انتهاء الملء الثاني لسد النهضة.. ماذا بعد؟

أكدت هيئة الإذاعة الإثيوبية الحكومية اليوم الإثنين، أن “مرحلة الملء الثاني لسد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق ستكتمل في غضون دقائق”، واحتفل الإثيوبيين بانتهاء المرحلة الثانية من التعبئة الأولية لـ”سد النهضة” قبل الموعد المتوقع.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات تظهر احتفالات من قبل المهندسين والعاملين في موقع “سد النهضة” لانتهاء الملء الثاني، كما نشر النشطاء والمدونون مقطع فيديو يوثق بحيرة “سد النهضة” وقد امتلأت بالمياه، بينما لم يصدر أي تعليق إثيوبي رسمي حتى الآن بشأن “استكمال التعبئة”.

تزامن الإعلان الإثيوبي مع تأكيد وزارة الري السودانية اليوم الاثنين، أنها “لاحظت زيادة في منسوب المياه الواردة إلى النيل الأزرق جراء الأمطار الغزيرة في الهضبة الإثيوبية”.

ودعت وزارة الري السودانية المواطنين على جانبي النيل الأزرق إلى الحذر والحيطة جراء ارتفاع متوقع لمياه النهر نتيجة للأمطار الغزيرة في الهضبة الإثيوبية، لافتة إلى أن “الزيادة في مناسيب النيل الأزرق ستكون من جنوب خزان الروصيرص وشماله وحتى مدينة الخرطوم”.

انتهاء المرحلة الثانية..

في المقابل، رجح مصدر في وزارة الري السودانية لوسائل الاعلام، أن” يكون سبب الزيادة في منسوب مياه النيل الأزرق هو عدم قدرة إثيوبيا على تخزين المياه في السد الإثيوبي نتيجة مشكلات فنية وفشل مرحلة التعبئة الثانية”.

وكان السودان أعلن تخزين 1.6 مليار متر مكعب من المياه، لتأمين المستويات في نهر النيل والنيل الأبيض تحسبا للملء الثاني لسد النهضة الإثيوبي، اذ توقعت وسائل اعلام سودانية يوم السبت الفائت، أن واردات مياه سد الروصيرص، الذي يبعد نحو 20 كم عن سد النهضة الإثيوبي، قد تنخفض بنسبة تصل إلى النصف، وتأخر استئناف المفاوضات حول سد النهضة بين كل من السودان ومصر من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، سوف يعرّض سد الروصيرص للخطر”.

بدوره، توقع خبير المياه المصري الدكتور” نادر نور الدين”، انخفاض منسوب المياه في سد “الروصيرص” إلى النصف بالسودان وأن تقل كمية المياه الواصلة إلى سد وخزان “الروصيرص” تقل إلى 20٪ فقط في الأيام القادمة”.

وأرجع الخبير المصري، سبب انخفاض كمية المياه في السد إلى تعلية الحاجز الأوسط للسد الإثيوبي الذي يسمح بمرور مياه النيل الأزرق والسماح فقط بمرور المياه إلى السودان ومصر من الفتحتين السفليتين للسد والتي تسمح بمرور من 50 إلى 70 مليون مترا مكعبا فقط في اليوم وتخزين الباقي أمام السد (تخزين من 300 إلى 400 مليون متر مكعب يوميا أثناء يوليو وأغسطس).

يشار إلى أن “أديس أبابا” تصر على تنفيذ ملء ثانٍ لسد النهضة بالمياه في يوليو/تموز الجاري وأغسطس/آب المقبل حتى لو لم تتوصل إلى اتفاق بشأن ملء وتشغيل السد الذي تقيمه على النيل الأزرق الرافد الرئيس لنهر النيل، بينما تتمسك مصر والسودان بالتوصل أولا إلى اتفاق ثلاثي ملزم، للحفاظ على سلامة منشآتهما المائية وضمان استمرار تدفق حصتهما السنوية من مياه النيل وهي 55.5 مليار متر مكعب و18.5 مليارا على الترتيب.

هل فشل الملء الثاني؟..

ونفى مصدر في وزارة الري والمياه الإثيوبية لوسائل إعلام عربية، وجود أي إشكاليات في المرحلة الثانية من التعبئة الأولية لسد النهضة، مشيراً إلى أن “العملية تمضي وفق الخطة المرسومة لها ومن دون الحاجة إلى إغلاق بوابات السد حتى الآن، وذلك بسبب غزارة هطول الأمطار”.

بدوره، قال “هاني رسلان” مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية عبر “فيسبوك”، إن “إثيوبيا فشلت في الملء الثاني لسد النهضة، وهذه ليست المرة الأولى لفشل (تعلية السد) وتوقف الملء الأول عند 560 مترًا بدلًا من 565 وأعلنوا أنهم نفذوا ملء 4.9 مليار متر مكعب في حين أنها كانت حوالي 3.5 مليار”، مؤكداً أن “إثيوبيا تسحب المعدات من الممر الأوسط وتتوقف عند ارتفاع 574 مترًا بما يعني أن إجمالي التخزين للملء الأول والثاني معًا حوالي 7 مليارات فقط”.

