اليسار السوري في القرن العشرين

اعلام الشيوعية

الحزب الشيوعي نموذجاً

 محمود الوهب

مدخل عام

إذا كانت مفردة اليسار في لغتنا العربية تعني وجه اليسار المادي من غنى وثراء، وسهولة في كسب الرزق، ورخاء في العيش، فإنها في المفاهيم السياسية المعاصرة تعني جانبه الروحي أيضاً، إذ يتجلى بالسعي الدائم لصالح الإنسان، والشعور به، وبمعاناته مآسي الحياة، وقسوة عيشها، إنها بكلمة ثورة الإيثار على الاستئثار، وتفضيل العام على الخاص، فالخاص متماهٍ في العام حكماً، والفرد في المجتمع، والوطن فوق الجميع.. ويتمتع اليسار، كذلك، بمسحة إنسانية شاملة.. إنه بكلمة تطلع الإنسان إلى الحرية والعدالة والمساواة، والتحلي بالخلق الإنساني السليم الذي شرعته الأديان، وقال به ذوو العقول المستنيرة من فلاسفة وحكماء، بغية الارتقاء بالإنسان، وبأدوات عيشه وحياته ووسائلهما، وبما ينعكس خيراً على شرائح المجتمع كافة.

جذور اليسار في ثقافتنا العامة

لدى البحث عن جذور لليسار في ثقافتنا العربية الإسلامية نجد الكثير مما يمكن أن يتماهى مع مفهوم اليسار الحديث بوصفه نضالاً من أجل تحسين حياة الناس، وفئات المجتمع الفقيرة تحديداً ولعلنا نرى في شخصية الخليفة الإسلامية عمر بن الخطاب نموذجاً لما نذهب إليه.. ففي عهده جرى تضييق على أمراء بني أمية الذين عرفوا البذخ واللهو في مطلع الدولة الإسلامية حيث الفتوحات والخراج الذي يأتي من البلدان المفتوحة.. ويعيد بعض الباحثين إلى أنَّ مقتل ابن الخطاب على يد أبي لؤلؤة الفارسي إنما جرى استناداً إلى مواقفه الحازمة العامة، وربما بتحريض من بعضهم إذ من يتجرأ على ذلك الرجل القوي بعدله وصدقه..؟! (كتاب اليمين واليسار في الإسلام/أحمد عباس صالح) ومشهورة عبارة ابن الخطاب الدالة على ما نرمي إليه:

   “لو استقبلت من أمري ما استدبرت لرددت فضول الأغنياء على فقراء المهاجرين” وهو الذي أوقف حدَّ السرقة في عام الرمادة.. وهو من انتصر أيضاً للملكية الجماعية يتوارثها المسلمون كافة عندما فتح المسلمون أرض السواد في العراق رغم تباين آراء الصحابة حول تلك المسألة..! وواضح أن في هذه المواقف جميعها لا الميل نحو الفقراء ضد الأغنياء فحسب، بل إنها، في العمق، ميل نحو نمو الحياة على قاعدة توازنها. ولعلي أذكر هنا رسالة أوردها أحد الباحثين في محاضرة له في دار الكتب الوطنية بحلب أنَّ ثمة رسالة من ماركس لأنجلس من الجزائر يقول فيها: “إنَّ ثمة من سبقنا إلى الاشتراكية، يا فريدريك، إنه ابن الخطاب..” وهذه المسألة وإن برزت عبر فرد هو عمر، لكن آخرين كانوا مؤمنين بها إنها ثقافة ذات عمق إنساني، وجدت في شبه الجزيرة العربية، وقد أكدها الإسلام بثورته، وهي قائمة في حياة العرب قبل الإسلام، وفي ممارساتهم، تكشف عنها سير العديد من شعراء العرب الصعاليك.. ومن هؤلاء عروة بن الورد الذي كانت تزحف إليه الجياع قائلة: “يا أبا الصعاليك أغثنا” وكان يغزو ليطعم الجياع.. ويغزو من الأغنياء، البخلاء الأجلاف..!

اليسار المعاصر

كثيرة هي الأحزاب اليسارية التي طالبت بالعدالة الاجتماعية، وكثيرة أيضاً، تلك التي ادعت الميل نحو الاشتراكية، إذ غدت في فترة ما من تاريخ سورية “موضة” وشعاراً، وخصوصاً في النصف الثاني من الأربعينيات، وطوال مرحلة الخمسينيات وصولاً إلى الستينيات.. وكانت غالبية الأحزاب السياسية قد وضعت مفردة الاشتراكية في برامجها السياسة، وأعطتها فهمها الخاص، كمصطفى السباعي المرشد العام للإخوان المسلمين ألف كتاباً عن اشتراكية الإسلام.. ومن الأحزاب من أخذ الفكر الماركسي حرفياً كمنهج متكامل.. والكل تأثر بالثورتين الأوربيتين الفرنسية والروسية. وفي هذه الدراسة، نحاول إلقاء ضوء على تجربة واحدة فقط، هي تجربة الحزب الشيوعي السوري الأكثر بروزاً وتمثيلاً لمفهوم اليسار..

