انتهى الدور يا إيران

ماجد علوش: باحث وكاتب

تقدم هذه الدراسة قراءة يراها الكاتب ضرورية لفهم أسباب انتهاء الدور الإيراني في المنطقة بعد إعلان ذلك على لسان العم سام من خلال شروطه الاثني عشر شرطاً؛ ليبدأ العد التنازلي لدولة الملالي من خلال قصقصة أذرعه العاملة خارج حدودها؛ ومن ثّمَّ زعزعتها من الداخل عبر عقوبات صارمة واضطرابات داخلية مرحب بها دولياً من خلال المحاور الآتية:

  • من الخميني إلى بومبيو.
  • تلميع الخميني غربياً.
  • استغلال الوضع العربي المزري.
  • الخميني وتصدير الثورة.
  • أطماع الخمينية في العراق العربي.
  • إيران تستغل أخطاء العراق لمصلحتها.
  • استغلال الحالة السورية إيرانياً.
  • نهاية الدور الإيراني.
  • إسرائيل على الخط.
  • انتهى الدور يا إيران.

تمهيد

بين وصول خميني إلى طهران وإعلان بومبيو شروطه الاثني عشر حوالى أربعة عقود بحساب الزمن وبالحساب الإنساني ملايين الضحايا الأبرياء وتلال من الذهب التي كان يفترض بها أن تذهب إلى تحسين شروط حياة أولئك الذين ملؤوا ساحات المدن الإيرانية يهتفون ضد الشاه ويتلقون رصاص (سافاكه) بصدورهم العارية، وعدد لا يحصى من المنكوبين جلهم من العرب وقسم لا بأس به من الإيرانيين أنفسهم من مختلف الأعراق والمذاهب التي تشكل شعوبَ إيران عاثرة الحظ وسيئة الطالع.

في الأول من شباط 1979 عاد الخميني من منفاه الباريسي إلى طهران على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية وحراسة آلاف الجنود الفرنسيين انتشروا بين مقر إقامته في (نوفل لوشاتو) ومطار (بومبيدو) ليجد في استقباله في مطار (مهر آباد) والطرق المحيطة به والمؤدية إليه ملايين الناس الذين توسموا فيه خيراً وعلقوا عليه آمالاً، ومنذ تلك اللحظات الحزينة بدأ فصل جديد من مأساة هذا الشرق البائس.

تلميع الخميني غربياً

الاحتفاء الغربي بالخميني وتوفير الدعاية الإعلامية التي تحوله إلى رمز، والضغوطات على النظام الشاهنشاهي، وتطورات الأوضاع في الشرق الأوسط التي لعبت فيها إيران الخمينية دوراً أساسياً وفاعلاً جعل الخمينية أسيرةَ فكرةٍ قادتها إلى مأزقها الحالي الذي قد يستمر وصولاً إلى النهاية الحتمية أي إلى مزبلة التاريخ، وأقصد أن إيران الخمينية صارت على قناعة تامة أنها المحظية التي لا تساويها محظية أخرى بما فيها اسرائيل. من دون أن ننسى أنها ارتكزت أيضا إلى تاريخ إيراني طويل من الخدمة العسكرية في المشروع الأوروبي للشرق الأوسط منذ القرن التاسع عشر على الأقل. هذا كله عزز فكرة (المحظية) الأولى لدى الغرب في العقل الخميني وجاء انهيار (السد العراقي) جزئياً في أوائل تسعينيات القرن الماضي وكلياً في مطلع القرن الحالي ليخلق أوهاماً كبرى لدى الخمينية باقتراب تحقيق الحلم واستعادة إمبراطورية قُبرت منذ ألف وأربعمئة سنة تحت ركام هائل من التبدلات الاجتماعية والثقافية.