كما أكد الدكتور “عباس شراقي” أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، أن “الاقتراب من فشل التخزين الثاني بشكل كامل حدث بالفعل”، موضحاً أن “بحيرة سد النهضة تقترب من الوصول إلى منسوب الخرسانة الحالية (573 مترًا)، ما يصعّب من رفعها أكثر من ذلك، خاصة في ظل استمرار هطول الأمطار، بينما توشك المياه على العبور أعلى الممر الأوسط خلال يومين على الأكثر للسودان ليصل الفيضان لمصر بعد ذلك على أوائل شهر أغسطس المقبل”.”.

ولفت الخبير المصري “شرقاوي” إلى أنه “عند منسوب 573 مترًا ستختفي معظم الجزر الثلاث التي تقع في الدائرة البيضاء والتي تقلصت خلال الأيام الماضية، ورغم ضعف التخزين الثاني الذي يعادل حوالي 3 مليارات متر مكعب، وإجمالي 8 مليارات متر مكعب، فإن موقف مصر والسودان لم يتغير من رفض أي تخزين بدون اتفاق”، موضحاً أن “إثيوبيا كانت تأمل في الوصول إلى منسوب 595 مترًا بتخزين 13.5 مليار متر مكعب بإجمالي 18.5 مليار متر مكعب”.

وتتبادل مصر والسودان مع إثيوبيا اتهامات بالمسؤولية عن تعثر مفاوضات حول السد يرعاها الاتحاد الأفريقي منذ أشهر ضمن مسار تفاوضي بدأ قبل نحو 10 سنوات، اذ تلقى وزير الري المصري “محمد عبد العاطي” في 5 يونيو إخطارا رسميا من نظيره الإثيوبي “سيليشي بيكيلي” لإبلاغه ببدء الملء الثاني لسد النهضة.

ووجهت مصر خطابا عبر وزير الري ردا على الخطاب الإثيوبي ببدء الملء الثاني واعتبرته خرقا صريحا وخطيرا لاتفاق المبادئء، وللقوانين والأعراف الدولية، وخلص مجلس الأمن الدولي وفي 8 يوليو/تموز الجاري إلى ضرورة إعادة مفاوضات سد النهضة تحت رعاية الاتحاد الأفريقي بشكل مكثف، لتوقيع اتفاق قانوني ملزم يلبي احتياجات الدول الثلاث.

خطر الانهيار..

وتزداد المخاوف لدى الخبراء والمواطنين في مصر والسودان من مخاطر انهيار السد، وأكد وزير الري المصري الأسبق، “محمد نصر علام” في وقت سابق، أن الملء المنفرد لسد النهضة سيؤدي إلى تعطيش الشعب المصري كما سيتسبب بمصائب للسودان.

إلى جانب ذلك، يرى خبراء أن كارثة خطيرة قد يسببها سد النهضة حال انهياره بعد تخزين وملء 74 مليار متر مكعب من الماء في خزانه”، مؤكدين أن “السعة التخزينية للسد مبالغ فيها بنسبة 300% ويجب أن تقلص إلى الثلث”.

وحذر أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة في مصر “عباس شراقي” من أن “سعة التخزين لسد النهضة ضخمة للغاية وخطيرة على السودان ومصر، وانهيار السد سيكون أشبه بقنبلة مائية”، لافتاً إلى أن “خطورة سد النهضة تتمثل بالمبالغة الهندسية في إنشائه، لا سيما أن السعة التخزينية ازدادت من 11 مليار متر مكعب إلى 74 مليار”.

كما أكد أستاذ الموارد المائية أن “السد في منطقة مرتفعة بالنسبة للخرطوم، و20 مليون سوداني مهددون بالفناء، يعيشون على طول النيل الأزرق”، ولا توجد أي دولة في العالم تضمن سلامة أي سد، غير أن انهيار سد النهضة قد يكون لعوامل طبيعية نتيجة الأمطار الغزيرة، والسيول، والفيضانات، التي تهطل سنويا على إثر تشققات وزلازل”. موضحاً أن “الشركة الإيطالية التي تتولى بناء سد النهضة، سبق أن تولت بناء مشروع “فيبا 2” وانهار ثلاث مرات، إحداها وقعت بعد الافتتاح بعشرة أيام، وذلك بسبب الظروف الطبيعية في إثيوبيا التي لن تطالها أي إضرار إذا انهار سد النهضة، باعتباره يقع على الحدود، ولا توجد مدن أو قرى أو أي عمران في المنطقة”.

واعتبر رئيس الوزراء السوداني “عبد الله حمدوك” في وقت سابق، أن سد النهضة الإثيوبي يقع على مرمى حجر من الحدود السودانية، وفي ظل ما يشكله من تهديد لأمن وسلامة أكثر من 20 مليون سوداني على ضفاف النيل الأزرق، بجانب الآثار الأخرى”.

يذكر أن إثيوبيا قد بدأت عمليات بناء سد النهضة على مجرى نهر النيل الأزرق قرب الحدود الإثيوبية السودانية، في 2 أبريل 2011، ويثير هذا المشروع، الذي لم يتم إنجازه بعد، قلقا كبيرا لدى مصر والسودان، حيث يخشيان البلدان العربيان من أن يؤدي إلى تقليل كميات المياه المتدفقة إليهما من مرتفعات إثيوبيا.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.