ولادة الحزب الشيوعي ومسيرته

استقامت نشأة اليسار العربي بشقه الماركسي الأممي إثر ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 التي قامت في روسيا القيصرية، إذ بعد انتصارها مباشرة، وبدعوة صريحة من الكومنترن لإنشاء أحزاب شيوعية في العالم أجمع، وبغية قيام ثورة اشتراكية عالمية أخذت الأحزاب الشيوعية، تعلن عن نفسها، بحسب ما يتيسر لها من إمكانية النشوء.. ففي بلداننا العربية كانت البداية مع نشوء الحزب الشيوعي الفلسطيني عام 1919، ونشوء منظمات ماركسية في مصر ولبنان بعد زمن قصير. وفي أواخر عام 1923 كوَّن فؤاد الشمالي الشخصية اللبنانية، وعامل التبغ المثقف حزب الشعب اللبناني الذي اندمج بعد عام واحد من تشكله بالحزب الشيوعي في سورية ولبنان الذي تأسس في العام 1924 وبدعوة من الشيوعيين المصريين الذين كانوا قد ندبوا الشمالي ذاته في أوائل آب 1923 لهذا الأمر كما ورد في كتابه “أساس الحركات الشيوعية”(1) وبحسب ما ورد في الكتاب المذكور، فإنَّ الشمالي اجتمع ليلة الثاني من أيلول عام 1924 في مدينة بكفيَّا اللبنانية بعشرة أعضاء اختارهم من العمال الأكفاء من داخل حزب الشعب اللبناني الذي كان قد أسسه، كما أسس نقابة للعمال قبل ذلك الوقت، وقد انتخبه مؤتمر التأسيس هذا سكرتيراً للحزب، كما انتخب “بطرس حشيمة” رئيساً للصندوق، وكان من أولى قراراته “الاتصال بأحد فروع الكومنترن للحصول منه على القانون العام للأحزاب الشيوعية، وعلى المطبوعات والمساعدات الأدبية والمادية الممكنة”،(2) ولكن وبعد أقل من شهرين على التأسيس اتصل “يوسف يزبك” الشخصية اللبنانية اليسارية بفؤاد الشمالي وعرَّفه على شيوعي فلسطيني اسمه “جوزيف بيرجيه” الذي دعاه إلى عقد اجتماع عاجل (مؤتمر تأسيسي) لحزب شيوعي لبناني ولما أخبره فؤاد بأن الحزب قد تأسس في بكفيا من عشرة رفاق أشداء رفض بيرجيه، وطالب الشمالي أن يأتي بهؤلاء الرفاق لحضور المؤتمر الذي يدعوه إليه، وقد رأى الشمالي، في ذلك، إحراجاً له ولرفاقه، فسكت على مضض، وحضر المؤتمر..!

“وعبثاً حاولت إقناعه بتأجيل هذا الاجتماع إلى بعد اجتماعه برفاق بكفيا، إلا أنه كرر الاعتذار، وأصرَّ على ضرورة عقد الاجتماع فسكت على مضض..” (3)

 وينعقد المؤتمر الذي عدَّه الحزب فيما بعد أساساً لتأسيسه، وسوف تكون صلته بالحزب الشيوعي الفلسطيني لفترة وجيزة، ويتغير المندوب الشيوعي الفلسطيني، فيأتي الرفيق “إلياهو تيبر”(4) ويعاد تشكيل الحزب مجدداً، إذ ينضم إليه آرتين مادويان(5) الذي سيصبح أحد قادة الحزب، فيما بعد، وتأتي معه مجموعة يسارية من شباب الأرمن المهجَّرين تحمل اسم “إسبارتاكوس”(6) كان مادويان يرأسها، فيندمج منها خمسة وعشرون بالحزب، وكذلك يفعل حزب الشعب الذي أسسه “فؤاد الشمالي” ليشكلوا مع مجموعة سبارتاكوس الثانية في زحلة برئاسة هيكازون بويادجيان(7) الحزب من جديد، ولتنتخب قيادة جديدة للحزب الشيوعي في سورية ولبنان، ولينتخب “يوسف يزبك”(8) سكرتيراً له.. ويمكن القول إن نشاط الحزب اقتصر في فترة العشرينيات على دعم الثورة السورية عام 1925 بإصدار البيانات المؤازرة لها وتوزيعها في كل من سورية ولبنان، وبين الجنود الفرنسيين أيضاً، وبعقد العزم على القيام بأعمال شبه عسكرية ضد الفرنسيين بمساعدة شخص يدعى “البيك” إلا أنها فشلت، إذ تبين أن ذلك “البيك” قد ابتزهم مالياً.. لكن الحزب قام بمظاهرات عديدة في عدة مناسبات كالأول من أيار، وتقدم بالمطالب العمالية إلى المسؤولين: (المفوض السامي في بيروت)، أما في المجال الثقافي والإعلامي فقد أصدر الحزب جريدة “الإنسانية” التي تولَّى رئاسة تحريرها “فؤاد الشمالي” وقد صدر منها خمسة أعداد فقط لانعدام الإمكانيات المادية.. ومع بداية الثلاثينيات تأخذ منظمة الحزب في دمشق في الظهور إلى العلن، ومن أعضائها ناصر حدة، وفوزي الزعيم وخالد بكداش،(10) واثنين من الأرمن.

 في النصف الثاني من الثلاثينيات يأخذ الحزب في التوسع ويكون لديه منظمات في المحافظات السورية كلها وينخرط في النضال العام، رابطاً الوطني بالاجتماعي.. ويرفع شعار: “دولة العمال والفلاحين” في وقت مبكر. “وفي 7 تموز 1931 يصدر كراساً يعنونه بـ: “لماذا يناضل الحزب الشيوعي السوري، غايته القصوى، وشيء من بروغرامه” وعلى غلافه رسم للمنجل والمطرقة.(11)

 ويأخذ الحزب في التوسع مستفيداً من سوء الأوضاع الاجتماعية أيام الاحتلال الفرنسي، وقبله الاضطهاد العثماني للأقليات الدينية.. وسنرى في هذين الشاهدين أنَّ صعود اليسار في منطقتنا ارتبط بشيء من الوعي، وبأحوال الناس المعيشية.. على نحو خاص.