الوضع العربي المزري

شكلت الهزائم المتتالية والفشل الذريع والمتواصل عقوداً للعسكريتارية العربية وشرق الأوسطية المتلحفة بالدثار القومي أو الاشتراكي، التائهة بين الرغبة المترددة في الحداثة الاجتماعية والاقتصادية –من دون السياسية- الغارقة في انتماءاتِ ما قبل الوطنية بحكم حاجات البقاء في السلطة، والشهوة العارمة الناجمة عن عقدة (رئيس الدرك) أو زعيم العشيرة المغروسة عميقاً في اللاوعي البدائي التائه في صحاري ممتدة قروناً في مقابل صورة القائد الأسطورة الذي هَزَمَ (بالكاسيت) أحد أقوى تلك الأنظمة إن لم يكن أقواها على الإطلاق. لقد حركت تلك الصورة المغايرة بالتناقض الحدي (الصور المألوفة في عموم المنطقة). حركت العفن المرضي كله المستوطن في مخيلة كثير من المجانين والمرضى النفسيين في المنطقة الذين ظنوا أنهم قادرون على رسم صورة مماثلة، وظنوا أنهم (سوبرمانات) كامنة جاء الوقت الملائم لخروجها من قمقمها وإثبات قدراتها الخارقة.

هكذا أدت الصورة المرسومة بدقة إلى وصول الخميني وانهيار الشاهنشاهية على يد قوة ظلامية، غبية، مريضة. دورها في تحفيز أشباهها في الإقليم وشكلت نموذجاً يحتذى ومثلاً أعلى.

ساهم التدخل العسكري السوفياتي في أفغانستان (25 كانون الأول 1979) وردة الفعل الغربية القوية عليه في إيجاد مسوّغ لخلق نموذج آخر (سني) يسعى بطريقته الخاصة إلى تقليد الخمينية وإقامة (الخلافة) السنية في مواجهة (ولاية الفقيه) الشيعية، وتدريجاً ومع التطورات المتتالية راجت القناعة لدى الجانبين السني والشيعي أن المستقبل للإسلام وأن الإسلام آتٍ لا محالة وأن شعار: (الإسلام هو الحل) صار حقيقة واقعة، أو يكاد.

الانتماء المذهبي للخميني كان ضرورياً لخلق ردة فعل لدى الطرف الآخر، فالنماذج السنية كانت إلى حينه فاشلة (من محمد بن عبد الوهاب إلى سيد قطب وما تلاه من شخوص أقل قيمة وتأثيراً) بسببٍ من طبيعة المذهب السني المفتقر تاريخياً إلى كنيسة موحدة (المقصود هنا المؤسسة الدينية الرسمية والمعترف بها من المؤمنين العاديين)، والمنقسم إلى دول عدة محكومة من أنظمة مكروهة من شعوبها فلا هي تسمح بظهور شخصية شعبية مشابهة للخميني ولا الشعوب مستعدة للمواجهة في الشارع كما فعل الإيرانيون، ولا تلك الدول مندرجة في المشروع الغربي الجديد بسبب تشابكات العلاقات الدولية وتعقيداتها. لذلك فالحل لا بدّ أن يأتي من الخارج اضطراراً.

 أي: خلق نموذج مغر ومناقض ومحفز، ما يسهل خلق النموذج الآخر استناداً إلى قوانين الفعل وردّة الفعل وجاء التدخل السوفياتي كما أشرنا سابقا ليشكل (وسيط التفاعل) والأهم ليمرر اللعبة على الدول السنية التي ما كانت حتماً ستنخرط في مشروع يهدد وجودها يوماً ما لأنه سيخلق منافساً شرعياً شعبوياً، من الطبيعي ألا يحفر أحد قبره بيديه الا إذا توهم أنه قبر لعدوه، وهكذا كان.

الخميني وتصدير الثورة

مع اللحظات الأولى لعودة الخميني إلى إيران زادت قناعة الغرب أنه لم يخطئ الاختيار، فقد طرح الخميني شعار (تصدير الثورة). أي: العمل على خلق نماذج مشابهة لنموذجه وتابعة له في عموم المنطقة وبدأت الحسابات، وترتيب الأولويات.

