حزب الله في قتال الشعب السوري دعماً لميليشيا الأسد التي انهارت تماماً في أواسط عام 2012 وصار القتال على تخوم مدينة دمشق؛ لم يقتصر على المحافظة على الكيان الأسدي أي لم يكن الحزب قوة دعم عسكري بل بدا من اللحظات الأولى مشروعاً سياسياً متكاملاً فبرزت الهمجية الطائفية بوقاحة، ولا نظن أو نجري خلف الآخرين الذين يظنون أن ذلك كان ضرورياً لشد العصب الداخلي لقاعدة الحزب فالقتال في سوريا واسعة المساحة كثيفة السكان يحتاج إلى ما هو أكبر من (قاعدة) الحزب. يحتاج إلى أعداد هائلة من المقاتلين وتعبئة شعبية واسعة سيتضاءل بسببها الرابط العقائدي.

ربما كان هذا مفيداً في بداية التدخل بذريعة حماية المراقد المقدسة لكنه لم يستمر كذلك مع تطور العمليات العسكرية واتساع نطاقها الجغرافي .

أيضاً؛ ارتكاب مجازر علنية وصلت إلى ذبح الاطفال السنة بالسكاكين وأمام الكاميرات لا يمكن تفسيره سياسياً بدافع الحقد الطائفي الأعمى ولا باعتباره جزءاً من الحرب النفسية.

مسألة أخرى تشكل كاشفاً ضوئياً مهماً. من الخطأ التغافل عنها وأقصد تولي حزب الله تشكيل ميليشيات سورية وتدريبها وقيادتها وزجها في المعارك بوجه الشعب السوري.

هذه السلوكات وبخاصة إعطاء الأولوية للهوية الطائفية الثأرية الحاقدة (ويلاحظ مِن تتبع إعلام الأسد أنه يجهد لتجنب الظهور بالمظهر الطائفي لا ندري إدراكا منه للأهداف السياسة الإيرانية أم لحسابات تخصه). تهدف في تقديرنا إلى توسيع الشرخ بين (النظام) والمكون الأكثري لقطع الطريق على أي حل وطني في أي لحظة مقبلة من خلال إظهار الصراع طائفياً. الأمر الذي يتطلب (منطقيا) الارتكاز على العداوات الطائفية في أي حل وأخذها بالحسبان. إنه تكرار السيناريو اللبناني في سوريا من خلال السيطرة على عموم المكون الشيعي في سورية (العلوي وغيره) من داخله وربما تكرار لسياسة الامتيازات التي اتبعتها الدول الأوروبية في الدولة العثمانية (القرن التاسع عشر) وقطفت ثمارها لاحقاً.

لكن السياسات الحزب اللاوية بخاصة والإيرانية عموماً لم تؤدِّ إلى سيطرة إيران على النظام ولا على الطائفة العلوية على الرغم مما يطفو على السطح. بسبب من عجزها عن قهر الشعب السوري من جهة. الأمر الذي استوجب تدخلاً روسياً واسعاً وبطلب من إيران نفسها، ومن جهة أخرى إيران ليست قوة ذاتية كما أشرنا في عدد من دراساتنا السابقة. لذا فهي تفتقد بنيوياً إلى القدرة على انتهاج سياسات مستقلة وفي لحظة هي مضطرة إلى الوقوع بين خيارين: القبول بما يُرمَى لها أو خسارة كل شيء.

لكن السياسات الخمينية المجنونة تلك أنتجت (من بين ما أنتجت) ربطاً عضوياً في المصير بين المكونات الثلاثة أي: عصابات الأسد، وقم، والضاحية ولا أحد لديه شك في هذا وخسارة المواجهة لن تكون لأي منهم خسارة معركة بل خسارة وجود؛ وستذهب الأعباء كلها التي تحملها الشيعة في لبنان والعراق أدراج الرياح.


هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.