(يذكر أنَّ رجل دين من مدينة الباب اسمه “الشيخ محمد قنبر” كان في العام 1938 قد مرّ من منطقة “بستان كل آب” في مدينة حلب، وبرفقته الشاعر مصطفى البدوي، ويبدو أنهما عبرا من أمام مكتب الحزب الشيوعي السوري بحلب، فناولهما أحد ما هناك بياناً، فأخذاه ولما لمحا شيئاً عن فقراء الناس قال أحدهما للآخر:

“هذا ما نبحث عنه”، وليصيرا بعدئذ مؤسسين لمنظمة شيوعية جلّ أعضائها من رجال الدين البارزين في مدينة صغيرة نسبياً، وأهلها محافظون إذ “يحمدون الله على دين الإسلام، والسكن في الباب” (لم يكن عدد سكان مدينة الباب في ذلك الزمن يزيد عن خمسة عشر ألف نسمة).(12)

كما يذكر عبد الله حنَّا في كتابه “الحركة الشيوعية السورية/الصعود والهبوط” أنَّ أحد أبناء مدينة حلب وكان سجيناً في ثكنة هنانو أواخر الحرب العالمية الأولى كان أسرَّ لزوجته خلال زيارتها له، وشكواها ضيق حالها في غيابه، وعدم قدرتها على تسديد إيجار البيت ما يلي:

 “إنهم هنا يتحدثون عن ثورة في بلاد المسقوف سوف تؤمن عملاً للناس، وتملِّكهم بيوتاً..”

لمحة عن نضال الحزب

يمكن القول:

إنَّ الحزب الشيوعي السوري يكاد أن يكون الوحيد الذي عكس، منذ مرحلة الاحتلال الفرنسي وحتى أواخر خمسينيات القرن العشرين، وجه سورية الوطني والتقدمي إذ كان أبرز شعاراته “وطن حر وشعب سعيد..” وكثيرة هي محطات نضاله الوطنية والاجتماعية حتى إنه سمِّي بحزب “الجلاء” تارة، وبحزب “الخبز” تارة أخرى. وقد أعطاه خالد بكداش قوة إضافية، بما يمتلك من كاريزما القيادة، وخصوصاً بعد أن فاز بعضوية المجلس النيابي عام 1954 متحالفاً بذلك مع خالد العظم البرجوازي الوطني آنذاك.. وسأعرض لحادثة بسيطة جرت بيني وبين الباحث في الشأن السياسي السوري والعربي، الأستاذ “جمال باروت” إذ كنت قد طلبت منه أن يكتب مقدمة لكتاب كانت ستصدره دار نون4 للنشر التي أديرها، والأستاذ جمال أحد مستشاريها.. وحين اتصلت به، وعرضت عليه محتوى الكتاب الذي يدور حول مواقف الحزب الشيوعي السوري، ويتضمن انتقاداً حاداً لقيادة خالد بكداش للحزب اعتذر الرجل، إذ وجد الانتقادات مغالية جداً، وغير موضوعية، وقال لي آنئذ، بالحرف:

   “أنا لا أتورط في مثل هذه المسائل، فخالد بكداش شكَّل، في مرحلة ما من تاريخ سورية، مع عدد من الشخصيات السورية، ضمير سورية الوطني.. وذكر منهم: خالد العظم، وأكرم الحوراني، وشكري القوتلي، وصبري العسلي، وسواهم..”(13) ومن مواقف الحزب في مرحلة الثلاثينيات أنه عمل على مساندة وفد الكتلة الوطنية الذي سافر إلى باريس للمطالبة بالاستقلال وتحسين شروط اتفاقية 1936 التي عرفت بـ “معاهدة الاستقلال” إذ سافر أمينه العام، واتصل بالحزب الشيوعي الفرنسي لمناصرة القضية السورية.. كما ساهم الحزب بالحملات الوطنية ضد سلخ لواء اسكندرون ومن ضمن نشاطه إقامة مهرجان ضخم في مدينة اسكندرونة قبيل عملية الاستفتاء على اللواء عام 1937 حضره خالد بكداش وألقى خطاباً فيه.(14)