الاتجاه شرقاً قد يجلب النهاية سريعاً، إذ إن الباكستان نقطة الارتكاز الأمريكي الأساسية في شرق آسيا، وشمالاً الاتحاد السوفياتي الدولة القادرة على محو إيران بأكملها من الوجود بدقائق، وجنوباً البحر الممتد إلى نهاية الأرض فكان الغرب خياراً وحيداً وإجبارياً. نقول هذا ونحن نفترض بما يشبه اليقين أن ما كان يحرك الخميني هو نزعاته المرضية وليس دوراً مرسوما سلفا. قَبِلَ به، وجاء لينفذه.

أطماع الخمينية في العراق

الغرب غربان أحدهما (دول الخليج العربي) بوابة إلى جهنم لا يجرؤ عاقل على الاقتراب منها ولا يفكر في ذلك، والآخر (العراق) قوي وطامح لكنه غير مرغوب فيه إقليميا وتحالفاته الدولية هشة، والأهم إمكان اختراقه من الداخل ممكن بحكم التركيبة الاجتماعية الداخلية المواتية وهكذا بدا العراق الخيار الأكثر ملاءمة، والأوحد أساساً لتنفيذ المشروع.

عملت إيران الخمينية على زعزعة استقرار العراق الذي يعاني مثله مثل دول الإقليم كلها مشكلات الهوية الوطنية الملتبسة، والمشوبة بمخلفات التاريخ، والعلاقات غير العقلانية للسلطة بالشعب، والاشكالات النفسية التي تخلقها عملية التحديث السريع، ومن الأعلى لدى عوام الناس من خلال دعم مجموعات كردية في الشمال وشخصيات شيعية إما ناقمة أو مدفوعة بالنموذج الخميني في الجنوب، وتحرشات عسكرية على الحدود، ساعية لتعزيز الخوف لدى القيادة العراقية ودفعها إلى الاستسلام واحتوائها.

أي إننا لا نستطيع الجزم هنا أن نظام الخميني كان يسعى إلى الحرب الشاملة مع العراق بل فقط خلق توترات تسمح له داخلياً بتصفية المعارضين لحكمه سواء من أنصار الشاه وبقاياه أم من حلفائه في الثورة من القوى الوطنية والعلمانية الساعية إلى البناء والحداثة والرافضة لحكم ينتمي إلى قرون بعيدة خلت. وأيضاً إجبار العراق -بضغط الخوف- على اتخاذ توجهات داخلية مرغوبة وسياسات خارجية مطلوبة أي وضع العراق في خدمة المشروع الخميني عبر الضغط.

تخوفات العراق من (الهالة) الخمينية وحساباته لتطورات الأوضاع على الحدود لمْ تأتِ بالنتائج المرغوبة خمينياً وبخاصة أنها ترافقت مع تخوفات أكثر حدة لدى دول الخليج العربي العربية الأخرى، وحالة من عدم الوثوق بالحليف الأمريكي الذي ما زال حينها يعاني آثار العقدة الفيتنامية و-ربما- طموحات القيادة العراقية وشعورها أن الوقت ملائم للخلاص من (التَّيْس) الإيراني وغباء نظام الخميني وخوفه من فقدان السيطرة  في الداخل، كلها عوامل اجتمعت لتفجر أطول حرب في القرن العشرين راح نتيجتها أكثر من مليون ضحية ونحو أربعمئة مليار دولار وفق بعض التقديرات وبداية انهيار شامل في عموم الشرق، وما زلنا بحاجة إلى كشف وثائق وامتلاك أدلة لنحدد الدور الذي لعبه نظام (الأسد الأب) في تسعير الصراع ودفع الوضع إلى الكارثة انتقاماً من عدوه الوحيد وهو العراق. مع قناعتنا أن ذاك النظام كان سبباً رئيساً في تلك الحرب لأنها وسيلته الوحيدة لكسب إيران وإنهاء العراق بحسب اعتقاده.

إيران تستغل أخطاء العراق لمصلحتها

وضعت الحرب العراقية الإيرانية أوزارها بعد أن تجرع الخميني (كأس السم) كما قال هو، فانفجرت الأزمة بين العراق والكويت التي انتهت بحرب الخليج الثانية وتدمير القوة العسكرية العراقية المتفوقة إقليمياً وكسر عجرفة القيادة العراقية وغرورها.

