انقلاب أكثر من كونها انتخابات.. ما هو المطلوب من الحكومة الفلسطينية القادمة؟

بعد أيامٍ من إعلان الرئاسة الفلسطينية عن إجراء الانتخابات العامة على ثلاث مراحل، تمتد من أيار القادم وحتى تموز من العام الجاري، تتصاعد التكنهات حول نتائج تلك الانتخابات ومدى انعكاسها على الوضع الفلسطيني عموماً، بعد 14 عاماً من المقاطعة بين الحركات المسلحة الفلسطينية، وما هو المطلوب من الحكومة المتمخضة عنها.

وكان قرار الرئيس الفلسطيني، “محمود عباس” قد أوضح أن الانتخابات التشريعية ستجرى في 22 أيار القادم، في حين تجرى الانتخابات الرئاسية في 31 تموز، على أن تعتبر نتائج انتخابات المجلس التشريعي المرحلة الأولى في تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني.

مؤشرات سلبية وقرارات إقليمية

أولى المؤشرات حول الانتخابات الفلسطينية، كانت سلبية مع إعلان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مقاطعتها لتلك الانتخابات، حيث يشير عضو الجبهة “عمر شحادة” إلى أن قرار الرئيس “عباس” لم يكن مشجعاً على المشاركة فيها على اعتبار أنه لم يتضمن أي تأكيدات على إنهاء الانقسام السياسي الحاصل، وفقاً لقوله.

كما يرى “شحادة” في تصريحاته أن الأولوية حالياً هي لترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، والذي يتطلب إنهاءاً للانقسام، مضيفاً: “الجبهة لن تشارك في الانتخابات على وضعها الحالي كون شروط إنجاحها غائبة”.

ويستخدم مصطلح الانقسام الفلسطيني للإشارة بشكلٍ خاص إلى حالة النزاع الحاصلة بين حركتي فتح وحماس، والذي اندلع عام 2007، بعد سيطرة حماس على قطاع غزة وطرد أجهزة السلطة الفلسطينية منها، ما اعتبرته فتح انقلاباً على السلطة، ليدخلا في نزاعات مسلحة غير مسبوقة في تاريخ القضية الفلسطينية.

تزامناً، يشير المحلل السياسي، “براء محسن” إلى أن الانتخابات الفلسطينية ليست قراراً فلسطينياً داخلياً، وإنما هناك أطراف إقليمية لها يد في مسيرة تلك الانتخابات وحتى مشاركة الحركات فيها، موضحاً: “مثلا حركة حماس والجهاد الإسلامي مرتبطان بتحالفات إقليمية تسيطر على قرارهما وخاصة حالة التحالف مع إيران، والتي عبرتا عنه صراحةً حلال الفترة الماضية”.

كما يلفت “محسن” إلى أن عدة حركات فلسطينية أخرى مرتبطة بحهات إقليمية، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي تحالف النظام السوري بشكل قوي ووقفت إلى جانبه في الحرب التي تشهدها البلاد منذ 2011، لافتاً إلى أن كل تلك الحركات سيكون قرارها متأثراً بتحالفاتها، وتحديداً التحالفات مع إيران.

يذكر أن عدداً من قيادات حركة حماس، بينها “محمود الزهار”، قد أعلنت خلال الأسابيع الماضية، عن تحالفات قوية مع إيران، لافتةً إلى أن نظام طهران وتحديداً قائد فيلق القدس السابق، “قاسم سليماني”، كان لهم دور كبير في تزويد الحركة بالأسلحة.

في السياق ذاته، يؤكد “محسن” أن التبعيات والتحالفات الخارجية والإقليمية ستمثل أكبر خطر على المصالحة والانتخابات وستفرغها من محتواها، على اعتبار أن مصالح بعض الأطراف الدولية، مرتبطة باستمرار الانقسام الفلسطيني، تحديداً المشاريع الإقليمية، التي تقام حالياً في قطاع غزة.

بين 2007 و 2014

تناولاً للانتخابات القادمة، يشير الباحث في الشوؤن الفلسطينية، “مروان داوود” إلى أن الانتخابات الحالية تختلف كلياً عن الانتخابات في عام 2007، معتبراً أن مهام الحكومة القادمة ستتمثل في إنهاء الانقسام وفك الحصار عن غزة والتوصل إلى تفاهمات سياسية مع المجتمع الدولي، بهدف دفع عملية السلام وإعادة الزخم إلى القضية الفلسطينية، وهو ما يتطلب حكومة مقبولة دولياً وإقليمياً، وليس حكومة حرب.