بعد الاستقلال طالب الحزب بدولة مدنية ديمقراطية، ووقف ضد الانقلابات العسكرية كافة، باستثناء انقلابين سيأتي الحديث عنهما.. وبالطبع كان في طليعة من رفع شعار الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفييتي، وكان هذا الشعار في ذلك الوقت شعاراً وطنياً بامتياز، ولعلَّ أوج ما وصل إليه الحزب من حضور شعبي ووطني كان في مرحلة الخمسينيات. المرحلة التي أطلق عليها أحد الباحثين: “العصر الذهبي لسورية” إذ كانت المنطقة ملتهبة في نضالها الوطني، فالاتحاد السوفييتي إلى صعود والاستعماران التقليديان الانكليزي والفرنسي إلى اندحار، وفشل العدوان الثلاثي الذي جاء رداً على تأميم قناة السويس في مصر عام 1956. وجاءت أمريكا بنظرية ملء الفراغ في مواجهة خطر الشيوعية السوفييتي الذي دعم حركات التحرر الوطني بقوة. والثورة الكوبية على عتبة انتصارها، لتثبت أنه يمكن بناء الاشتراكية في بلد مهما كان صغيراً..! وفي الداخل توسع نفوذ الحزب في المدن الكبرى كدمشق وحلب وحمص.. وكسب عائلات وطنية، ووجهاء أحياء من الفئات الوسطى، وأحياناً الغنية منها، والكثير من المثقفين ومن بينهم خريجو فرنسا ممن تأثروا بالفكر اليساري، وبالحزب الشيوعي الفرنسي، ولمع في صفوف الحزب مثقفون كبار كسليم خياطة ومحمود الأطرش(عضو اللجنة التنفيذية في الكومنترن) ونقولا شاوي، وحسين مروة، ومهدي عامل، وإلياس مرقص، ورئيف خوري، فيما برزت أسماء أنارت الحقل الأدبي، منها: حنا مينة، وشوقي بغدادي، وسعيد حورانية، وصلاح دهني، وليان ديراني، وشحادة الخوري، والأخوين مواهب وحسيب كيالي وآخرين.. وشكل هؤلاء أول رابطة للكتاب السوريين، تحولت فيما بعد إلى اتحاد الكتاب العرب. وظهرت جريدة النور كجريدة وطنية تتبنى قضايا شعبية.. سبقها العديد من جرائد الحزب ومجلاته منها “المطرقة والمنجل” وفيما بعد: “صوت الشعب” و”نضال الشعب” ومجلات: “الإنسانية” و”الدهور” و”الطليعة”، وفي وقت متأخر “دراسات اشتراكية..” وحتى الجيش لم يشأ الابتعاد عن الحزب الشيوعي، إذ تقرَّب منه عدد من الضباط، من بيهم، رئيس الأركان اللواء عفيف البزري.. واستمر هذا النهوض حتى جاءت مرحلة الوحدة السورية المصرية عام 1958 إذ بدأت مرحلة جديدة في حياة الحزب الشيوعي السوري، بل في حياة العمل الوطني في البلدان الأكثر تقدماً من بين البلاد العربية فقد أخذ العمل الوطني في سورية بالتراجع، على الرغم ما للوحدة من أهمية، وما جرى لها من زخم جماهيري عميق..! لكن النموذج السوري في الحكم الوطني الديمقراطي الذي كان يدشن أفق التطور الاقتصادي والحضاري الشامل قد قطع.. وكان يمكن له أن يكون مركز جذب للبلدان العربية كافة.. لكن حكم العسكر بأنفاقه المظلمة قد بدأ في أكثر البلدان العربية تحضراً وتطوراً..

مواقف مؤثرة في مسيرة الحزب الشيوعي

بداية لا بد من الإشارة إلى مسألتين متناقضتين كان لهما الأثر البالغ في تراجع الحزب الشيوعي السوري أولاهما: ذلك الضغط الهائل الذي تقوم به الدول الغربية وأمريكا ضد أيِّ وجود للسوفييت في منطقة الشرق الأوسط. وثانيتهما عدم قدرة الحزب الشيوعي على التوفيق بين قضاياه الوطنية والأممية.. وإذا كانت الأولى من البديهيات، ومسألة التصدي لها أمر مشترك بين الحزب الشيوعي وكل القوى السياسية والاجتماعية في سورية، فإن علاقة الحزب بالسوفييت وبروز ظاهرة الأممي على الوطني قد أضر بسياساته كثيراً على الصعيدين الوطني والعربي، ولم يغفر له البناء على  قاعدة: “العالم منقسم إلى قطبين، سوفييت وأمريكان، وعلى الأحزاب الشيوعية أن تقف إلى جانب الاتحاد السوفييتي المتطلع إليه في بناء الشيوعية على سطح الكرة الأرضية.. وفيما يلي أمثلة على مواقف للحزب الشيوعي خالفت رأي قيادته، ولم تلق قبولاً شعبياً، وأضرت بجماهيرية الحزب منذ 1948 وإلى الآن:

القضية الفلسطينية:

 كان للحزب الشيوعي السوري باع طويلة في النضال ضد الصهيونية منذ تشكله، يشير إلى ذلك سليم خياطة مؤلف كتاب “حميات في الغرب”(1933), وتؤكد سيرة اليساريين الفلسطينيين الأوائل مدى عداء الشيوعية للصهيونية العالمية ولمخططاتها، ومدى ما قدمه الشيوعيون في هذا السبيل. وقد برز ذلك في نضال الحزب السياسي، وفي أدبياته الثقافية، والإعلامية في وقت مبكر..!

 لا بد من إيضاح موقف الحزب الشيوعي السوري من قرار الأمم المتحدة رقم 181 تاريخ 1947 والملابسات التي اعترته.. يقول الدكتور الأردني نبيه رشيدات، وهو أحد شباب تلك المرحلة:

اجتمعت لجنة الحزب المركزية واتخذت قراراً بالإجماع برفض أيِّ مشروع لتقسيم فلسطين، وبيدي وزعت منه مئات النسخ في ساحة عرنوس بدمشق، وكنت آنذاك طالباً في كلية الطب بجامعة دمشق ولكن حين خرج السوفييت بموقفهم، عاد الحزب ليدافع عن موقف السوفييت، وهنا استاء الجمهور من موقف الحزب واستغله الإخوان المسلمون والسوريون القوميون وجماعات من حزب صبري العسلي، وهاجموا مكتب الحزب، بعد صدور قرار من وزير الداخلية بحل الحزب وتحريم نشاطه وملاحقة أعضائه. واستشهد حسين عاقو الذي سلَّم سلاحه الفردي بوعد الحماية من ضابط في وزارة الداخلية، لكن الضابط نكل بوعده.. وقد استطاع الرفيق يوسف الفيصل الشاب آنذاك أن ينجو بمعجزة..(15)

الوحدة السورية المصرية وملابساتها:

قبل الدخول في مسألة الوحدة العربية وموقف الحزب منها لا بد من عودة إلى بدايات الحزب وإلى المؤتمر الخاص بقضية الوحدة العربية والمعروف بمؤتمر زحلة المنعقد بمدينة زحلة اللبنانية عام 1934 الذي لم يدْعُ إلى الوحدة العربية فحسب، بل وضع هوية واضحة للعرب القاطنين ضمن حدوده وأكد عليها. فما مؤتمر زحلة وما مقرراته؟!