لكن هذا لم يشكل درساً لنظام الخميني فبدلاً من فهم اللعبة الدولية اندفع النظام الخميني أكثر في رغباته وغاص بصورة أعمق في مستنقعات الموت وبدا له الحلم الذي راوده قريباً جداً وهو ينظر إلى جثة عدوه اللدود ممرغة في وحول الخيبة والهزيمة فقرر الدخول في شراكة مع الغرب تنتهي باستيلائه على المنطقة وطرد الغرب منها أو تحويله إلى شريك أصغر في أحسن الحالات.

هكذا قدَّم نظام الخميني الدعم الممكن كله سراً وعلانية للقوات الأمريكية في اجتياحها لأفغانستان واحتلالها للعراق، بل ذهب إلى حد تجنيد أتباعه المذهبيين العراقيين وتشكيل فيالق منها داعمة للغزو الأمريكي والقتال على الأرض أمامه لتقليل التكلفة البشرية الأمريكية التي قد يثير ارتفاعها السخط في الداخل الأمريكي إيمانا منه أن الآتي له، وأن عراق ما بعد صدام ليس إلا ولاية خمينية، وقد عمل على الترويج لفكرة أن صدام حسين هو نظام سني واستطاع أن يقنع كثيرين من سنة العراق وجزءاً لا بأس به من سنة المنطقة بمساعدة حليفه (أسد) الابن بتلك الأكذوبة. الأمر الذي حال دون تنظيم سنة العراق سياسياً ومشاركتهم في حكم وطنهم بسبب انخراط كثيرين منهم في فصائل المقاومة ضد الاحتلال الأمريكي وزاد الطين بلة فرضه بطرائق عدة قادة متخلفين عقلياً. نسخاً خمينية سنية مبتذلة على الفصائل السنية المقاومة، ما شوه المقاومة العراقية وضاعف الأثمان التي دفعها سُنة العراق والخسارات التي تكبدوها وفي النهاية حرموا من المشاركة السياسية، وأخيرا ذبحوا في الشوارع، أو أجبروا على الهرب من وطنهم.

مآل الأوضاع في العراق بعد الاحتلال الأمريكي وسيطرة أتباع الخمينية على مقاليد السلطة والنجاح في اختراع أسباب المجازر الطائفية، وفي النهاية تحوُّلُ العراق فعلاً إلى ولاية خمينية أسال لعاب النظام الإيراني غزيراً فاندفع أكثر في أوهامه وصار قادته يتبجحون بسيطرتهم على أربع عواصم عربية وبدأ بعض معتوهيهم الصغار بتوجيه من القادة أنفسهم يعلنون (مكة) هدفاً مقبلاً وغالوا كثيراً في إظهار نزعات طائفية انتقامية مجنونة، بل منفلتة من كل عقال، بلغت من الوقاحة أن أعلن رئيس وزراء العراق نوري المالكي أن المعركة هي بين جيش يزيد وجيش الحسين.

استغلال الحالة السورية إيرانياً

جاء انهيار نظام (الأسد) الابن تحت ضربات الثورة السورية فرصة أخرى لتوسع الخمينية ورافقه سيطرة أنصارها على اليمن عبر تحالفهم مع الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح وتغول حزب الله اللبناني وتحوله إلى القوة اللبنانية الوحيدة المقررة لبنانياً والذراع الإيرانية الطولى إقليمياً، مع ولاء تام وترابط عضوي استزلامي مع (قم) وحاجة روسية ملحة إلى قوى همجية على الأرض تساند المشروع الروسي في سورية الراغب في تحويل روسيا إلى دولة عظمى أو استعادة موقع الدولة العظمى الثانية الذي شغله الاتحاد السوفياتي السابق أربعة عقود (1950 –1990)، واستخدام سورية منصة انطلاق نحو ذاك الحلم/ الوهم؛ عوامل مجتمعة جعلت إيران الخمينية بعبعاً حقيقياً وكابوسا مرعباً وبدت الإمبراطورية الفارسية كما لو أنها واقع  يتمظهر تدريجاً وبقوة وثبات.