كما يضيف “داوود”: “المطلوب حالياً من الحركات الفلسطينية ليس فقط إدارك أهمية المصالحة فحسب، وإنما قراءة المشهد الدولي بشكل دقيق ومعرفة أن الحكومة القادمة يجب أن تكون سياسية بامتياز وواقعية وبعيدة عن لغة الشعارات، وتمتلك توازنات معينة تجعلها قادرة على استغلال وجود رغبة دولية في إعادة إحياء المفاوضات من جديد، أو بشكل أوضح، القضية الفلسطينية بحاجة حكومة تكنوقراط وليس حكومة حزبية”، معتبراً أن أي حكومة أخرى ستأتي ستحمل نتائجاً كارثية على الشعب الفلسطيني.

وكان وزير خارجية مصر “سامح شكري”، قد أكد قبل أيامٍ دعم بلاده بالإضافة إلى كلٍ من الأردن وألمانيا وفرنسا، لإعادة استئناف مسار مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والوصول إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، لافتاً إلى وزراء خارجية الدول الثلاث، ناقشوا حث الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على التفاوض على أساس حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.

في هذا السياق، يشدد “داوود” على أن حكومة مؤلفة من حماس والجهاد الإسلامي لن تكون مقبولة بالنسبة للمجتمع الدولي، خاصةً بعد مجاهرتهما بالعلاقات مع إيران، التي تصنف كراعيةٍ للإرهاب في العالم، لافتاً إلى أن الحركتين مطالبتين بعدم المساهمة في تكرار سيناريو لبنان في القضية الفلسطينية، لا سيما وأن ما حدث مع قطاع غزة خلال الأعوام الـ 14 الماضية، يوضح أهمية الانفتاح على المجتمع الدولي وتبني ثقافة المقاومة السياسية.

يشار إلى أن قطاع غزة يعيش منذ عام 2007، حصاراً خانقاً فرضته إسرائيل، بعد سيطرة حماس على القطاع، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر إلى 75 بالمئة بحسب إحصائيات وزارة التنمية الاجتماعية التابعة لحكومة حماس، مبينةً أن 70 بالمئة من سكان القطاع يعانون من عدم الأمان الغذائي.

تعليقاً على حديث، “داوود”، يلفت خبير التنمية، “إسماعيل السوريكي” إلى أهمية أن تفرز الانتخابات القادمة، حكومة قادرة على الالتفات إلى الداخل وليس للخارج فقط وملف المفاوضات، معتبراً ان الأراضي الفلسطينية تحتاج إلى قدر كبير من التنمية خاصةً في قطاع غزة المحاصر، بعد الدمار الحاصل فيه.

مطالب إضافية ودماء جديدة

أعلى قدر من الفائدة، التي يمكن أن تتحقق للقضية الفلسطينية ككل من خلال الانتخابات، هي وصول دماء جديدة إلى مراكز القرار الفلسطيني، بحسب ما يقوله المحلل السياسي، “إياد أبو زهرة”، لافتاً إلى أن القضية الفلسطينية لا تزال تدار منذ نحو 8 عقود بذات الوجود وذات العقليات وذات الاستراتيجية، على الرغم من التطور الكبير الحاصل خلال تلك الفترة، سواء من ناحية القضية الفلسطينية أو التفكير السياسي أو المتغيرات الدولية والإقليمية.

يذكر أن منظمة التحرير الفلسطينية تمثل الجهة المعترف بها دولياً وعربية، كممثل للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، كما أن قيادتها لم تتغير منذ تأسيسها عام 1964، حتث تعاقب على رآستها شخصيتان فقط، هما الرئيس الراحل، “ياسر عرفات”، تبعه الرئيس الحالي، “محمود عباس”.

كما يعتبر “أبو زهرة” أن القضية الفلسطينية باتت تحتاج إلى مزيد من الاهتمام بالجانب السياسي، أكثر من ربط المقاومة فقط بالسلاح والعسكرة، مشيراً إلى أن الشعب الفلسطيني يحتاج بدوره إلى حكومة قادرة على فك الحصار عنه وتنشيط عملية التعليم والتنمية وإقامة نواة دولة قابلة للحياة، بدلاً من الدخول في تحالفات وحصر الحديث عن الدعم بالأسلحة.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©