مؤتمر زحلة

انطلاقا من برنامج الحزب الشيوعي الصادر عام 1930 والمتبني للوحدة العربية دعا هذا الحزب ممثلا بالشخصية الفكرية الصاعدة سليم خياطة إلى مؤتمر عُقِدَ عام 1934 في زحلة مثّل مجموعة من المثقفين السوريين واللبنانيين من الذين حملت أكثريتهم أفكاراً ماركسية. وكان هذا المؤتمر خطوة متقدمة نحو العمل للاستقلال الوطني والوحدة العربية. فتحْتَ عنوان:

“نحن العرب نعتقد” وردت مجموعة أهداف ما يهمنا منها التالي:

– وطننا العربي هو البلاد العربية ضمن الحدود التالية:

 جبال طوروس والبحر الأبيض المتوسط في الشمال، والمحيط العربي وجبال الحبشة وصعيد السودان والصحراء الكبرى في الجنوب، والمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط عند سواحل الشام من الغرب، وجبال إيران وخليج البصرة من الشرق.

–  هدف القضية العربية إيقاظ أمتنا وتنظيم عناصرها في دولة مستقلة متحدة متحضرة.

–  كل عصبية إقليمية أو جنسية أو طائفية تنشأ في وطننا العربي هي قوى هدامة يجب القضاء عليها أو إذابتها في العصبية القومية العربية.

–  لا يفصلنا عن إخواننا دين أو مذهب، بل تتحد عقائدنا في خدمة قضيتنا.

–  تدَخّلُ الدين في السياسة والدولة أساس مصائب بلادنا فواجبنا أن نسعى لفصلهما فصلاً تاماً مطلقاً.(16)

 تجاوز الحزب حادثة الإخوان بما له من إرث وطني، ومواقف ضد الصهيونية، وضد الديكتاتوريات التي أتت على سورية منذ 1949 وما تلاه بتخطيط من الغرب وأمريكا، وفي إطار الصراع على سورية. وكذلك بمواقف الاتحاد السوفييتي المناصرة لحركات التحرر العربية، ووقوفه إلى جانب استقلال سورية قبل ذلك، ووقوفه ضد العدوان الثلاثي على مصر.. إن مجمل هذه المتغيرات على الساحة السورية، ومع فورة الشعور القومي، وطغيانه على التفكير السياسي الهادئ.. خلق حالة من القلق لدى مجموعة من الضباط البعثيين الشباب كان لها نفوذها في الجيش، تجاه أن تميل سورية شرقاً أو غرباً.. وكان البعث يطرح شعار “لا شرقية ولا غربية” ومع نموِّ دور الحزب الشيوعي، ونشوء علاقات مع الاتحاد السوفييتي.. تشكل في الجيش ما سمي بمجلس الضباط الذي وضع نفسه فوق الحكومة، وخلال عام 1957 اجتمع المجلس وقرر التوجه إلى الوحدة مع مصر المنتصرة في تأميم القناة وحرب السويس، وهكذا ذهب وفد من هؤلاء لاطلاع جمال عبد الناصر على قرار المجلس العسكري السوري مطالبين بالوحدة الاندماجية الفورية، وقائلين بالحرف الواحد:

 “أنقذنا من خطر شيوعي داهم” رغم أنَّ بعض قيادتهم وبخاصة ميشيل عفلق كان يرى أن الوحدة الفيدرالية أدعى إلى القوة والاستمرار وجذب الأخرى إليها. وهكذا كان رأي جمال عبد الناصر نفسه لكنه حين رأى إصرار الضباط البعثيين وافق مشترطاً عليهم عدة شروط، قبلوها دونما مناقشة، وكان الرئيس المصري أنئذ قد برز كقائد لا لمصر وحدها بل لأمة العرب التي كانت في حالة غليان بُعَيْدَ نكبة فلسطين، ونمو المد القومي في كل من مصر وسورية ولبنان والعراق، إضافة إلى ثورة الجزائر ضد الفرنسيين. وإلى انتصار مصر في تصديها للعدوان الثلاثي الإنكليزي/الفرنسي/الإسرائيلي. أما ما اشترطه عبد الناصر على الضباط البعثيين فهي:

أولاً: إجراء استفتاء عام في كل من سورية ومصر بشأن الوحدة.

ثانياً: حل الأحزاب في سورية تمشياً مع تماثل الأوضاع في مصر..

ثالثاً: إبعاد الجيش عن السياسة، وإبعاد هؤلاء الضباط أنفسهم عنه ما داموا قد انخرطوا في العمل السياسي. وضرب لهم مثلاً الضباط الأحرار المصريين الذين غادروا الجيش إلى السياسة..