الدور الإيراني في نهايته

قد يكون (محمد علي باشا) الوالي العثماني على مصر وحده يمتلك أعذاراً مفسِّرة وليست مسوّغة للخطأ الكارثي الذي وقع فيه، وأعني به تحديث الدولة من الأعلى عبر بناء القوة العسكرية بوسائل مستعارة، وتوظيف تلك القوة لتحقيق طموحات توسعية إقليمية وعذره ربما كان في غياب النموذج الذي يقيس عليه أو يستنير به وضعف الخبرة باللعبة السياسية الدولية وأيضاً الجهل بطبيعة الدولة الحديثة ومرتكزاتها …إلخ، لكنه لم يكن الوحيد ولم يستفد الآخرون من تجربته فلحق به (عبد الناصر) وسار على الدرب ذاتها (صدام حسين) وها هو نظام الملالي ينتهي إلى الكارثة ذاتها.  

لم تدرك إيران الخمينية أنها محض حاجة موقتة لتنفيذ مشروعات الآخرين في المنطقة وسكِرِتْ حتى الثمالة بنشوة انتصارات زائفة لم تحققها القوة الإيرانية الذاتية، بل (التطنيش) الأمريكي والحاجة الروسية و(وهن) الحكم السعودي وتردد النظام التركي وزاد من نشوتها الزائفة سعة الصدر الأمريكية وطول البال. تلك السياسة المدروسة بدقة التي نفذتها إدارة الرئيس أوباما أثناء التفاوضات النووية التي حققت من خلالها إيران بعض المكاسب خصوصاً الاقتصادية من خلال رفع الحظر على ودائعَ، وتوقيع عقود مغرية جداً مع شركات أوروبية.

ذلك كله دفع إيران إلى استعجال إعلان النصر على عامة العرب وبهذا الإعلان اعتقدت أنه صار حقاً لها أن تجلس مع الكبار. لكن كبير الكبار كان له رأي آخر. وعندما يعلن كبير الكبار صافرة النهاية يبدأ الكبار بالتصفيق وتوضع الرؤوس الصغيرة على النطع استعداداً للاحتفالات.

إسرائيل على الخط

إسرائيل التي أرغمت على التزام الصمت طويلاً خرجت عن صمتها وقالت كلمتها: لا للوجود الإيراني في سورية حتى ولو كلفنا ذلك التضحية بكلب الحراسة الوفي وبدأت توجيه ضرباتها القوية ضد إيران في سورية وحاولت إيران اختبار الجدية الإسرائيلية في الجولان فتلقت الصفعة القوية وحاولت في غزة فظهرت القبضة الإسرائيلية حديدية. غير آبهة بردات الفعل.

جاء الخذلان الآخر من الحليف الروسي الذي لم تقرأ إيران نياته بالشكل الصحيح فاعتقدت أنه طوع بنانها كما تفعل أي عاهرة في نهايات السن الملائمة للمهنة حين تدفع المصادفة في طريقها (زبوناً) ذا وزن فتظن أنه حمل وديع هائم قبل أن تكتشف أنه ذئب غادر.

قَبْلَ الاسرائيليون والروس غيَّر السعوديون سياساتهم الإقليمية السابقة كلها القائمة على العمل بصمت وشراء المواقف وتجنب (وجع الرأس) فأعلنوا (عاصفة الحزم) التي شارفت على نهايتها المرجوة.

انتهى الدور يا إيران

الرد الإيراني على الانسحاب الأمريكي من (خطة العمل الدولية الشاملة) المعروفة اختصاراً بالاتفاق النووي لم يتجاوز حد الاستنجاد بمساعد الأمريكي أي أوروبا ومطالبتها بالخروج عن تعاليم (المعلم) استناداً إلى القيم الأخلاقية التي توجب على المتعاقدين الالتزام بشروط التعاقد والإتجار بالقانون الدولي وقواعد التجارة الدولية وهي رؤية ساذجة لطبيعة التحالف الأمريكي الأوروبي لكنها لا تكشف سذاجة التفكير الإيراني وإنما عجز إيران عن الفعل.

أخيراً وقف كبير الكبار منتشياً كالطاووس ليعلن القرار الأخير: اثنا عشر شرطاً غير قابلة للتفاوض. إما ان تنفذها إيران فتنجو إلى حين وإما مواجهة النهاية المذلة.

  1. كشف التفاصيل المرتبطة ببرنامج طهران النووي كلها، والسماح لوكالة الطاقة الذرية بالتفتيش المستمر.
  2. التوقف عن تخصيب اليورانيوم، وغلق المفاعل الذي يعمل بالماء الثقيل.
  3. منح الوكالة الدولية نفاذًا شاملًا للمحطات النووية الإيرانية كلها.
  4. وضع حد لانتشار الصواريخ البالستية والصواريخ التي يمكن أن تحمل رؤوسًا نووية.
  5. إطلاق سراح الأمريكيين والمواطنين كلهم الحاملين لجنسيات من دول حليفة لواشنطن المحتجزين في إيران.
  6. وضع حد لدعم (المجموعات الإرهابية في الشرق الأوسط).
  7. وضع حد لدعم حركة طالبان والقاعدة والجماعات الإرهابية الأخرى.
  8. وضع حد لدعم فيلق القدس في الحرس الثوري.
  9. وضع حد لتصرفات طهران تجاه إسرائيل والدول الحليفة لواشنطن في الشرق الأوسط.
  10. نزع سلاح الميليشيات الشيعية في العراق.
  11. وضع حد لدعم ميليشيات جماعة الحوثي في اليمن.
  12. الانسحاب من سوريا وسحب ميليشيات الحرس الثوري الإيراني هناك. 

النظرة السريعة إلى الشروط السابقة تكشف توجها أمريكياً حاسما باتجاه إعلان انتهاء المهمة الإيرانية. من الانسحاب من الإقليم نهائياً إلى إنهاء برنامجها النووي إلى الأبد إلى الشرط الأخطر الذي يجبرها على فتح المواقع كلها للتفتيش الدولي، وهو الشرط الذي استخدم مع العراق لتوجيه إهانات متكررة وكشف أسرار الدولة كلها، والشرط الأكثر خطراً الذي يلزم إيران بتغيير سياساتها تجاه إسرائيل والسعودية ودول الخليج ما يعني انتهاء (ببروغندا) المقاومة والممانعة التي استخدمها ملالي (قم) لاختراق الدول العربية (سوريا ولبنان خصوصاً).

الشروط الأمريكية هي تكرار للسيناريو العراقي الذي يقوم على إنهاء النظام على مرحلتين تتضمن الأولى تقليم أظافر النظام وإهانته في الداخل لحمل أتباعه على تغيير نظرتهم إليه وقطع أذرعه العسكرية التي قد تثير مشكلات إقليمية غير مرغوبة إذا ما انهار النظام الإيراني.  

الثانية توجيه الضربة القاضية له ومن هنا جاء رد (خامئني) باستعداد إيران لإنهاء البرنامج النووي ولكنها لن تفاوض على البرنامج الصاروخي والدور الإقليمي. من خلال الشروط السبعة المضادة التي أعلنها (خامئني) لاستمرار التزامه بالاتفاق النووي.

تستطيع إيران استثمار كثير من تناقضات المصالح الدولية للصمود أطول مدّة ممكنة ولكنها حتماً لن تستطيع تحقيق النصر.

تستطيع إيران تقديم كثير لمدافع إسرائيل لكنها لن تستطيع الاحتفاظ بسوريا، ما كانت تفتقده أمريكا سابقاً وجود قوة محلية قادرة ومقبولة ومضمونة وهو الدور الذي عجزت عن تأديته إسرائيل وتركيا. لكن يبدو أن السعودية قادرة ومستعدة أيضاً لذلك، ما هو مقبل في هذا الشرق البائس أسوأ مما ولَّى، لكن الضوء قد لاح في نهاية هذا النفق الطويل.


هذه المادة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.