اتخذت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري قراراً بتأييد الوحدة. وقد قال الراحل عمر قشاش، لمعدِّ هذه الدراسة: سلمني “أحمد محفل” نسخة عن القرار وطبعت منه نحو ثلاثة آلاف نسخة وزعناها في حلب لكن سفر الأمين العام قبل جلسة المجلس النيابي وعدم حضوره خلق نوعاً من البلبة.. إنَّ جوهر المسألة هنا يعود إلى شرط حلّ الحزب وكذلك وجهة نظر السوفييت الذين كانوا يؤيدون وحدة فيدرالية، وقد نصح نيكيتا خروتشوف جمال عبد الناصر أن تكون الفيدرالية لمدة عشر سنوات يجري خلالها العمل على تماثل الأوضاع، ثمَّ إن الفيدرالية تفسح في المجال لدول أخرى أن تنضم إلى هذه  الوحدة، لكن عبد الناصر حينئذ استجاب لرأي الضباط البعثيين فارضاً شروطه. حتى إن اللواء عفيف البزري المقرّب من الشيوعيين والمتهم بالشيوعية ورئيس كتلة من الضباط اليساريين “أرسل للحكومة السورية تحذيراً مفاده أنكم أمام طريقين، إما طريق القاهرة وإما طريق المزة في إشارة منه إلى سجن المزة العسكري(17). وعطفاً على موضوعة الوحدة أورد هذه القصة ذات الدلالة..! روى الراحل عمر قشاش في جوابه على سؤال حول أسباب تجميد الرفيق “أحمد محفل” من عضوية اللجنة المركزية في فترة الوحدة قال:

“أراد جمال عبد الناصر، بعد شهور من قيام الوحدة، واختلاف البعثيين معه، أن يتعاون مع الشيوعيين كحزب له حضوره في الساحة السياسية السورية، وأرسل نائبه “كمال رفعت” اليساري المعروف، والتقى بقيادة الحزب وطلب منها التعاون، مشيداً بالحزب الشيوعي، ومعرضاً بالبعثيين، وفي سهرة بين “أحمد محفل” و”عبد الفتاح زلط” المحامي البعثي، وكلاهما محام، ويقطنان متجاورين في بناء واحد بمدينة حلب.. أسر محفِّل إلى الزلط بمضمون زيارة كمال رفعت، فنقل الزلط إلى أكرم الحوراني ما دار بينه وبين محفل، وكان الحوراني نائباً لرئيس الجمهورية، فوصل الحديث إلى جمال عبد الناصر.. وبذلك أسدل الستار على تلك المبادرة. وربما تسبب هذا الموقف بكامله بالهجمة الأمنية على الحزب الشيوعي الذي تحوَّل إلى العمل السري تحت قيادة جيل من الشباب آنذاك وهم: دانيال نعمة، يوسف فيصل، ظهير عبد الصمد، إبراهيم بكري، وفيما بعد انضم إلى هذه الهيئة المسماة القيادة المركزية عمر قشاش.. وأصدرت قيادة الحزب وثيقة من ثلاثة عشر بنداً عدتها أساساً لقيام الوحدة جوهر تلك البنود الديمقراطية والأخذ بالحسبان ما بين البلدين من اختلاف، وحين ساءت أوضاع الوحدة أكثر، وظهر التذمر بين صفوف الشعب.. أعقب الحزب وثيقته الأولى بأخرى ذات ثمانية عشر بنداً لإعادة النظر بأسلوب حكم الوحدة..(18)

 ويمكن الإشارة إلى أنَّ معظم القوى السياسية كانت متحفظة على الوحدة الاندماجية فالقوى البرجوازية تخوفت من الوضعين الاقتصاديين المتباينين، وكذلك حزب الشعب الذي يمثل قادته كبار الملاك الزراعيين في سورية، أما “الإخوان المسلمون”، فلم يكونوا على وفاق مع عبد الناصر بعد إعدامه لسيد قطب وعلى كل حال لم تدم فترة الوحدة أكثر من ثلاث سنوات وكان البعثيون أول من وقع وثيقة الانفصال.(19)

ولعل هذه القضية كلها، أعني قضية الوحدة، قد أتت في سياق الصراع على سورية، وخصوصاً بعد أن ازدادت علاقات سورية بالاتحاد السوفييتي، وبدأ ينهال عليه السلاح بكميات كبيرة بين عامي 1955/1956، بعد أن كان الغرب قد حظره عنها.. وطبيعي أن يزداد نشاط الحزب الشيوعي كثيراً في هذه الأجواء. وقد أزعجت هذه المناخات الغرب فوجدها فرصة لقطع التطور العام في سورية.

الموقف من الانقلابات العسكرية

وقف الشيوعيون ضد الانقلابات العسكرية كافة فمنذ انقلاب حسني الزعيم، ومن بعده انقلاب سامي الحناوي وصولاً لانقلاب أديب الشيشكلي.. أما انقلاب الثامن من آذار الذي شارك فيه البعثيون والناصريون واختطفه البعث، فيما بعد، فلم يكن موقف الحزب الشيوعي واضحاً، إذ بدا الانقلاب وكأنه جاء لإعادة حكم الوحدة.. لكن الحزب أيده فيما بعد، كما أيد دونما تحفظ انقلاب 23 شباط 1966 الذي أتى بيسار البعث، وجرى نوع من التحالف الرمزي معه، وحين اشتد الخلاف بين جناحي البعث المدني والعسكري وقف الحزب إلى جانب التيار المدني اليساري واصفاً التيار العسكري باليميني! ثم كانت هزيمة 1967 الصاعقة. وخرج السوفييت على الجميع بأن غاية إسرائيل ليست احتلال الأرض، بل هي إسقاط النظامين التقدميين في سورية ومصر، وأغفل ذكر الأردن واحتلال إسرائيل للضفة الغربية بكاملها. ورفض صلاح جديد، آنذاك، الشخصية الأولى في حركة 23 شباط قرار مجلس الأمن رقم 242 القاضي بتسوية ما، تعيد إسرائيل إلى حدود 1967 قبل الخامس من حزيران. وأخذ الصراع داخل حزب البعث يتعمق بين تياريه المدني/اليساري، والعسكري/اليميني. ليصل في النهاية إلى طريق مسدود في المؤتمر القطري العاشر الاستثنائي تشرين الثاني 1970 الذي فَصَل كلاً من حافظ الأسد ومصطفى طلاس من الحزب..!

حافظ الأسد والإجهاز على الحراك السياسي

الحقيقة أن لا أحد أضرَّ بالحزب الشيوعي، وشلَّ حركته غير حافظ الأسد الذي جاء مختلفاً مع رفاقه البعثيين حول أساليب حلول ما خلفته الحرب موافقاً على القرار 242. ونزولاً عند رغبة الرفاق السوفييت انقلب الحزب الشيوعي على موقفه السابق من الانقلابات العسكرية، فأيَّد حافظ الأسد واضطر، الحزب عندئذ لإتلاف عدد جريدة نضال الشعب الطالع حديثاً من المطبعة، وفيه مقال يتحدث عن أزمة البعث، ويهاجم مجموعة الضباط اليمينية التي يقودها حافظ الأسد..! وليعيد طباعة عدد جديد يضع فيه مكان المقالة بيان القيادة القطرية المؤقتة، وفيه ما يبرر للرفاق التحالف الجديد.. ولكن الحزب أصبح حزبين أحدهما ذهب إلى العمل السري، والثاني إلى تأييد الحكم، حيث الوزارة، والجبهة الوطنية التقدمية التي ستؤطر نشاط الحزب دونما اضطرار لحله..! بل ستفعل فيه ما لا يمكن أن يفعله الحلُّ نفسه، أي ستذبحه بخيوط من حرير.. ولتبدأ النهاية الحزينة، وضاق الرفاق بالجبهة والنظام ولكن دون جدوى رغم أن خالد بكداش نفسه وصف النظام بأنه “ديكتاتوري من نوع خاص..” لكنه في أعماقه كان راضياً عن وجوده في الجبهة..!

 ينقل خلوف قطان (عضو المكتب السياسي) حديثاً جرى بينه وبين الأمين العام خالد بكداش في اجتماع للمكتب السياسي المصغَّر بعد الانقسام الثالث عام 1986 أشار فيه خلوف إلى معاناة الحزب ضيق الحياة السياسية، ومصاعب الحياة المعيشية. وقال: إنَّ موقف حافظ الأسد تجاه الحزب الشيوعي كموقف جمال عبد الناصر، لا فرق بين الاثنين..! فيجيب خالد بكداش مستغرباً:

كيف ذلك يا رفيق خلوف؟! هذا جعلنا في الوزارة، وذاك وضعنا في السجن! فيردُّ خلوف بعبارة عامية حلبية، تلخص الحالة كلها:

“إي معلوم، هدا حبيناه، وهداك سبيناه” يقصد: (أحببنا الأسد وشتمنا عبد الناصر).(20).

وبعد يمكن إيجاز حال الجبهة وعوامل الإجهاز على الحزب بالأمور التالية:

– إهمال الجبهة وتجاوز ميثاقها، المجحف أصلاً، وقد برز ذلك منذ البداية بعدم السماح بجريدة لها كما نص الميثاق، وتأخر اجتماعاتها أشهراً طويلة، إن لم أقل سنوات، وعدم الاجتماع برئيس الجبهة، بل بنائبه إلا في حالات تهديد السلطة كما حدث في الثمانينيات، حين حل حزب البعث النقابات المهنية، وأتى بالشيوعيين وغيرهم لمواجهة الإخوان المسلمين.

– تنص أدبيات الحزب الشيوعي السوري على: “الذهاب في التعاون إلى أبعد مدى مع القوى الوطنية والتقدمية داخل الحكم وخارجه (تقرير المؤتمر الثالث حزيران 1969)، وإظهار وجه الحزب المستقل، والدفاع عن مصالح العمال والفلاحين.. لكن الحزب تناسى أنَّ هناك قوى وطنية وتقدمية خارج إطار الجبهة. بل لم يتعاون معها خشية غضب رئاسة الجبهة، ومنها حزب العمل الشيوعي وفصائل الحزب المنقسمة، وحزب العمال الثوري العربي (أسسه ياسين الحافظ عام 1966)، والاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي، جمال الاتاسي وغيرهم..). أما إظهار وجه الحزب المستقل كحزب طبقي وأممي فكان يميل بمواقفه حيث الاتحاد السوفييتي، ما أضرَّه كثيراً، وقد شعر باليتم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، فاحتضنه البعث على نحو أو آخر.. وهذا يفسِّر بقاء اثنين من أقسامه في الجبهة حتى الساعة وعلى مدى ما يقارب الخمسين عاماً.. وأضيف إليهما مؤخراً (على نحو أو آخر) تنظيم قدري جميل..! أما في مسألة الدفاع عن مصالح العمال والفلاحين، فقد تماشى الحزب مع البعث بما يسمى النقابية السياسية، واكتفى بالبيانات حين يجري إلحاق الضرر بالطبقة العاملة السورية كالوضع المعيشي والتسريح التعسفي وسوى ذلك من القضايا المطلبية.. ومع مرور الزمن نمت بيروقراطية نقابية اضطهدت الطبقة العاملة..!

– الانقسامات المتوالية للحزب الشيوعي التي بدأت مع الحركة التصحيحية بانقسام كبير فكري وتنظيمي بل كان انقساماً لليسار السوري إذ شمل حزب البعث أيضاً.. ثمَّ تلته انقسامات عدة كان للبعث الذي في السلطة ومخابراتها دور رئيسي فيها. وقد غدا في مرحلة ما من جبهة حافظ الأسد أربعة أحزاب، اثنان منهما داخل الجبهة، وكل حزب من الأحزاب الأربعة يحمل صفة خاصة تميِّزه إلى جانب اسم الحزب الشيوعي السوري، (المكتب السياسي، منظمات القاعدة، خالد بكداش، يوسف الفيصل الذي ميَّز نفسه فيما بعد بـ: “الموحد”)، وفي عام 2000 ولد حزب خامس، إذ انفصل عن الحزب الذي ورثته “وصال فرحة بكداش”. صهرها السابق قدري جميل المتهم بعلاقات بوجوه النظام وأجهزته وسمى حزبه بـ: (اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين، ثمَّ حوله إلى حزب الإرادة الشعبية). وقد عينَّ قدري نائباً لرئيس مجلس الوزراء السوري للشؤون الاقتصادية، وليغادر بعدئذ إلى موسكو “معارضاً” وليؤسس هناك منصة موسكو في المعارضة السورية الحالية.

– مواقف الأسد الشرسة تجاه حرية الحزب الشيوعي في اتخاذ موقف يخالف أحياناً سياسة النظام.. وهذا ما حصل حين عارض الحزب دخول الجيش السوري إلى لبنان، وعبَّر عن موقفه بضرورة خروجه، وعدم موافقته على قرار الأسد بالتعامل مع شركة أمريكية (تريبكو) لاستثمار النفط مخالفاً نهج سورية العام باستثمار النفط وطنياً (منعت قيادة الحزب من السفر خارجاً) وكذلك حين أصدر الحزب بياناً شاملاً بعد حوادث الإخوان السابقة تعرَّض فيه للأخطاء الجسيمة التي حدثت لدى مجابهتها، منها نزع حجاب النساء في الشوارع، كما تعرض للأوضاع الداخلية السيئة (لم تضم قوائم الجبهة مرشحي الحزب الشيوعي إلى مجلس الشعب ما يعني إسقاطهم، وهذا ما حصل، وكي لا يقطع الأسد شعرة معاوية عين المحامي الشيوعي “موريس صليبي” مستشاراً لرئيس مجلس الشعب). أما حين وردت عبارة في نصِّ تقرير المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي (يوسف فيصل) تشير إلى حقوق قومية لأكراد سورية قامت قيامة البعث، وهدد عبد الحليم خدام بأن استبدال قيادة جديدة للحزب بالقيادة الحالية جاهزة. لكن ردود الحزب كانت ضعيفة إذ حذفت العبارة فوراً..

– استسلام الكثير من الشيوعيين إلى حال من الاسترخاء والشعور بالرضا عن النفس، واعتبار النظام نظامهم، رافق ذلك لهاث خلف مكاسب صغيرة، إن لم أقل تافهة، قياساً لما يميز نضال الشيوعيين وطموحهم الوطني والإنساني، فاكتفوا بعضوية مجلس نقابة أو مدينة أو مجلس شعب أو وزارة.. إلخ.

– أما قاصمة الظهر فكانت سقوط الاتحاد السوفييتي، وحينئذ تيتم الحزب فوجد في حزب البعث كفيلاً.. كل ذلك ولم يلتفت أيٌّ من أقسامه إلى إجراء مراجعة حقيقية، ومن قام ببعض محاولات لم تتجاوز حدود الورق والكلام، إذ إن المشكلة كانت أعمق وأبعد، وترتبط بحركة الحياة ومتغيراتها، وبالأفكار الجديدة التي تناسبها بحسب ما يقوله ديالكتيك هيجل الذي أصلحه ماركس..

المراجع

1و2 و3: فؤاد الشمالي. كتاب أساس الحركات الشيوعية، طبعة ثانية. نون4 للنشر 2014.

4 و5 و 6 و7و8 و 9: المصدر السابق.

10: عماد نداف كتاب خالد بكداش يتحدث. ط خاصة.

11: د. عبد الله حنا/صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية القرن العشرين. (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2017)

12: من مقالة لمعد الدراسة نشرت في دراسات اشتراكية العام 1988 وهي حصيلة اجتماعٍ حيٍّ لشيوعيين قدامى من الحزب في مدينة الباب، وكان أن أخذ منها د. عبد الله حنا مقاطع منها نشرها في كتابه: “الحركة الشيوعية السورية الصعود والهبوط” دار نون4 للنشر 2008.

13: مكالمة بين معد الدراسة والأستاذ جمال باروت.

14: روى الحادثة للكاتب، الروائي السوري حنا مينة الذي حضر الاحتفال ووزع منشورات أصدرها الحزب بشأن قضية لواء اسكندرون.. لافتاً إلى تأثير شخصية خالد بكداش وقدرته الخطابية.

15: حديث خاص بين معد الدراسة ود. نبيه رشيدات.(عضو مكتب سياسي/ فصيل خالد بكداش 1986)

16: عبد الله حنا ” كتاب صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سورية القرن العشرين/المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2018).

17: (مصطفى أمين “مذكرات” دار الينابيع بيروت 2006).

18: المرجع السابق

19: حديث تلفزيوني مسجل لقائد الانقلاب العسكري ضد حكم الوحدة عبد الكريم النحلاوي.

20: حديث خاص بين معد الدراسة وخلوف قطان.

هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تعبّر عن رأي المركز.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا ©